رأي

وثائقي "الساعات الأخيرة".. أن تقتل نفسك بالحماقة مرتين!

الكواليس التي ادعى الفيلم الكشف عنها كانت معروفة للجميع عدا الإخوان على ما يبدو
5.3.19
shutterstock_144378346
 شترستوك

في تلك اللحظات البائسة التي تمر بها البلاد، والتي يقف الجميع عاجزًا أمامها، تخرج علينا قناة الجزيرة بوثائقي جديد، يروي الجانب الإخواني من القصة. لا أعلم تحديدًا ما الهدف من إصدار وثائقي: "الساعات الأخيرة قبل الإنقلاب".. ربما يكون الهدف أن يروي الإخوان ما "حدث في الكواليس" كما قال خالد القزاز في الفيلم، ربما كان الهدف تحسين صورة جماعة الإخوان، أو تصويرهم بوصفهم ضحايا "الخداع الاستراتيجي" كما قال عمرو دراج في ذات الوثائقي.

إعلان

ما أعلمه جيدًا، وبإجماع الآراء، أن الوثائقي أثار موجة حنق واسعة مختلطة بقهقهات عالية ممزوجة بغيظ عميق، بين جميع الأطراف والفصائل والأضداد، بداية من مؤيدي حسني مبارك، مرورًا بمؤيدي الجيش والسيسي، وانتهاءًا بمعارضي الاثنين، أو من يطلق عليهم: الثورجية، الينايرجية، أو إن شئت، الكولجية! حتى الذين لم ينخرطوا كثيرًا في السياسة وتصادف أن مروا على الوثائقي، اتسعت أعينهم واستدارت عجبًا، وأصبحوا يشبهون "مومو" الغولة الإلكترونية.

شأن كل ما تفعله جماعة الإخوان منذ أن عرفناها، الإنسان يقف عاجزًا حائرًا أمام تصريحاتهم وتصرفاتهم التي تفتقر إلى ألف باء المنطق الإنساني العام، والذي لا يحتاج إلى ثقافة أو دراية أو ذكاء، مجرد سلوك إنساني عادي، وردة فعل تلقائية متوفرة لدى جميع الكائنات الحية على كوكب الأرض ستفي بالغرض والله وتحل كل مشاكلهم والمشاكل التي تسببوا فيها للبشرية التي أوقعها حظها العثر في مشاركتهم الأرض والحقبة الزمنية.

هم الآن في السجون، أغلبهم يرتدي البذلة الحمراء، يعاني جلهم من أمراض، وهناك من أمثالي من يشعرون بالتعاطف مع حالات إنسانية. أنا لا أتلذذ بالتنكيل بالناس أو إذلالهم، حتى وإن أوذيت بسببهم، حتى وإن رفعوا عليا سلاحًا كما حدث في الاتحادية. لا أريد على الأقل رؤية هذه المشاهد. فلماذا تخرج علينا جماعة الإخوان بهذا الخطاب الآن؟ لماذا لا يتركوننا ننسى، ويتركون من يريد التعاطف أن يتعاطف دون تجديد مشاعر الغل التي أججوها في الصدور؟

في البداية، ظللت أضحك طوال مشاهدة الوثائقي حتى دمعت عيناي. في المرة الثانية من المشاهدة، شعرت بضربات قلب سريعة، وسخونة تهاجم رأسي وأذناي، وحالة من غليان الغضب في صدري، ورغبة عارمة في الصراخ والسباب.

إعلان

حسنًا، سأشاهد معكم الوثائقي للمرة الثالثة، محاولة أن أحتفظ برباطة جأشي، وأن أنحي نفسي ومشاعري وتجربتي، بل والمعلومات التي توافرت لدي إبان وبعد الفترة الزمنية التي يحاول الوثائقي تغطيتها.

لا أعدكم بذلك، الله المستعان.

بدأ الفيلم بعرض مشاهد لندوة تثقيفية للجيش المصري في يوم 23 يونيو، واقتطع الوثائقي جزءًا من خطاب وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي وهو يقول: "الدنيا كلها بتتغير بين يوم وليلة".

أظن أن هذه الندوة قد أذيعت على التلفزيون والقنوات الفضائية، وليس بها أي سر حربي، ولا يمكن أن تكون خلف الكواليس. يقول المعلق بأن هذا الخطاب يحمل معان عدة بالنسبة للمصريين، أما بالنسبة للإدارة الأمريكية والدول الإقليمية والتي منها دولة قطر، فإن جميعهم كانوا يعلمون أن الجيش كان يتأهب للإطاحة بمحمد مرسي.

