الصور: أزهر الربيعي وسيباستيان كاستيلر

إعادة بناء الموصل: المرحلة الحرجة بعد داعش

تبدو الموصل القديمة أشبه بتلال ترابية وهي ليست بتلال ولا تراب، بل منازلٌ دكّتها صواريخ التحالف الدولي، أو بيوت فخخها داعش

الصور: أزهر الربيعي وسيباستيان كاستيلر

"أنا رجل فقير لا أستطيع دفع 25 ألف دولار لإعادة بناء منزلي،" يقول العراقي محمد حازم عباس، 52 عاماً، الذي يسكن منطقة غرب الموصل والذي دمُر منزله جراء غارة جوية قبل طيران التحالف عام 2017 خلال الحرب على داعش. عباس الذي يعيش الآن مع عائلته في خيمة وضعها أمام ما تبقى من منزله يؤكد أنه "لم يحصل على أي مال لإعادة بناء منزله من الحكومة العراقية،" على الرغم من الوعود الكثيرة.

عباس هو من العديد من سكان الموصل، الذين يُنظرون إلى اعادة بناء منازلهم كخطوة أولى نحو إعادة بناء حياتهم العائلية، التي دمرتها الحرب ضد داعش، بعد احتلاله لمدينتهم في العاشر من يونيو 2014 وعلى مدى ثلاث سنوات. ولكن يشعر الكثير من أهالي الموصل باليأس من إنتظار وعود الحكومة المركزية لإعادة إعمار بيوتهم.

في يوليو 2017، أُعلنَ عن تحرير الموصل بعد معركة دامت تسعة أشهر حافلة بالعنف حيث تم تدمير 54 ألف منزل في مدينة الموصل وضواحيها، وما تزال أكثر من 380 ألف عائلة نازحة داخل المدينة وحولها، وفقًا للأرقام الصادرة عن مجلس اللاجئين النرويجي. شهدت المدينة بعض مشاريع إعادة الإعمار التي تموّلها جهات حكومية أو منظمات المجتمع المدني، ولكن جُلّ تلك المشاريع تركّز على تنظيف الشوارع، والإسهام في بناء المدارس، وترميم البنية الأساسية، وإصلاح شبكات إمدادات المياه وتوصيل الكهرباء. أمّا المنازل فلم يكن لها نصيب من ذلك.

1548145897752-iraq2
محمد حازم عباس الذي دمر منزله في غارة جوية يقف هو وزوجته امام الخيمة احتجاجاً على عدم وجود دعم حكومي لأعمار منزله. تصوير: أزهر الربيعي.

عند زيارتك لمدينة الموصل القديمة، والتي كانت تعتبر واحدةٌ من أجمل وأقدم مدن التاريخ، ستشاهد مدى الدمار الذي تعرضت له المدينة خلال الحرب على داعش. من بعيد، تبدو الموصل القديمة أشبه بتلال ترابية وهي ليست بتلال ولا تراب، بل منازلٌ دكّتها صواريخ التحالف الدولي، أو بيوت فخخها داعش قبل لفظ أنفاسه الاخيرة.

1548146363744-iraq33
مدينة الموصل القديمة تبدو اشبه بتل ترابي كبير لما لحق بها من دمار أثناء عملية التحرير من داعش عام 2017. تصوير: أزهر الربيعي.
1548146452942-iraq22
مواطنون يمرون بالقرب من جامع النوري الكبير الذي أعلن فيه ابو بكر البغدادي سيطرته على الموصل عام 2014. تصوير: أزهر الربيعي.

خلال زيارتنا للمدينة القديمة في الموصل، التقينا غنية غانم محمد، أم لتسعة أولاد، التي عبرت عن غضبها من نقص الدعم الحكومي لمساعدتها في بناء بيتها تقول: "لا أحد قدم لنا أي مساعدة، كيف سأعيد بناء منزلي؟" غنية وزوجها عاطلان عن العمل، يعمل أبناءها في مشغل للنجارة، بينما تقضي غنية وزوجها وقتهما في إزالة أكوام التراب من بيتهم، الذي تضرر بنسبة أكثر من 60% جراء إصابته بصاروخين، ولم يبق منه سوى اعمدة المنزل وغرفة متهالكة على وشك السقوط. "يذهب اولادي الى العمل يومياً من أجل تدبير لقمة العيش، فهم المعيل الوحيد لنا،" تقول لنا غنية وهي منشغلة في ازالة انقاض الحرب داخل منزلها وتضيف بحسرة: "أشعر بالخجل لأنني لم اقدم لكما كوباً من الشاي، لا أعرف متى سيعود بيتي كما كان."

