سفر

القصة الحقيقية وراء انتقال لافتة من أستراليا إلى لبنان

من هذا الذي سرق لافتة، وطار عبر الكوكب ليثبتها على عمود كهربائي بقرية نائية في لبنان؟
18.2.19
لبنان

الصورة من الكاتب

في وقت سابق من هذا العام قام موقع Reddit بمشاركة صورة لافتة لإحدى الشوارع. كانت اللافتة تشير إلى طريق باراماتا في سيدني، ولكن بدلاً من أن تكون تلك اللافتة في استراليا، كانت موجودة في لبنان. وجدت أنه من الغريب أن يسرق شخص ما لافتة طريق من غرب سيدني، ويطير بها عبر منتصف الكوكب، ثم يعيد تثبيتها في قرية لبنانية نائية، لهذا أردت معرفة القصة وراء تلك اللافتة.

طريق باراماتا هو الشريان الرئيسي لغرب سيدني. عندما انتهت حرب لبنان الأهلية التي دامت 15 عاماً، وصف نيك غينرر رئيس بلدة نيو ساوث ويلز السابق، طريق باراماتا بأنه "بيروت في يوم سيء." مؤخراً، وجدت نفسي في بيروت في يوم سيء، ليس تماماً مثل الحرب الأهلية، ولكن كانت درجة الحرارة قد وصلت إلى 13 درجة مئوية، وكانت بدأت تثلج. بوجود القليل من الخيارات، قررت أن أقود سيارتي لساعتين إلى الشمال إلى كفرصغاب، إحدى القرى اللبنانية في قضاء زغرتا، حيث قيل لي أنني سوف أجد لافتة طريق باراماتا، على بعد 14،000 كيلومترًا من موطنها الأصلي.

1550474571277-SIGN1

أنا واللافتة الشهيرة

يبلغ عدد سكان كفرصغاب حوالي 800 نسمة، ولكن في أشهُر الشتاء، ينتقل القرويون إلى منازلهم الثانية في الجزء السفلي من الجبل لتجنب الثلوج. عندما وصلت، كانت القرية مهجورة، لم يكن هناك أي شخص يمكنني أن أسأله عن هذه اللافتة، لهذا قرّرت أن أدق باب أي من البيوت التي أمامي، وهدا ما حصل، طرقت على باب أحد البيوت في القرية القريبة من اللافتة، وأجابني رجل ملتحي أسمه انطونيو. سألته عن "اللافتة" ليرد علي متسائلاً: هذه اللافتة، نعم، إنها لافتة مميزة. كفرصغاب، قرية صغيرة جدًا، لكن الجميع يأتي لرؤية هذه اللافتة."

أخبرني أنطونيو أن معظم أفراد عائلته الممتدة هاجرت إلى أستراليا في الفترة التي سبقت الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في عام 1975، وخلال أشهر الصيف، يأخد الكثير من الزوار من اللبنانيين الأستراليين في رحلة حول الجبل، لمشاهدة لافتة "طريق باراماتا" بشكل واضح.: "قبل يومين فقط أخذت مجموعة من السياح من أستراليا، كانوا يريدون التقاط صورة أمام اللافتة، إنها تمثل عنصر جذب سياحي في كفرصغاب،" يقول أنطونيو.

1550474587874-SIGN2

أنطونيو مع اللافتة

كنت آمل أن يعرف أنطونيو من الذي سرق هذه اللافتة، ونقلها من خلال جمارك البلدين في أمتعته، لكنه لم يكن يعرف القصة الكاملة، لذلك قمت بإجراء مكالمة هاتفية مع جينيفر هانا، سكرتيرة جمعية كفرصغاب الأسترالية، والتي أخبرتني أن "اللافتة موجودة في القرية منذ عام 1995" وأوضحت أنه بدلاً من كونها مزحة غريبة، ما حصل في الواقع هو أنه تم إهداء اللافتة كهدية إلى القرية من قبل مجلس مدينة باراماتا، اعترافًا بالجذور العميقة التي تربط بين كفرصغاب وأستراليا.