لكنني وكمواطنة مصرية، شهدت الأحداث التي يعرضها الوثائقي، أدافع عن سمعة الذكاء المصري، وأؤكد لكل القراء من الناطقين باللغة العربية واللغات الأجنبية والحية والميتة، أننا، قسما بالله، كنا نعلم ذلك، الجميع، الموظفون، ربات البيوت، سائقو التوك توك، المطربون، الشيوخ في المساجد، القساوسة في الكنائس، الحطابين في الجبال، العجائز حول نار المدفأة، كلنا كلنا والله، الجميع كان يعلم، لأن ذلك لم يكن سرًا؛ فوزير الدفاع وقتها أطلق عدة تحذيرات على مدى شهور، فهمها كل مواطن مصري، بل فهمتها النملة في جحرها، بأنها رسالة للأخوان: لموا الدور عشان "حتزعلوا وتجيبوا ناس تزعل". حررتك إن كنت تعتقد أنني أعاني من شوفينية، وأنني أدافع عن الذكاء المصري بالباطل، اتفضل شوف الفيديو ده.

لقد شاهدت هذا التسجيل المصور في حينه، وشاهده جميع المصريين، وفهم المصريون جميعًا، أن هذا تحذير واضح بأن الجيش لا يختار التدخل، لكنه إذا شعر بتهديد للبلاد فسيضطر للتدخل، وإذا اضطر للتدخل سيحدث ما لا يحمد عقباه للجميع، و"الجيش نار، لا تلعبوا بيه، ولا تلعبوا معاه، ولازم توجدوا صيغة للتفاهم فيما بينكم، لأن البديل خيارات في منتهى الخطورة.. لما عندي خيار إني يا أدمر البلد يا أقف على صندوق الانتخابات.. أختار إيه؟"، ثم أضاف قائلاً: "دي حاجة انتوا ما عملتوهاش وما تعرفوهاش ما تزعلوش مني يعني.. انتوا ما تعرفوش يعني إيه الجيش ينزل يضرب، ده مئات الآلاف، دي بلد فيها تسعين مليون.. الأصل في الموضوع هو الأمن ومصلحة مصر بجد، الدولة (وراح مزعق في الدولة دي) الدولة تفضل دولة (وراح مزعق تاني) ما نتعلمش بالتمن…." الجدير بالذكر أن هذا الخطاب ألقاه وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي عقب أحداث الاتحادية، وأثناء ثورة الشارع ومطالبته بانتخابات رئاسية مبكرة، وقبل 30 يونيو 2013 بحوالي شهرين.

إعلان

إلا أنني أذكر فيما أذكر أن لجان جماعة الإخوان الإلكترونية، قامت بمشاركة هذا الفيديو مشفوعًا بتعليقات: "الله أكبر ولله الحمد.. المؤسسة العسكرية الشريفة تحمي الشرعية… فليخسأ كل معارضي الدكتور مرسي.. موتوا بغيظكم، وزير الدفاع معانا".

فااااااا… وجهت حديثي لبعض هذه اللجان قائلة: هو انتوا فهمتوا كلامه كده إزاي؟ ده كل الناس فهمت إنه بيقولكم لموا الدور عشان ما تزعلوش. فأجابوني إجابات مكررة مفادها: "تلك أمانييهم.. انتوا فهمتوا كده عشان تتشبثوا بأحلامكم التي لن تتحقق يا شيعية يا بنت الحشاش".

لكنني لم أكن الوحيدة التي حاولت تنبيه جماعة الإخوان لهذا الخطاب، تخيل من الذي حاول تحذيرهم؟.. أسامة كمال نفسه!

على أية حال، لقد حكمت جماعة الإخوان مصر لمدة عام، ولا نذكر منهم سوى عبارة واحدة: "موتوا بغيظكم".

عودة إلى الوثائقي وأسراره الرهيبة:

على هامش المقال: أنا ما فهمتش مفتاح الكومودينو بيعمل إيه على عروة البدلة.

يقول معلق الوثائقي أن الشارع المصري وقتها شهد انقسامًا لم تشهده مصر من قبل، وكانت المعارضة قد أطلقت دعوات للتظاهر في يوم الثلاثين من يونيو، وأن قبلها بأسبوع، في ذات الندوة التثقيفية التي أشير إليها آنفا، دعا وزير الدفاع الجميع إلى الوصول إلى كلمة سواء، ماذا وإلا.

