زراعة

صديقة للطبيعة تشجع الفلسطينيين على أكل التاريخ

أسست فيفيان صنصور مكتبة البذور البلدية الفلسطينية لجمع بذور النباتات المهددة بالانقراض

إعداد سالم الريس
2019 04 18, 7:33am

فيفيان صنصور تحمل بذور الورد البلدي الأصفر. تصوير: جون حلقة

بعد سنوات من دراسة علم الإنسان والعيش في الولايات المتحدة، عادت فيفيان صنصور، 40 عامًا، إلى فلسطين وهي تشعر بالحنين للأكلات التي تُعدها والدتها، وكانت متشوقة للعودة لشراء الخضروات من الفلاحات كبار السن في السوق. لكن فور عودتها، تفاجأت باختفاء كل ذلك، فقد أصبح الفلسطينيون يعتمدون على خضروات وفواكه المستوطنات الإسرائيلية، المصنعة، والمتوفرة طوال العام، الأمر الذي أحبطها.

عملت فيفيان في مجال الكتابة عن حياة المزارعين الريفية شمال مدينة جنين في الضفة الغربية، عندما تعرفت على نمط حياتهم والتحديات التي تواجههم، الأمر الذي استحوذ على تفكيرها في البحث أكثر والتعمق في مجال الزراعة. وقررت السفر مرة أخرى للولايات المتحدة لتركز في رسالة الدكتوراه على مجال الزراعة. خلال تلك الفترة، من عام 2014، تيقنت فيفان من أن المزارعين الفلسطينيين لديهم معلومات أكثر فائدة من الجامعة، لذلك قررت العودة إلى فلسطين والتعلم منهم مباشرة، كما تقول لـ Vice عربية في مكالمة هاتفية.

"أنا أعشق الحديث عن تنوع وجمال طبيعة المدن الفلسطينية وما يميزها من خضروات وفواكه، وعند عودتي شعرت بخطر يهدد الطبيعة، وطرحت على نفسي سؤال "كيف أُنقذ وطني وطبيعته المهددة بالانقراض؟" فكرت كثيرًا قبل أن اقرر جمع بذور بلدية مهددة بالانقراض، مثل البطيخ الجدوعي الذي كانت تشتهر بزراعته جنين."

1553765936677-seeds2
بذرة الورد البلدي الأصفر.

بدأت فيفيان بنشر صور البذور التي جمعتها على فيسبوك، وتلقت العديد من الرسائل والمكالمات من مختلف المدن الفلسطينية، أخبروها عن قصصهم وتعطشهم للخضروات الآخذة بالانقراض، لتتأكد أنها ليست الوحيدة التي تفكر في إعادة إحيائها. تطورت الفكرة مع الوقت، وأنشأت عام 2016 مكتبة البذور البلدية الفلسطينية، بمبادرة شخصية منها، في بيت ساحور في مدينة بيت لحم في الضفة الغربية، في محاولة إعادة إحياء الأصناف البلدية كما تقول: "بحثت عن بذور بلدية لأصناف مهددة بالانقراض عند المزارعين في الأرياف الفلسطينية، جمعتها، وبدأت في حثهم على زراعتها بهدف تحويلها لثمار يمكن تناولها."

ومن بين البذور التي جمعتها فيفيان، كانت بذور "القمح، البطيخ، الخيار، البندورة، البامية، السبانخ، الفول، الحمص والبازيلاء" وهي أصناف في غالبيتها بلدية بعلية، تتكاثر عن طريق عملية تبذير بذورها سنويًا، كما أنها تنمو في الشتاء على الأمطار، وفي الصيف تعتمد على رطوبة التربة، ولا تحتاج للأسمدة وتكاليف حمامات زراعية. وتسمى بعض الأصناف البلدية بالبعلية، نسبة إلى الإله الكنعاني "بعل" منذ آلاف السنين، كما تشير فيفيان تضيف: "الأصناف البعلية استطاعت أن تعيش وتتعايش مع المناخات المختلفة طوال آلاف السنوات، وأيضًا هي مهمة لأنها تمنحنا استقلالية كمجتمع فلسطيني يمكنه الاعتماد على نفسه في زراعة مختلف الخضروات دون الحاجة الى الغير."

1553765975708-WhatsApp-Image-2019-03-28-at-75820-AM
بذرة الزينيا.

قامت فيفيان بتأسيس مكتبة البذور من خلال مركز البير للفنون والبذور، وهي تعتمد بعملها بالأساس على المزارعين القدامى الذين ترى أنهم يتمتعون "بالفن والخيال" بسبب قدرتهم الطبيعة على مراقبة تغيير وتفاعل البذور مع البيئة المحيطة المتغيرة وتكيف البذور معها، وتقول "المزارعون فنانون وعلماء حقيقيون من خلال المعلومات التي يمتلكونها، والتي يجب أن نتعلمها منهم."