وبحسب جينيفر، فقد قام وزير الهجرة فيليب رودوك ومستشار مدينة باراماتا الراحل جو بركات بإهداء اللافتة إلى البلدة في عام 1995 لتكريم 20 ألف شخص من أبناء كفرصغاب الذين يعيشون في أستراليا، وخاصة في باراماتا، وقد أقاموا مراسم إعادة تسمية للطريق، وأقاموا مأدبة احتفالية للمقيمين ولوفد من المسؤولين الأستراليين في القرية. واليوم، تظل اللافتة رمزًا دائمًا للعلاقة بين لبنان وأستراليا.

1550474610792-SIGN3

فيليب رودوك وعضو مجلس مدينة باراماتا جو بركات يشربون نخب اللافتة الأصلية. الصورة المقدمة من أنطونيو جبور من مكتبة جو بركات.

لكن هذا ليس هو الرمز الوحيد لارتباط لبنان بأستراليا، فعلى بعد 15 دقيقة فقط بالسيارة من الجبل إلى بلدة بشري، ستجد بعض الرموز والعلامات الأخرى من أستراليا، بداية من المتجر الرئيسي الذي يُدعى "سوبرماركت كنغر" Kangaroo Super Market. تتم إدارة السوبرماركت من قبل الأختين ريتا وليلى رحمي نيابة عن مالك المتجر، منصور فخري، الذي كان قد عاد أيضاً من أستراليا. عندما قابلت فخري زعم أنه كان "ملك" الشارع الرئيسي عندما كان يعيش في ضاحية نورثكوت في ملبورن. عاد فخري إلى لبنان مع عائلته منذ سنوات، لكنه أخبرني أنه ما زال يفتقد أستراليا، وقال: "إنه وطني، على الرغم من أنني أعيش هنا، فأنا اعتبر نفسي أستراليًا."

1550474661791-SIGN4

الأختين ريتا وليلى رحمي

لن تعثر على مربى Vegemite الأسترالي الشهير في Kangaroo Mart، ولكنك ستجده في القائمة بمقهى Trottoir، الموجودة بنفس الشارع، لمالكه، طوني خليف، 61 عاماً، وهو من سكان منطقة بشري، والذي قضى معظم حياته يعمل ويعيش بالقرب من طريق باراماتا. يقدم المقهى الخاص به المربى على الخبز المحمص والبرجر الأسترالي، ويقع المقهى بين الكنيسة الكاثوليكية المارونية الرئيسية والمستشفى.

وأوضح طوني أنه مثل آخرين كثيرين، انتقل إلى أستراليا أثناء الحرب الأهلية، التي اندلعت أثناء قيامه بخدمته الإلزامية في الجيش: "لقد فقدت حوالي 15 من أعز أصدقائي خلال الحرب. لم يتبقَ من أصدقائي القدامى سوى اثنين فقط." عندما وصل إلى طوني الى سيدني، وجد أن التحول من جندي لبناني إلى طالب في مدرسة Lewisham الثانوية أمراً صعباً، وكان عليه أن يعيد عامه الدراسي الثاني عشر: "كان عامي الأول في أستراليا قاسياً،" يقول طوني: "كانوا في المدرسة يطلقون علينا wogs -بمعنى مهاجر أو شخص غير أبيض وهي كلمة عنصرية -ولم أكن أعرف عما كانوا يتحدثون، بعض الاستراليين كانوا متحاملين ضدنا."

1550474681171-SIGN5

طوني

بعد انهاءه المدرسة الثانوية، حاول طوني دراسة طب الأسنان ولكن لم يكن التخصص الذي يريده، لذلك درس الهندسة الكهربائية وحصل على وظيفة لبيع أجهزة إنذار السيارات، على امتداد طريق باراماتا في ضاحية بيروود الأسترالية. وبعد ذلك بسنوات، عندما التقى بزوجته الأولى، شعر طوني بأن له جذور في منزله الثاني. عاد طوني أخيراً إلى لبنان في عام 2010 ليعتني بوالديه المسنين، ولكن منذ وفاتهما، عكف على إدارة المقهى. ومن بين صديقيه اللذين نجيا من الموت، واحد منهما يعيش أيضاً في بشري. وأثناء ارتداء معطفي استعداداً للمغادرة بعد معرفتي قصة تلك اللافتة، قال لي طوني: "لقد أحببت أستراليا. إنه بلد جميل.. في الواقع، لولا أستراليا، لكنت ميتًا الآن."

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE استراليا.