أذكر فيما أذكر أيضًا أن الإخوان شاركوا هذا التسجيل المصور وهم يرددون الله أكبر ولله الحمد، وموتوا بغيظكم وكده.

فاااااا… عاد الجميع إلى التساؤل: هم ليه مش فاهمين الكلام؟ لنكون احنا فاهمينه غلط!

نعم، حالة الاطمئنان التي كان يتصرف بها أعضاء جماعة الإخوان، أو قل، حالة المعاندة والكبر، جعلتني شخصيًا أتشكك في قدراتي العقلية في فهم الخطابات الواضحة لوزير الدفاع، وقلت في نفسي، يمكن بيضحك علينا بالكلام ده وهو مرتب معاهم.

إعلان

حين شاهدت الوثائقي، ظننت أن ذاكرتي خانتني، إلا أن خالد القزاز أكد على ما قالته لي ذاكرتي: "حزب الحرية والعدالة أصدر بيان تأييد للخطاب ده، لإنه فهم أنه مؤيد للشرعية!".

يا النفوخ بتاع الأنا.

"حط إيده على كتفي وقال لي يا خالد عايزين نحافظ ع المشروع الإسلامي.. آند آي واز لايك: هو ده أيوه ده، هو ده الحب الحقيقي".

كيف يمكن لخطابات كهذه أن تفهم بوصفها دعمًا لمرسي وجماعته؟ هاه؟ الشارع المصري وقتها مشتعل، يطالب بوضوح بانتخابات مبكرة، وبدلًا من محاولة احتواء الأزمة، قامت الجماعة بإصدار الأوامر لأعضائها للنزول إلى الشارع، وضرب المتظاهرين، وتحول الأمر إلى مشهد مريع يثير الهلع، وأذكر أنني ظللت أصرخ في الشارع: "الناس بتموت بعض… الناس بتموت بعض.. حد ينقذنا.. حد يتدخل وينقذنا".

وإذا كان الوثائقي يعترف بأن حالة فشل في إدارة الدولة سادت البلاد، وإذا كان أقر بإن الشارع لم يهدأ يومًا واحدًا، وإذا كانت دعوات رؤوس المعارضة كلها كانت تلبى بالملايين، وإذا كان أعضاء الجماعة الذين ظهروا في الوثائقي أقروا بعدم قدرة مرسي على السيطرة على الأوضاع، لدرجة أن مدير مكتبه شخصيًا غادر القاعة أثناء خطاب مرسي الكارثي الذي تحدث فيه عن "فودة الذي يؤجر بلطجية" و"السياسة النجاسة"، وإذا كانت الجهة الوحيدة القادرة على قمع التظاهرات بالسلاح رفضت طلب الجماعة متعللة بالأعداد الكبيرة في الشارع، وموضحة أن قتلهم سيؤدي إلى مأساة لا يمحوها الزمن، وإذا كان الشارع منذ ديسمبر 2012 وحتى 30 يونيو 2013 ليس له أي مطلب سوى إجراء انتخابات مبكرة، وإذا كان وزير الدفاع قال بوضوح أن الانتخابات أفضل من حل المشكلة بالسلاح، وإذا كان الشارع قد شعر بإنه بلغ السيل الزبى وأن صبره قد نفد، وإذا كان نفس وزير الدفاع، وقبل اليوم المشهود المعلن عنه بأسبوع، طلب مصالحة شاملة يقوم بها جميع الأطراف، وإذا كان محمد مرسي هو رئيس الجمهورية في الوقت الحالي مما يعني أنه منوط به، ومنوط به وحده، أن يدعو المعارضة إلى كلمة سواء، وأن يعقد معها اجتماعًا للوصول إلى مصالحة قبل يوم 30 يونيو والاستفادة من المهلة، وإذا كانت المعارضة هي الداعية للتظاهر، لأن لها مطالب، فهل يفهم أن وزير الدفاع كان يطلب المصالحة ممن يدعون إلى التظاهر؟

إعلان

ألطم يعني ولا أعمل إيه؟

"خطة الخداع الاستراتيجي"! عبارة رددها أعضاء الجماعة المقيمين في الخارج والذين ظهروا في الوثائقي، وبدوري أسأل: أين هو الخداع؟ في أي لقطة حدث ذلك الخداع المزعوم؟

آآآه… آه آه آه، خالد القزاز قال: في يوم السيسي حط إيده على كتفي وقال لي يا خالد عايزين نحافظ على الراجل ده، عايزين نحافظ على المشروع الإسلامي.