1548146989694-iraq55
غنية غانم محمد وهي تشكي من عدم تلقيها الدعم لاعادة بناء بيتها. تصوير: سيباستيان كاستيلر.
1548147032864-iraq44
تصوير: سيباستيان كاستيلر.

في عام 2015، أُنشىء صندوق بقيمة 400 مليون دولار للإسهام في إعادة إعمار العراق، تلقت منه الموصل -وهي المدينة الأشد تضرراً - ما مجموعه 252 ألف دولار فقط في عام 2017، وذلك بحسب نوفل حمادي، محافظ نينوى (التي تتبعها الموصل) الذي قال لـ VICE عربية: "لم نستلم أي ميزانية خاصة لإعادة بناء المنازل المهدمة، التركيز هو على مشاريع البنى التحتية."

معتز يوسف، مدير منظمة يد العون للإغاثة والتنمية، وهي منظمة غير حكومية تعمل في أنحاء الموصل لمساعدة العائلات في إعادة بناء منازلهم يؤكد أيضاً أن: "الحكومة العراقية والمنظمات الدولية لم تقدم مساعدات لإعادة بناء المنازل حتى الآن، وما نقوم به هو جهود شخصية وتبرعات تأتي من التجار وميسوري الحال." هذه التصريحات، قد تؤكد شكوك الأهالي في مدى جديّة الجهات التي تعهدت بتمويل إعادة الإعمار، فلجأ كثيرٌ منهم إلى اقتراض أموال وتحمّل ديون كبيرة، بينما تقدم آخرون بطلب رسمي لنيّل تعويض مالي أمام محاكم في الموصل، ولكن – إلى الآن - لم يتلقَ اياً منهم شيئا يُذكر.

أنا ظاهرياً على قيد الحياة، ولكني أشعر أنني ميت من الداخل

أحمد العبادي، 32 عاماً، شاب عاطل عن العمل يقضي وقته في إعادة بناء بيته في غرب الموصل الذي دُمر جراء قذيفة هاون عام 2017 خلال آخر معركة لتحرير منطقتهم من سيطرة داعش. العبادي يشير في حديثه معنا إلى أنه "لم يتلق أي تعويض بسبب الأضرار التي سببها الجيش العراقي أثناء التحرير، إضافة الى ما تسببه داعش من خراب الذي لا يمكنني حتى وصفه،"حسب قوله.

انتظر العبادي فترة طويلة من أجل إعادة اعمار بيته، لكن أصدقاءه لم يتركوه وحيداُ حيث اقرضوه مبلغ 500 دولار وهو مبلغ يكفي لإعادة بناء اقل من 10% من حجم الدمار لبيته فقط، وهو ينتظر الدعم الحكومي لإكمال باقي أجزاء المنزل: "استخدمت هذا الدين لإكمال بناء غرفة واحدة لأعيش فيها مع عائلتي. ولكنني أحتاج الى أكثر من 5،000 دولار لترميم المنزل،" يقول العبادي ويضيف:"أنا ظاهرياً على قيد الحياة، ولكني أشعر أنني ميت من الداخل."

1548147831161-iraq66
يقوم رجل بمساعدة أحمد العبادي على إزالة الركام لبناء غرفة واحدة للعائلة. تصوير: سيباستيان كاستيلر.
1548148034814-iraq11
أطفال يلعبون في حوض سباحة، الذي هو عبارة عن أساس منزل تحت الاعمار في منطقة غرب الموصل. تصوير: سيباستيان كاستيلر.

محافظ الموصل نوفل حمادي الذي التقيناه في مكتبه الشخصي يقول أن الحكومة المركزية في بغداد لم تُرسل أي مبلغ من الصندوق لإعادة إعمار الموصل عن عام 2018، ويضيف: "حتى الآن، لم يتم تعويض أي أسرة تعيش في الموصل عن فقدان منازلها ولم تتابع الحكومة المركزية طلبات التعويض المالي المرفوعة أمام محكمة الموصل." ولكن هذا لا يعني أن إعادة الاعمار متوقفة، حيث يشدد الحمادي على أن "إعادة البناء مستمرة والبنى التحتية أفضل من ذي قبل، وبعض المنازل تم إصلاحها بفضل تبرعات المواطنين."

