ثقافة

لماذا تغيب المؤلفات التونسية عن المكتبات؟

الكتاب التونسي يحتضر، وغيابه عن واجهات المكتبات أصبح الوضع الاعتيادي
20.1.19
41466684592_a5ccde1315_k

عندما طلبت من صاحب المكتبة كتابًا صدر حديثًا لأحد الكتاب التونسيين، رمقني بسخرية قائلاً "صديقي! الكتب التونسية لا تغادر العاصمة أو المدن الكبرى في أحسن الحالات ، لذا أنصحك أن توصي أحد معارفك بإحضاره إليك." لفت انتباهي أن المكتبة، وهي الأضخم في المحافظة التي أقطن بها، تعج بمؤلفات أحلام مستغانمي وواسيني الأعرج وغيرهم من الأدباء المرموقين ، في حين تغيب الكتب التونسية عدا رواية " الكيتش" للصافي سعيد والتي يبدو أن من أحضرها لم يعتقد أنه تونسي. دفعني حب الاطلاع لكي أسأل الكتاب التونسيين عن سبب غياب مؤلفاتهم عن واجهات المكتبات المحلية.

إعلان

الكتاب صار بضاعة
"أرسلت 1400 دينار تونسي (470 دولارًا) إلى مالك دار النشر، بناء على طلبه ، لمساعدته على تغطية تكاليف طبع كتابي، لكن ما تحصلت عليه كانت نسخة مشوهة أصابتني بحالة إحباط غير مسبوقة". هكذا وصفت لي الكاتبة التونسية خولة حسني تجربتها مع أول دار نشر في مسيرتها، وعلقت على صناعة النشر في تونس عمومًا بالقول: "هذا القطاع يضمّ الغث والسمين، المشكلة الأبرز أن عددًا من دور النشر يفاقمون أزمة الكتاب التونسي بتعاملهم معه بمنطق الربح السريع والتكلفة المنخفضة".

وتتابع: "من حسن حظي أنني تجاوزت تلك الفترة العصيبة ، لكنني واثقة أنّ عديد الكتاب الآخرين قد تعرضوا لمواقف مشابهة، واضطروا لتقديم تنازلات لتسويق كتبهم في سوق تشهد ركودًا كبيرًا." وأكدت خولة أن عديد الكتاب التونسيين أوقفوا التعامل مع دور النشر، وفضلوا التعامل مباشرة مع المطابع، على أن يتكفلوا بمهمة توزيع مؤلفاتهم بطريقتهم، بعد أن نال أغلبهم مقابل هزيل عن أعمالهم السابقة.

ومنذ اندلاع ما عرف بالربيع العربي في يناير 2011 شهدت الإنتاجات التونسية طفرة في عدد الإصدارات لتتجاوز العشرة آلاف خلال السنوات السبع الأخيرة 78% منها كُتبت باللغة العربية. لكن هذا الإقبال على اقتناء هذه المؤلفات يقتصر على عدد قليل من الأجناس على غرار كتب الأطفال والروايات العالمية المترجمة، في حين ظلت المؤلفات الأدبية و دواوين الشعر التونسية حبيسة الرفوف ولا تجد طريقها إلى القراء.

غياب الدعم
التقيت الكاتب الهادي يحمد، صاحب رواية "كنت في الرقة: هارب من الدولة الاسلامية"، والذي اعتبر أن مشاكل النشر في تونس عديدة ولكن أشدّها وطأة هي تلك المتعلقة بحقوق المؤلفين. وقال: "ليس ثمة معايير علمية تحدّد حقوق الكاتب، والتي تبقى آخر هموم دور النشر بشكل عام. كما لا توجد رقابة حقيقيّة على إعداد الطبعات وأعداد الكتب التي يقوم الناشر بتوزيعها وهو الأمر الذي يهضم في الغالب حقوق المؤلفين".

إعلان

واختتم الكاتب بالقول: "كي نعطي كل ذي حق حقه، من المهم الإشارة إلى أن دور النشر ذاتها تعاني من مشاكل عدة، أبرزها غياب الدعم الكافي من وزارة الثقافة."

من ناحيتها، اعتبرت الكاتبة وحيدة المي، أن الحديث عن الصعوبات التي يعيشها الكتاب في تونس اليوم "يتعدّى مجرّد الرأي الانطباعي لمجموعة من الكتّاب المحبطين إلى ظاهرة باتت تشمل تقريبًا كل الأقلام في أجناس أدبية متنوعة من شعر، ورواية، وقصّة، ونقد وغيرها".

وأضافت: "إن المتأمّل في الإحصائيات الصادرة عن اتحاد الناشرين التونسيين يدرك عمق الأزمة، وهي أزمة ترويج بالأساس تسدّ آفاق انتشار الكتاب التونسي داخل البلاد وخارجها، من ذلك أنّ عدد النّاشرين في تونس على امتداد أكثر من ستة عقود تقريبا، منذ 1958 إلى اليوم، لم يتجاوز 236 ناشرًا، يحظى 54 منهم فقط بالدّعم المادي من وزارة الثقافة التونسية، في حين يعاني البقية الأمرين في ظل زيادة أسعار ورق الطباعة، وتراجع الدينار التونسي، واكتساح وسائل التواصل الاجتماعي، والكتاب الإلكتروني."

