rostyslav-savchyn-gdQ43QHExKA-unsplash

 صورة Rostyslav Savchyn من Unsplash

فتيات مصريات يروين تجاربهن مع "فحص العذرية" الإجباري

أجبرني خطيبي على الفحص كشرط للزواج، فأجريته ثم انفصلت عنه
26.3.19

منذ فترة تقدم أحد نواب البرلمان بطلب للمجلس لإجبار الطالبات الجامعيات على الخضوع لـ"فحص عذرية." أثار الطلب الغريب بلبلة كبيرة، وجرّ على النائب انتقادات واسعة، ما انتهي إلى عدوله عنه؛ إلا أنه عكس بشكل كبير النظرة التي يختزل فيها المجتمع النساء وكيف هو لمفهوم الشرف لديهم. ورغم أن فحص العذرية يُعد شكل أساسي من أشكال العنف الجنسي لا يقل خطورة عن الختان أو الأغتصاب الزوجي، إلا أن مفهوم السيطرة الأبوية على الجسد أي أن جسد الفتاة ليس ملكها في مجتمعاتنا الشرقية جعل من السهل أن يقوم الأب أو الأم وأحيانًا الخطيب باقتحام هذه المساحة. وما بين المدافعين عن حق المرأة في جسدها واختيارات حياتها، والرافضين لحريتها مطالبين بخشوعها وخضوعها، تحدثنا مع عدد من النساء اللواتي تعرضن لهذا الفحص المهين.

سلمى: الفحص شرط الزواج
الفيلم المصري "بنتين من مصر" ناقش قضية فحص العذرية، أو "كشف العذرية" في العامية الدارجة، للفتيات المقبلات على الزواج من قبل العريس حتى يتأكد من شرفها. ظهرت الفنانة زينة مستلقية على سرير إحدى عيادات النساء لتفحصها الطبيبة، ومن ثم تؤكد للزوج المستقبلي أنها لا تزال "بكرًا". لم يختلف المشهد السنيمائي السابق عما تعرضت له سلمي (35 عامًا)، والتي تعرضت للموقف ذاته بعد علاقة عاطفية دامت لعامين، "ارتبطنا عامين متتالين كان قريب لأحد أصدقائي الذكور وربما لأني تعرفت عليه عن طريق صديق ذكر كان أحد الأسباب التي دفعته لإهانتي".

تضيف سلمى: "بعد مرور وقت رأيت أنه كافي لكي نتزوج بدا مترددًا وقدم أعذارًا غير منطقية، ثم صارحني في النهاية برغبته الملحة للتأكد من عذريتي، وبعد مشاجرات ومعارضة أكد لي أنه يعلم مدى بشاعة الطلب لكنه يعاني من شك يقتله، ويعتمد على حبي له ورغبتي في بقائنا معًا". لم تكن الفتاة الثلاثينية تعي نتيجة ما فعلته حينها حينها، ودفعتها عاطفتها لقبول طلب خطيبها والذهاب إلى طبيبة نسائية اختارها بنفسه، لتجري الفحص وتتأكد من عدم وجود تجارب جنسية سابقة لها، معللًا ذلك برغبته في الاطمئنان قبل الزواج بها.

"رد فعل الطبيبة هو ما أرعبني حيث أنها لم تبد أي اعتراض على الإطلاق"، تقول سلمي، وتضيف: "بعد انتهاء الفحص الذي استمر لحوالي نصف الساعة نتيجة ارتباكي وخوفي الشديدين، أوضحت له أنني لا أزال عذراء. لكن وبمجرد خروجي من الحجرة قررت ألا استمر في تلك العلاقة نهائيًا. أدركت أنني تساهلت في حق نفسي، أصبت بعدها باكتئاب استمر طويلًا، لم أتزوج أو أخض علاقة عاطفية بعدها حتى الان وقد أوشكت على إنهاء الثلاثينات من عمري".

روان: شعرت وكأني حشرة
"بمجرد دخول غرفة الطبيبة شعرت أنني أشبه الحشرة"، هكذا بدأت روان (27 عامًا) حديثها عن تجربتها مع فحص العذرية الإجباري، قائلة: "كنت في الحادي والعشرون من عمري فوجئت أمي تصطحبني إلى طبيبة أمراض نساء وتركتني في الغرفة ثم ذهبت. بدأت الطبيبة بمحاولة المباعدة ما بين قدميّ بالقوة، وبعد عدة دقائق من المعافرة نجحت في الأمر. تصف روان ما عايشته في تجربتها: "كنت لا أصرخ ولكن لم تتوقف عيناي عن ذرف الدموع، خرجت الطبيبة إلى أمي وقالت لها (بنتك زي الفل)، وبالرغم اطمئنان أمي لأنني (سليمة)، إلا أنني كنت في الحقيقة غير عذراء".