جداتنا هم أول من أسس فكرة مكتبة البذور، فجميعهنّ كُنّ يحتفظنّ ببذورهنّ في علب شوكولاتة الماكنتوش القديمة، نحن الآن نحاول أن نرتقي بفكرتهم

العمل والمجهود الذي قامت به صنصور في البداية لم يكن سهلاً، ففي ظل تدني أسعار الخضروات والفواكه الإسرائيلية المصنعة، كانت تكلفة الخضروات والفواكه البلدية مرتفعة. لكن من خلال إصرارها، وقدرتها على إقناع مجموعة من المبادرين الشباب وعدد من المزارعين بالفكرة، تمكنت بمساعدتهم من غرس العديد من الأراضي بالبذور التي جمعتها. حيث تعتقد أن مكتبتها الحقيقية هي أراضي المزارعين الذين يعملون معها على زراعة البذور وإعادة إنتاجها وتكاثرها، ونشر الفكرة وأهميتها مع مزارعين آخرين. حيث يستفيد المزارع من بيع الثمار، وفيما تنشر فيفان فكرتها الوطنية بامتياز.

1553766120092-seeds3
فيفيان صنصور تتفقد زهور الورد البلدي في بتير.

استمرت فيفيان بالعمل بين مكتبتها التي تميزت برفوفها الخشبية والمزينة بمطربانات أنواع مختلفة من البذور البلدية، وبين الأراضي الزراعية، خلال العامين السابقين، لكنها لا تعتبر عملها مميزًا، تقول: "جداتنا هم أول من أسس فكرة مكتبة البذور، فجميعهنّ كُنّ يحتفظنّ ببذورهنّ في علب شوكولاتة الماكنتوش القديمة، نحن الآن نحاول أن نرتقي بفكرتهم، وما زلنا في بداية المشوار. نحاول الحفاظ على أرثهنّ الثمين، هذا هدفنا الأساسي."

تبذل فيفيان مجهودًا كبيرًا بعد جمع البذور البلدية، في ظل انتشار الزراعات الصناعية التجارية التي أدخلتها إسرائيل، والتي وصفتها بـ "زراعات لا تحترم الطبيعة، وتحول المزارع لمستهلك، بعد أن كان منتجاً

وتعتقد فيفيان أن الفلسطينيين بحاجة الى هذه النباتات البلدية في ظل التغير المناخي الذي يتعرض له العالم. وتضيف: "لم يعد الندى الذي تعتمد عليه بعض النباتات البعلية الصيفية كالسابق، وهذا أحد التحديات التي يواجهها المزارع." منوهة إلى أنهم ليسوا بحاجة شراء المياه أو صناعة حمام بلاستيكي لتوفير بيئة معينة للبذور والنباتات البلدية، بل يمكن للمزارع من خلال خبرته التي اكتسبها عبرّ أجداده، التعامل مع التربة ومراقبة تأقلم البذرة البلدية أثناء نموها في التربة، والتي تعتمد على مياه الأمطار فقط.

1553766146296-WhatsApp-Image-2019-03-28-at-75822-AM
نقاش بين صنصور والمزارع أبو عنان حول المدخلات في المزرعة ببتير.

تبذل فيفيان مجهودًا كبيرًا بعد جمع البذور البلدية، بهدف الحفاظ عليها في التربة حتى تتكيف مع المناخ وتحميها من الانقراض، في ظل انتشار الزراعات الصناعية التجارية التي أدخلتها إسرائيل، والتي وصفتها بـ "زراعات لا تحترم الطبيعة، بل تخضعها وفقًا لمدخلاتها، وتحول المزارع لمستهلك، بعد أن كان منتجاً."

نحن اليوم بحاجة لأكل تاريخنا وليس فقط الحديث والتغني به

اليوم، لدى صديقة الطبيعة أكثر من 20 مزارع يساعدونها في جمع البذور البلدية وزراعتها، في الأراضي الزراعية المتوفرة لديهم، وتقول "نحن لسنا مؤسسة، بل مجموعة من الناس تحاول الحفاظ على ارثها الزراعي وطبيعتها الخلابة." قبل أيام، انتقلت فيفيان، والعاملون معها إلى مركزهم الجديد في قرية بتير، وهي بلدة ريفية فلسطينية من قرى بيت لحم، حيث تمتاز بالطبيعة والبساتين الخضراء التقليدية، كما أنها تشتهر بالباذنجان البتيري، كما أنها لم تغلق مكتبتها في بيت ساحور.

1553766240136-seeds4
فيفيان صنصور تتجول في قرية بتير.

وتطمح فيفيان، ألا يكون مستقبلاً هناك حاجة لمثل مشروعها: "أتمنى أن يعود ارثنا الزراعي، وأن يكون الجيل الجديد قادر على تكوين ثقافة زراعية بيئية صحية، تصبح من خلالها الأصناف المهددة بالانقراض اليوم، منتشرة في جميع أنحاء وأراضي فلسطين الزراعية،" معتقدة أن الفلسطينيين مدينون لأمهاتهنّ وجداتهنّ ولعلبة الماكنتوش، التي غرست في ثقافتها فكرة مكتبة البذور، وتقول: "نحن اليوم بحاجة لأكل تاريخنا وليس فقط الحديث والتغني به."

جميع الصور من تصوير: جون حلقة