و شددت الكاتبة على أن من يتكفّل بطبع كتابه على نفقته الخاصة يُقحم نفسه في مغامرة، ويواجه فاتورة ضخمة قد يفشل في استرجاعها بعد النّشر لأكثر من سبب. أولا، بسبب العادة السيئة من طرف المثقفين والإعلاميين وحتى الكتّاب أنفسهم بإهداء الإصدار مجانًا، مقابل الكتابة عنه في الصحف و وجذب انتباه النقّاد إليه. وثانيا، نتيجة تراجع حصة وزارة الثقافة من المقتنيات لكل كتاب جديد والتي تتمثل في 50 نسخة فقط، باستثناء الكتب المتوّجة بجوائز تونسية أو عربية التي يتم تكريمها بشراء 100 نسخة، حسب السّعر المدوّن على الغلاف".

دور النشر
استطلعت "Vice عربية" وجهة نظر دور النشر، وقال محمد سلايمية، المدير التنفيذي لدار "نقوش عربية" أنّه لا يمكن أن يتحمل طرف واحد تبعات تراجع الكتاب التونسي وابتعاده عن المنافسة لأنّ المسؤولية مشتركة بين عديد الأطراف. وأوضح أن عددًا من الكتاب يرسلون مؤلفاتهم بمجرد كتابة السطر الأخير، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء مراجعتها وتدقيقها لغويًا ، كما يتقاعس بعضم عن أداء دورهم في التعريف بكتبهم لدى وسائل الإعلام.

إعلان

وشدد سلايمية على أنّ عددًا من دور النشر ساهمت كذلك في تعميق الأزمة، إذ تغيب في أغلبها لجان لقراءة الكتب قبل طباعتها، ويطغى الجانب التجاري على نوعية التعامل مع الكتاب التونسيين. وأشار إلى افتقار معظم دور النشر إلى الآليات المناسبة لإيصال الكتاب إلى مختلف محافظات البلاد، حيث تقتصر غالبيتها على توزيع الكتاب في المدن الكبرى.

وتشير بيانات رسمية إلى أن تونس تضم "على الورق" حوالي 200 دار نشر، أغلبها وهمية، لأن عدد الدور الفعلية لا تتجاوز 55 دار نشر. وتنتج تونس سنويا من 800 إلى 1000 عنوان جديد، تستحوذ 7 دور نشر على 80% منها، و يستهدف أغلبها كتب الأطفال والكتب الموازية.

الوزارة تنفي تهم التقصير
من ناحيتها، نفت وزارة الثقافة التونسية تعتبر أنها تقدم دعمًا جيدًا للكتاب التونسيين. و كشف وزير الثقافة محمد زين العابدين، أن وزارته ضاعفت الميزانية المخصصة لدعم الكتاب التونسي خلال سنة 2018 لتصبح 2.6 مليون دينار بعد أن كانت 1.3 مليون دينار سنة 2017.

وشدد الوزير أثناء تقديمه لمشروع ميزانية الوزارة لسنة 2019 أمام البرلمان يوم 15 نوفمبر الماضي، على أن وزارة الثقافة خصصت 1.3 مليون دينار لشراء 655 مؤلفًا استفاد منها 68 ناشرًا و68 كاتبًا، منوها إلى أنّها ميزانية محترمة بالنظر إلى ضعف موازنة وزارة الثقافة التي لا تتجاوز 0.73% من الموازنة العامة للبلاد سنة 2018.

و كشف مصدر من وزارة الثقافة لـ "Vice عربية" أنّ مشاركة الناشرين في المعارض الدولية ما تزال محدودة وغير منتظمة رغم تحمل الوزارة لنفقات شحن الكتب والنقل والإقامة واستئجار الأجنحة المخصصة للعرض. هذا الدعم لا يراه الناشرون كافيًا، حيث أكد لي عضو اتحاد الناشرين التونسيين، المنصف الشابي، أنه "مقارنة بتدهور سعر الدينار الذي فقد 40% من قيمته، ستجد أن الوضع بقي على حاله". ولفت إلى أن المفارقة تتمثل في غياب مستفيد من هذه الأزمة، فـ"الجميع يشتكون"، على حد قوله.

واعتبر المنصف الشابي أن إنقاذ دور النشر يمر عبر رفع ميزانية "لجنة الشراءات" في وزارة الثقافة، مُقترحًا تمكين دور النشر التونسية من فرصة إنتاج الكتاب المدرسي والجامعي لتطوير مواردها.

وشهد الدينار التونسي انهيارًا لافتًا في أسعار صرفه مقابل العملات الأجنبية، إذ خسر ما يربو عن نصف قيمته مقابل الدولار، وما يربو عن 60% مقابل اليورو، وسط توقعات الخبراء بتواصل انحدار الدينار التونسي خلال الفترة المقبلة، وهو ما انعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطن التونسي الذي لم يعد يمتلك المدخرات الكافية لشراء الكتب التي ارتفعت كلفة طباعتها لأن الورق مستورد من الخارج وتعرف أسعاره صعودًا صاروخيًا، بالتزامن من معاناة البلاد من شح لافت في النقد الأجنبي، بعد تراجع عائدات القطاع السياحي بفعل الهجمات الإرهابية، وتراجع الاستثمارات وتحويلات المغتربين في السنوات الأخيرة.

تعددت الأسباب والنتيجة واحدة: الكتاب التونسي يحتضر، وغيابه عن واجهات المكتبات أصبح الوضع الاعتيادي. ومع توجه البلاد إلى الرقمنة وغياب أطر تشريعية محكمة تحمي حقوق المؤلفين، تبدو الأزمة مرشحة للتفاهم، وهو ما ينعكس مباشرة على مستقبل جيل باتت القراءة آخر اهتمامات معظمه.