رام الله

عمل فني جماعي لفنانين من الدنمارك بعنوان (Superflex) ضمن معرض "دين" في مركز خليل السكاكيني في رام الله.

ثقافة

كيف تصنع ثقافة في بلد محتل؟ أنظر رام الله

العمل الثقافي في بلد مش بلد مشكلة
31.10.18

كان قراراً صعباً، الاختيار بين حضور فيلم الافتتاح في مهرجان أيام فلسطين السينمائية في قصر رام الله الثقافي، أم حضور "مسرحية طه" لعامر حليحل في مؤسسة القطان في الطيرة. هذه ليست المرة الأولى التي كان على أهل رام الله الاختيار بين هذا وذاك. حصل ذلك قبل عدة أسابيع، وكان علينا الاختيار مجدداً بين حضور ستاند آب كوميدي لعلاء أبو دياب أو حضور الحفل الموسيقي لفرج سليمان وبالنهاية قام كل منهما بتأجيل عرضه قليلاً للسماح للجمهور بحضور العرضين. الثقافة عاجقة بالبلد. طبعاً، هذا المشهد هو طبيعي في أماكن أخرى، حيث يكون هناك عروض فنية وثقافية وترفيهية طوال الوقت، والاختيار عادة ما يُحدد مسبقاً. في رام الله، ليس عليك أن تقرر أي شيء مسبقاً. فمعظم العروض تكون مفتوحة للعامة بالمجان أو بمبلغ رمزي. كما أن الفلسطينيين ربما تعودوا على أن التخطيط المسبق ليس لمصلحتهم، ففي أي لحظة يمكن أن يغلق حاجز ما، أو تحدث عملية، أو تندلع حرب. فالأفضل أن "تخليها على الله" (كما يقال في اللهجة الفلسطينية العامية).

1541005638824-

عامر حليحل في مسرحية طه. المصدر: مؤسسة القطان

هذه العروض على تضاربها، بدأت ترسم مشهد ثقافي فلسطيني جديد يقدم للجمهور خيارات مختلفة -على الرغم من أنك تنتهي بالعادة برؤية نفس الوجوه "المثقفة" من فلسطينيين وأجانب في معظم العروض الثقافية. "هذا الانتعاش الثقافي الحالي هو نتيجة لعمل مؤسسات واستثمار طويل في مجال الثقافة،" يقول محمود أبو هشش، مدير برنامج الثقافة والفنون في مؤسسة القطان، واحدة من أكبر المؤسسات العاملة في مجال الثقافة والفن والأطفال منذ التسعينات. "الهدف العام أو الحلم الذي تسعى المؤسسة لتحقيقه من خلال برامجها المختلفة هو بناء جيل شاب محب للعلم والأدب والفنون، جيل مثقف ومنفتح وديمقراطي ومنتج للثقافة وليس فقط مستهلك لها. ذلك طبعاً بالاضافة إلى تعزيز صورة مغايرة لفلسطين كفاعلة في الحراك الثقافي والحضاري في العالم."

في خلال العقد الماضي، بدأت فلسطين تحقق إنجازات مهمة في عالم الثقافة عربياً وعالمياً، سواء في مجال الأفلام والفن والموسيقى. هذا العام، شاركت فلسطين لأول مرة في جناح خاص بها في مهرجان كان السينمائي الدولي، كما وحصد ممثلين ومخرجين فلسطينيين عدة جوائز في مهرجانات عالمية مختلفة. ولكن داخلياً يصبح سؤال الثقافة أكثر تعقيداً. أولاً، هناك الواقع الفلسطيني المشتت بين الضفة وغزة ومناطق الـ48 وفلسطيني المهجر وحاجات وخبرات كل منهما يجعل من صناعة ثقافة فلسطينية واحدة يبدو ضرباً من الخيال. وثانياً، النظرة للثقافة كأولوية في المجال العام الفلسطيني وفي ظل الإحتلال وصعوبة التنقل الحركة والبطالة والوضع الاقتصادي والسياسي. وثالثاً، من هو الذي يحدد شكل الثقافة ولونها وقدرتها على استيعاب والوصول للكل الفلسطيني، هل هي المبادرات الفردية أم المؤسسات الكبرى التي لديها المال والاستراتيجية لرسم شكل هذه الثقافة؟