يا سوسو!

الأمر يبدو لي كامرأة تحب رجلاً لا يكف عن ترديد: أنت زي أختي، خلينا أصحاب لأني مش عايز أخسرك، أنت زي الفل وأي راجل يتمناك، وأنا ما أحبش علاقتنا تاخد شكل تاني عشان ما أخسركيش، أنا عايزك في حياتي فعلًا، فتركت المرأة كل الجمل المنبلجة كانبلاج الشمس في رفض الرجل لها كحبيبة، وتمسكت بعبارة: أنا عايزك في حياتي… أنت مش قلت عايزك في حياتي؟ انت ضحكت عليا ولعبت بمشاعري.. مش قلت عايزك في حياتي؟ قلت ولا ما قلتش؟

ثم يروي الوثائقي أن باراك أوباما، في الكواليس، هاتف محمد مرسي وقال له بإن عليه التصرف لحل الأزمة وتقديم التنازلات احترامًا للديمقراطية ومطالب الشارع والمتظاهرين. الحمد لله، لقينا كواليس أهو… لا.. ثانية كده: ما قاله باراك أوباما هاتفيًا لمحمد مرسي، هو نصًا ما قاله في خطاب مذاع على الفضائيات العالمية.

ثم يقول الوثائقي بإن محمد مرسي استدعى السفيرة الأمريكية خصيصا ليسألها: "هو أوباما يقصد إيه؟"

فقالت له السفيرة الأمريكية بإنه يقصد أن على مرسي تغيير الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية في المرة الأولى، وفي المرة الثانية يقصد إجراء انتخابات مبكرة.

ثم يقول الوثائقي أن وزير دفاع قطر الحالي ووزير خارجيتها في حينها نقل لمرسي مبادرة جون كيري بضرورة إجراء انتخابات مبكرة. ثم يروي الوثائقي إن الجيش أصدر بيانا قبل 30 يونيو بثمانية وأربعين ساعة، يمهل الجميع الوصول لحل قبل أن يضطر للتدخل. ثم قام مرسي باستدعاء السيسي وسأله: هو أنت تقصد إيه؟

قال له: لا أبدًا ولا حاجة.

ثم يقول خالد القزاز بإن الرئيس مرسي شعر بالتفاؤل بسبب خطابه الذي ألقاه يوم 26 يونيو (الخطاب الفظيع ده فاكرينه؟) وبسبب نزول أنصاره إلى الشارع!

إعلان

عايزة أعيط والله. تفاؤل؟ تفاؤل؟

تدفع بأنصارك مرة أخرى إلى الشارع، بعد أن قمت بهذه التجربة سابقًا في عدة مرات، وشاهدت بعيني رأسك المواجهات الدامية بين المعارضين والمؤيدين، وموت الناس من الجانبين، وانزلاق البلاد إلى شبه حرب أهلية، ثم تتفاءل؟

الغريب أن الوثائقي، بعد أن أذاع مقاطع من خطاب مرسي الذي لا يقل أهمية عن خطاب القرموطي الذي شهر فيه بـ"مرعي بتاع الكِلِمْة"، عرض صورة شديدة الإيجابية للدكتور محمد البرادعي، حيث قال وزير دفاع قطر الحالي ووزير خارجيتها في حينها أن البرادعي كان يخشى الدماء، كما قال أندرو ميلر أن مشاركة البرادعي كان يمكن أن تؤدي إلى مسار ديمقراطي مدني، مما دفع كيري إلى دعمه.

أندرو ميلر: الإخوان لم يقرأوا أول عشرة صفحات من كتاب الانقلاب العسكري.

أخيرًا، يمكننا تلخيص الوثائقي في نقاط:

- يُقرّ الوثائقي بتحذيرات الجيش عدة مرات، بخلاف تحذيرات جهات دولية وإقليمية، واجماعهم على ضرورة إجراء انتخابات مبكرة، لأن الخيارات المطروحة إما حربًا أهلية أو تدخل الجيش.

- يُقرّ بفشل مرسي وجماعته في إدارة البلاد.

- يُقرّ بأن مرسي وجماعته لم يمانعوا من انتشار الجيش ظنًا منهم أن الجيش نزل لقمع التظاهرات، لكنهم فوجئوا بأنه يسيطر على المنشآت الحيوية تمهيدًا للإطاحة بهم. (يعني مافيش مانع يقتل، بس يقتل المعارضين).