تضيف روان: "كنت حينها على علاقة بزوجي الحالي أدت إلى فض غشاء بكارتي، ورغم خوفي الشديد من الذهاب للطبية حتى لا ينكشف الأمر، إلا أنها لم تكتشف حقيقة الوضع، وفقط اكتفت باعطائي بعض النصائح بأن أبتعد عن أصدقاء السوء وأن أتوقف عن ممارسة العادة السرية".

وعن آثار التجربة تقول: "خضعت أمي لإجراء الفحص بعد إلحاح أبي، وبعد ذلك أصبحت تشعر بالذنب تجاهي، لكن كان قد حدث لي شرخ كبير مستمر حتى الآن في علاقتنا برغم أنني أصبحت أم أيضًا ومرت سنوات على الحادث". وتتابع: "ولأن في هذا الوقت لم يكن متاح أن أذهب لأي من جهات الدعم النفسي، أصبحت فقط اتحاشي تذكر ما حدث، لكني لم استطيع تجاوز كيف تحولت الطبيبة في معاملتي من التعامل بجفاء وقسوة، قبل الفحص إلى حنو وتعاطف مع مجموعة من النصائح بعد أن اتضح لها أنني مستقيمة بحسب العرف السائد، فلم استوعب هذا التناقض حتى الآن".

في مصر لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد عمليات فحص غشاء البكارة، كما أن هناك جهل في التفرقة بين الفتيات الفاقدات لغشاء البكارة الناتج عن الممارسة الجنسية وبين وجود أنواع مختلفة من الغشاء أو عدم وجوده من الأساس لدى بعض الفتيات اللاتي يولدن من دونه في بعض الحالات.

آية: عندما يعرضك الحب للإهانة
وتروي آية (32 عامًا) قصتها مع كشوف العذرية: "قصتي بدأت بعد أن قررت العودة مرة أخرى لخطيبي التي قد سبق أن أنهيت علاقتي معه، ولكن أسرتي رفضت تمامًا أن تعود المياه لمجاريها كما يقال، ولكني أصررت على موقفي، خضت معهم صراعات طويلة حتى حاولت الهرب من المنزل ولكن محاولاتي باءت بالفشل.

ومن هنا بدأت الأم في التفكير بشكل مختلف في هذه العلاقة والشك بأن الإصرار على الزواج من هذا الشخص نابع من كون الفتاة أقامت علاقة جنسية معه، لذلك تخشى الفضيحة بالزواج من غيره. "أخذتني لطبيبة وقررت أن تفحص عذريتي، ولكني لآخر لحظة كنت أكذب نفسي وتوقعت أنها تحاول إخافتي فقط، ولكن الفحص تم بالفعل. أصبت بانهيار عصبي، ولم استطع تجاوز هذه التجربة الإ بمساعدة الأخصائية النفسية، إلا أنه وبعد مرور سنوات على الحادث الذي تم وانا في التاسعة والعشرين من عمري، فأنا أخشى الذهاب مع أمي لزيارة أي طبيب حتى الآن".

لم يشكل المستوى الثقافي الذي نشأت فيه آية فارقًا في قرار والدتها بالكشف على عذريتها، حيث أن الأب والأم من ذوي المؤهلات العليا، لكن مستواهما الثقافي والتعليمي لم يمنع وقوعها ضحية هذه الممارسة. ربما لهذا السبب تعاملت الطبيب التي أجرت عليها الفحص مع الأمر كروتين اعتيادي. تقول آيه: "كانت الطبيبة تحاول تهدئة بكائي أثناء الكشف بكلمات من نوعية أن كل الأهالي من حقهم أن يكشفوا و يطمئنوا على بناتهن، ما أكد لي أنها معتادة على هذا النوع من الكشوفات الذي لا يتجاوز ثمنه عشرات الجنيهات، ويتم تحت مسمى كشف نساء عادي".

بمساعدة الطبيب النفسي استطاعت آية تجاوز الحادث بعد سنة من العلاج، وأكثر من 6 أشهر حتى تتخلص من نوبات الهلع التي تعايشت معها لفترة؛ إلا أن التجربة أثرت على حياتها، فتوقفت عن العمل تمامًا، والآن تحاول العودة لحياتها الطبيعية مرة أخرى، بقبول الزواج من شخص مناسب، وإن كان ذلك بشكل تقليدي، حتى تتمكن من الخروج من منزل الأسرة.

منة: تعرضت لكشف عذرية منزلي
تعرضت منة (25 عامًا) كذلك للتجربة ذاتها لكن على يد أبيها هذه المرة "عندما كنت في مرحلة الإعدادية، طلب مني والدي الابتعاد عن صديقة مقربة كانت تسكن بالقرب من منزلي، ولكني كسرت كلمته وذهبت للجلوس معها، لم أكن أعرف أن مثل هذا الفعل البسيط سيكون بداية لمأساتي، اصطحبني والدي لغرفتي وسألني ماذا كنت أفعل معها والباب مغلق علينا، بدأ ينعتني بأبشع الألفاظ التي يمكن أن تسمعها فتاة، ومن ثم اتخذ القرار بالكشف عن عذريتي".