إعلان

طبعاً مؤسسة القطان التي إفتتحت مبناها الجديد في رام الله هذا الصيف، حاضرة في هذه النقاشات، وبالنسبة لمحمود، الأمر الأساسي هو الاستثمار بالجيل الفلسطيني الشاب. "الشباب هم رأس المال، نحن نقدم لهم الفرص لتطوير أنفسهم من خلال ورشات عمل ومنح دراسية وإقامات للفنانين وتشبيك وغيرها. هؤلاء الشباب يعودون بمعارف وأدوات أقوى ليقودوا التغيير في مجتمعاتهم. ونحن نتحدث عن الفلسطينيين في كل مكان. في الداخل والخارج وفي المخيمات، لا تحدنا التقسيمات الجغرافية."

1540992057980-bposts20180728152832

من معرض "أمم متعاقدة" في مبنى القطان الجديد. المصدر: مؤسسة القطان.

سؤال كيفية الوصول الى الفلسطينيين في كل مكان وكل الفئات، هو سؤال كبير على بال جميع العاملين في الثقافة في فلسطين. رنا عناني، مسؤولة الإعلام والاتصالات في مهرجان قلنديا الدولي أو ما يطلق عليه بينالي فلسطين، (والذي يأتي إسمه من أكبر حاجز اسرائيلي في الضفة الغربية) تؤكد على أن الهدف الأساسي للمهرجان الذي يستمر لشهر كامل هو تعزيز التواصل بين فلسطيني العالم من جهة، والعالم مع فلسطين من جهة أخرى. المهرجان الذي تأسس عام 2012، ينظم كل عامين في عدد من المدن والقرى الفلسطينية والمدن العالمية، بمشاركة عدد من الفنانين الفلسطينيين والعالميين.

"قلنديا الدولي هو تضافر لشراكة بين 9 مؤسسات فلسطينية تعمل في حقليّ الفن والثقافة. نحن نسعى للوصول إلى أكبر شريحة من الفلسطينيين من خلال إنتاج سلسلة من المعارض، والحوارات، وعروض الأفلام، والجولات الميدانية على مدة شهر كامل،" تقول رنا: "العنوان العام للمهرجان هذا العام هو "تضامن" ونجحنا باستقطاب الكثير من المشاركين من جميع العالم. بعضهم يزور فلسطين للمرة الأولى."

1540991577535-Copy-of-Kurs-What-do-we-know-about-solidarity-Mural

جرافيتي في رام الله كجزء من قلنديا الدولي. المصدر: قلنديا الدولي.

"ما نجح قلنديا الدولي في تحقيقه هو خلق الحاجة والطلب على البرامج الثقافية المتنوعة. كل سنة يرتفع عدد المشاركين والحضور ويزيد عدد الراغبين في المشاركة في برامج المهرجان المختلفة،" تضيف رنا: "النسخة الأولى من المهرجان أطلقنا عليها نسخة صفر، لأننا لم نكن متأكدين من أننا سنستمر، وفي النسخة الثانية اندلعت الحرب في غزة وفكرنا بإلغاء المهرجان، ولكننا في النهاية استمرينا. واليوم نحن في السنة الرابعة."