- يُقرّ بأن مرسي وجماعته دفعوا بأنصارهم في مغامرة خاسرة دون سماع نصيحة أي جهة كانت.

- يستهبل الوثائقي ويتحدث عن كواليس لم نجدها، كل ما حدث كان معلن وواضح، ولم يحدث أن أسَرّ به أحد لمرسي بعكس ما أعلنه للجميع.

- يستهبل الوثائقي مرة أخرى ويتحدث عن خداع استراتيجي لم يحدث ولو لثانية واحدة، لا من وزير الدفاع في حينها، ولا من المعارضين، ولا من الشارع، ولا من القوى الإقليمية أو الدولية.

إعلان

- الكبيرة بقى: أقرّ الوثائقي بوضوح، ومن خلال الفيديوهات، وتصريحات خالد القزاز، أن المحتجين والمطالبين برحيل مرسي في 30 يونيو كانوا بالملايين، وأن الأعداد غير مسبوقة، وأنها أكثر بكثير من مؤيدي مرسي، إلا أن المحتجين على مرسي ذهبوا إلى بيوتهم عقب الاحتجاج، أما المؤيدين فقد اعتصموا! ولم يجل بخاطر واحد من قيادات الإخوان أن يقول: حرام الناس.. إحنا كده بندبحهم.. قولوا لهم يروحوا.

- أقرّ الوثائقي ضمنًا أن مرسي لم يحاول، ولو لثانية، أن يجتمع برؤوس المعارضة لمناقشة صيغة توافقية، وأنه بذل كل جهده في استمالة الأمريكيين والجيش دون الالتفات إلى الشارع.

- ثم يختتم الوثائقي مشاهده بمأساة فض اعتصام رابعة، والذي تم التحذير منه مرارًا وتكرارًا قبلها بعدة شهور.

إن خطة الخداع الاستراتيجي التي تنتهجها الجماعة من خلال هذا الوثائقي بالترويج لكونهم تعرضوا لخداع استراتيجي فاشلة كفشل خطة المتاجرة بالمظلومية والدماء. لم يحدث. باعترافهم باعترافهم، لم يحدث: لم يدخر أحدًا نصيحة مخلصة للجماعة، بما في ذلك معارضيها، بل وفلول نظام مبارك ذاتهم. ما حدث للجماعة كان بسبب طمعها وشرهها للسلطة وتشبثها وتحجرها وعدم سماعها للنصح المخلص الذي جاءها من الجميع، الجميع، فالجميع كان يرغب في حقن الدماء. الأدهى أن الجماعة تحمل الملايين التي نزلت ضدها ما حدث! ما هذا التبجح؟

علقت زوجة محمد مرسي وابنه على الوثائقي معترضين على مقولة خالد القزاز بأن مرسي لم يؤم الناس في الصلاة في يومه الأخير! وأكدا أنه أمهم في الصلاة، وقال أنه متمسك بالشرعية مثل عثمان بن عفان حتى لا تكون سنة من بعده!

أنا تعبت وربنا.

رجل بيده سلطة، وبيده قيادة الأمر، إن لم يقدر على تهدئة معارضيه، فهو على الأقل يستطيع حماية مؤيدية، وحماية الوطن من الانزلاق إلى حرب أهلية، لكنه بدلًا من الاجتماع مع قيادات المعارضة للوصول إلى حل وسط، ومحاولة احتواء الأزمة، يلجأ لقوى خارجية وإقليمية، فينصحونه بما فيه صالح الوطن، فيصم آذانه، ثم يلجأ للجيش كي يقمع معارضيه، فيهدده الجيش بإنه على وشك الإطاحة به، فيعيش في أحداث من نسج خيالاته ويدعي أنه انخدع، ثم يردد أنا عثمان بن عفان، أنا بلوة مسيحة حتى بصوا! لا أقول أنه لم يفكر في وطنه وحالة التمزق التي يعاني منها، وأن إصراره يستدعي على مصر حكمًا عسكريًا أبديًا كما نوه وزير دفاعه، بل إنه لم يأبه لسلامة وحياة ونجاة جماعته، لم يشفق على تلك الأرواح التي أهدرت ما بين سجن وقتل، عثمان بن عفان إيه بس؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.

لله الأمر من قبل ومن بعد.