تتذكر منة تفاصيل الكشف عن عذريتها منزليًا: "طلب أبي من أمي أن تنزع عني ملابسي حتى يتأكد من كوني بنت (بِكر)، كان الأصعب هو صمت أمي وخضوعها لأوامر أبي رغم تأكدها أنني لم أفعل أي شئ. المستوى العلمي والثقافي لعائلتي كان جيد، لكن ذلك لم يغير من أفكارهم الاجتماعية التي تربط بين جسد الفتاة وشرف العائلة.

حطمت التجربة علاقة منة بوالدها "هو أكثر شخص كرهته فى حياتى، حد أنني أخشى دخوله عليا ليلًا، ولا تغفل عيني أثناء وجوده في المنزل. كانت هذه المرة الأولى التي يفعل أبي ذلك ولكنها لم تكن الأخيرة، رغم أنني لم أتعافى مما حدث المرة الأولى من أرق، فزع، خوف، جرح، و شرخ فى شخصيتي". لكن ذلك لم يمنع والدها من تكرار التجربة القاسية مرة أخرى: "تعرضت للكشف الثاني في المرحلة الجامعية، بعد أن ذهبت إلى أحد رحلات الجامعة بموافقة أسرتي، بعد عودتي تعدي أبي عليّ بالضرب ناعتًا إياي بالعاهرة، هذه المرة بمجرد أن قام بلمسي نزعت ثيابي دون مقاومة وقام ومعه أمي بفحص عذريتي، وكأنهم يطمئنون على بكارتي بعد كل مرة تخطو فيه رجلي خارج المنزل.

حاولت منة الهرب من منزلها بعد ذلك أكثر من مرة، لكنها لم تكن تمتلك الجرأة لتقوم بذلك في كل مرة. "كنت جبانة أخشى أن أترك أمي، لكني كرهت جسمي وكونى أنثى تختزلها عائلتها في مجرد (غشاء بكارة).

ممارسات ممنهجة
تُصنف النساء اللاتي يفقدن غشاء البكارة خارج إطار الزواج في البلاد العربية في درجة أقل مجتمعيًا ويصبحن منبوذات من الجميع، وقد يصل الأمر إلى تعرضهن للقتل في إطار ما يعرف بـ"جرائم الشرف"، لذلك لا تبدو ممارسة "كشوف العذرية" الإجبارية مستهجنة اجتماعيًا، ولا ينظر إليها باعتبارها انتهاك جسدي ونفسي في حق الفتيات.

وتشترك معظم النساء اللاتي تعرضن لتجربة كشوف العذرية الإجبارية في ضعف المساندة الأسرية والمجتمعية، بحكم القبول العام لسلطة الرجل والإقرار بحقه في تأديب نساء العائلة لأي أسباب يراها، بحسب ما جاء على لسان الدكتورة ماجدة عدلي، مديرة مركز النديم ﻟﻠﻌﻼﺝ ﻭﺍﻟﺘﺄﻫﻴﻞ ﺍﻟﻨﻔﺴﻰ ﻟﻀﺤﺎﻳﺎ ﺍﻟﻌﻨﻒ، والتي أوضحت أن من أهمها سقوط الكثيرات في فخ الابتزاز الذي يستخدمه أغلب ممارسي العنف مثل "بحبك، غصب عني، انتِ اللي خلتيني أشك فيكي" وهكذا من أشكال الابتزاز الذي يجعل المرأة تقبل أحيانًأ وتكون مجبرة أكثر.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية لدى مركز النديم، أو غيره من المراكز الحقوقية المصرية، أو حتى لدى الجهات الحكومية، إلا أن عدلي أشارت إلى نتائج أبحاث ودراسات تُعد مؤشرًا هامًا لمدى انتشار العنف الأسري ضد النساء، والذي تعد "فحوص العذرية" أحد أخطر أنواعها، مرجحة أن ضعف الإحصائيات يرجع إلى أن أغلب قضايا العنف في مصر تتوقف عن حد التبليغ والشكوى.

وقالت عدلى أن قليل جدًا من المعارضات للعنف يسلكن المسار القانوني، لأنه لا توجد آلية حماية فعالة وسبل دعم للمعنفات أسريًا أو المعارضات لكشف العذرية، كتوفير مسكن آمن وتوفير نفقات الدراسة، بالإضافة إلى عدم وجود عقوبة قانونية للمسؤول عن التعنيف، فحتى اليوم لا يوجد بمصر قانون خاص بالعنف داخل الأسرة رغم وجود مسودات مشاريع قوانين في هذا الشأن، فضلًا عن وجود مواد بالقانون تعفي من العقوبة تحت دعوى أن النية كانت التربيه أو التأديب، أو الدفاع عن الشرف، وهو ما ينتهي إلى إفلات المسؤول عن هذه الانتهاكات من العقاب.

تم تغيير جميع الأسماء الواردة بالمقال بناء على طلب أصحابها

Tagged:مصر