الواقع الفلسطيني معقد، مش مفهوم ليش ابن الضفة بقدرش يزور القدس أو غزة مثلاً. التصاريح، الفيزا، الحواجز، ليه ما في مطار

رنا تؤكد على صعوبة العمل الثقافي في فلسطين فهناك الكثير من التحديات على رأسها طبعاً التمويل (money money money): "قلنديا الدولي هو جهد تطوعي بحت. لم يكن لدينا موازنة خاصة بالمهرجان هذا العام، بل قامت كل مؤسسة مشاركة بوضع موازتنها الخاصة." على الرغم من صعوبة العمل بدون موازنة مستقلة، ولكن رنا ترى الجهد التطوعي كنقطة قوة وليست ضعف: "في السابق، كانت هناك ثقافة تطوع كبيرة في المجتمع الفلسطيني. ولكن عندما دخلت الشركات الكبيرة والممولين على المشهد توقفت الكثير من البرامج التطوعية وأصبحت البرامج مرتبطة بأجندة الممولين. أنا أفضل الإبقاء على الجانب التطوعي للمهرجان، لتوفير مساحة من الحرية."

التمويل هو تحدي أساسي لجميع العاملين في المجال الثقافي في فلسطين والعالم ربما، ولكنه ليس العائق الوحيد. "العمل الثقافي في بلد مش بلد مشكلة،" يقول حنا عطا الله، مؤسس فيلم لاب: فلسطين، المنظمة لمهرجان أيام فلسطين السينمائية. "لا يوجد لدينا بنية تحتية، ولا يوجد اهتمام كبير بالقطاع السينمائي من قبل الحكومة أو القطاع الخاص. السينما ليست أولوية للناس لأن التلفزيون طاغي. الإنتاجات سينمائية فلسطينية المستقلة محدودة. تأسيس قاعدة جماهيرية يحتاج وقتاً، كما أننا نعمل ضمن فريق صغير لا يزيد عن خمسة شباب بدوام جزئي اضافة الى المتطوعين خلال فترة المهرجان وبموارد محدودة. هذه كلها عوائق ولكننا مستمرين على الرغم من كل ذلك."

إعلان

يقول حنا أن النسخة الخامسة من المهرجان (17-23 أكتوبر) نجحت في جذب جمهور كبير هذا العام. "عم نخلق وعي، عم نعيد إحياء الثقافة السينمائية، المهرجان عم بكبر، عم نبني جمهور أوسع، عم ننجح باستقطاب أسماء وأفلام مهمة، عم نكبر درجة درجة،" يضيف حنا مشيراً الى العمل المستمر من قبل مؤسسة فيلم لاب على دعم صناع السينما في فلسطين من خلال ملتقى صناع السينما الذي يربط بين المنتجين والمخرجين. "الواقع الفلسطيني معقد، مش مفهوم ليش ابن الضفة بقدرش يزور القدس أو غزة مثلاً. التصاريح، الفيزا، الحواجز، ليه ما في مطار. كل هذه التفاصيل يتعرف عليها زوار المهرجان من الخارج، ويقدم لهم الخلفية الضرورية عند قراءة نص سينمائي من فلسطين. هذا أمر مهم جداً بالنسبة لنا، جعل الواقع المعقد مفهوماً لجميع ضيوف المهرجان."

1540992595239-cinemadays1

الأفلام المشاركة في أيام فلسطين السينمائية.

الأمر المشرق في كل هذا ربما هو عدم وجود أي رقابة "مباشرة" على الأفلام المعروضة في المهرجان، ولكن حنا يحاول تحقيق التوازن في نوعية الأفلام لتناسب جميع الفئات والأذواق و"الخطوط": "من بين 120 فيلم نختار 70 للعرض، بما يتناسب مع كل مدينة ونحاول خلق توازن بين تقديم محتوى جيد مهم بدون قطع الكثير من الخطوط الحمراء. ولكن طبعاً، أحيانا نقوم بعرض فيلم جدي لرمي حجر في المياه الراكدة ونراقب ردة الفعل. الأهم هو الجمهور، وعرض أفلام تنقل أحلامهم وهمومهم. الموضوع مش بس عرض أفلام سينمائية مهمة بدون التفكير بالناس. الثقافة مش فلافل."