لنعرف تفاصيل أكثر على عمليات إعادة الإعمار، تحدثنا مع أبو لؤي، 62 عاماً، الذي يملك مكتباً للعقارات في منطقة الموصل القديمة، والذي يشير الى أن العديد من المواطنين يأتوا الى مكتبه يومياً كي يعرضوا بيوتهم للبيع حيث لم تعد صالحة للسكن، أما البعض الآخر، فيعرض بيته للإيجار بمبلغ يتراوح بين 50 – 100 دولار شهرياً. "هي ليست بيوت بل بقايا بيوت متهالكة،" يقول أبو لؤي ويضيف: "معظم سكان منطقة الموصل القديمة تركوا الجانب الأيمن من الموصل وذهبوا باتجاه الجانب الأيسر، وهي المنطقة الأقل تضرراً في مدينة الموصل، أما القسم الآخر فقد ذهبَ باتجاه منطقة كردستان العراق، بإعتبارها أكثر استقراراً أمنياً واقتصادياً."

1548148543199-iraq222
في أحد شوارع غرب الموصل يلعب هؤلاء الأطفال بين المنازل المهدمة. تصوير: أزهر الربيعي.

خلال تواجدنا في المدينة القديمة التي كان فنانو الموصل يتغزلون بجمال بيوتها، التقينا قحطان أحمد يونس، 55 عاماً، الدي دُمر منزله في غارة جوية في عام 2017، ولم يتبقى منه سوى غرفتين صغيرتين غير صالحتين للعيش. ذلك المنزل الذي أصبح موجود فقط في ذكريات أحمد يونس كان قد اشتراه عام 1988: "كان منزلاً جميلة يطل على نهر دجلة، كانت لنا ذكريات جميلة في هذا المنزل مع عائلتي وأصدقائي. "

يونس هو أيضاً عاطل عن العمل -كما جميع الذين التقينا معهم في ظل عدم وجود فرص عمل وإرتفاع نسبة البطالة والفقر- يشير إلى أنه اضطر إلى إخراج ابنه من المدرسة بسبب عدم قدرته على دفع المصاريف ويضيف: "تلقيت بعض المساعدات من ميسوري الحال لإعادة إعمار بيتي، ولكن هذه المساعدات بسيطة جداً لا تكفي، وحجم الدمار كبير، كما أنه أصبح مأوى للجرذان ولكن ليس لدينا مكان آخر لنذهب إليه." وعلى الرغم من كل ذلك، يبدو يونس متفائلاً: "سأعيد بناء بيتي، ولكن بفضل كرم العراقيين ونخوتهم لا بفضل الحكومة."

1548149287175-iraq111
قحطان أحمد يونس لا يزلل يعيش مع عائلته في منزله الكائن في مدينة الموصل القديمة والذي تم تدميره جزئيًا في عام 2017. تصوير: أزهر الربيعي.

في عام 2019، سيقوم برنامج الأمم المتحدة الانمائي في إعادة تأهيل ما مجموعه 10،000 منزل حيث البرنامج يهدف إلى "إعادة تأهيل بناء المنازل جزئياً ممن تضرر بنسبة أقل من 60% وليس "إعادة بناء كامل،" بحسب مصدر مطلع فضل عدم ذكر اسمه. وفي مؤتمر عقد في الكويت في فبراير 2018، تعهد المانحون الدوليون بما في ذلك الدول التي تشكل جزءاً من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش، بتقديم 30 مليار دولار للمساعدة في إعادة بناء العراق -تم التعهد بالمبلغ في الغالب بطريقة التسهيلات الائتمانية والاستثمار. ولكن هناك من يتخوف من أن الفساد المنتشر على نطاق واسع في العراق، وأنه قد يتم صرف هذا المبلغ، كله أو كثيراً منه قبل وصوله لمن يحتاجه. وهذا ما عبر عنه أبو لؤي بكل صراحة: "حكومتنا مُكونة من لصوص، ليس لديهم أي فكرة عن كيفية ادارة البلد، كيف تتوقع منهم إعادة بناء الموصل؟"

1548149559674-7
رغم الدمار، كتب احد المواطنين على جدار منزله المهدم عبارة تقول: "ما زلنا على قيد الحياة في المدينة القديمة." تصوير: أزهر الربيعي.