"هذه الدورة الأولى التي يوافق حنا على تسميتها بالمهرجان لأننا نجحنا بوضع أنفسنا على الخارطة،" تقول خلود بداوي، الناطقة الاعلامية لمهرجان أيام فلسطين السينمائية مشيرة إلى أن فيلم الافتتاح استقبل أكثر من 1,200 متفرج في قصر الثقافة الذي يتسع لـ 800. "اضطرينا في النهاية أن ندخل الجميع حتى لو يكن لديهم مكان للجلوس." تتحدث خلود بحماس عن نجاح المهرجان بالتغلب على الصعوبات: "لا يوجد استراتيجية وطنية أو هيئة أو صندوق لدعم السينما. كلها جهود فردية. نحن نقوم بالعروض في قاعات غير مهيئة سينمائياً، سواء في رام الله أو باقي مدن الضفة والقدس وغزة. ولكن في معظم العروض تكون القاعات ممتلئة."

الثقافة تعمل كحاجز ضد الإحتلال أولاً وضد الجهل والتجهيل ثانياً

وتكمل خلود بنفس متفاءل: "أيضاً كل عام يزداد عدد الأفلام المقدمة لجائزة طائر الشمس. في الأعوام السابقة لم يزد العدد عن 20 فيلماً، هذا العام وصلنا 60 فيلم، اخترنا منهم 22. هذه قفزة كبيرة." تقول خلود الى أن المهرجان قام هذا العام بتخصيص منحة مالية بقيمة 2،000 يورو لكل من الفائزين عن كل فئة الوثائقي الطويل والروائي القصير، أما ريع بيع تذاكر المهرجان كافة (8 دولار للتذكرة الواحدة) فذهبت لدعم الفائز عن فئة الإنتاج. "من المهم بالنسبة لنا أن نشجع وندعم صناع الأفلام، حتى ولو بمبلغ بسيط."

من الواضح أن هناك جهد جماعي لدعم الثقافة في فلسطين. ربما كونها السلاح الوحيد المتبقي فلسطينياً في ظل انعدام الأفق سياسياً، سواء من مؤسسات كبيرة كالقطان تستهدف طبقات معينة أو مؤسسات أصغر منها كـ مركز خليل السكاكيني في رام الله الذي استضاف معرض "دين" ضمن فعاليات قلنديا الدولي ومراكز ثقافية أخرى في القدس وغزة وباقي المدن، أو حتى وزارتي الثقافة والتعليم الذي أشار عدد من الذين قابلتهم الى توسع اهتمامهم بدعم هذا القطاع من خلال دعم وزارة الثقافة مثلاً تأسيس أول مهرجان وطني للمسرح وأول مهرجان للأفلام القصيرة وقيام وزارة التعليم بتوقيع مذكرة تفاهم مع فيلم لاب لتنمية الثقافة السينمائية في المدارس. أيضاً يبدو أن الممولين بدأوا بإدراك وجود "فرص" تسويقية جيدة من خلال دعم هذه المبادرات التي حتى الآن تتركز معظمها في رام الله، باعتبارها de-facto capital العاصمة الفعلية لفلسطين حتى الآن. "أي مهرجان سينمائي وطني في العالم يجب أن يتم إفتتاحه من قلب العاصمة القدس، ولكن في للأسف هذا ليس خياراً حالياً،" تقول خلود. قد لا يتفق الجميع على شكل المشهد الثقافي الحالي، وعلى قدرته على الوصول إلى الشارع الفلسطيني، ولا على اختيار الأشخاص أو المشاريع التي يتم دعمها، ولكن يبدو أن هناك اتفاق على تحقيق أكثر ما يمكن تحقيقه حتى بأقل الموارد وضمن الحدود الاجتماعية أو الجيو سياسية. "بآمن أنه الثقافة أداة مقاومة في كل مكان وليس في فلسطين فقط،" يقول محمود: "الثقافة تعمل كحاجز ضد الإحتلال أولاً وضد الجهل والتجهيل ثانياً. المثقف الواعي أكثر قدرة على الاستمرار وعلى إيصال صوته وحكي حكايته بطريقة أقل خطابية وأكثر عمقاً. المشروع الثقافي هو مشروع جامع في حالة التشتت الجغرافي التي يعيشها الفلسطيني."