شوسيال ميديا

"الأفورة" في نقاشات السوشيال ميديا حول عودة حلا شيحة

بعض الرجال يتخيل أنه يعرف كل شيء عنا كنساء، يعرفون قدراتنا الجسدية وما نعانيه أكثر منا
2018 أغسطس 16, 9:55am

الصورة من فليكر

في مطلع عام 2014 بدأت مئات الفتيات المصريات في خلع الحجاب، تجارب فردية سرعان ما تحولت إلى ظاهرة عامة بين آلاف الفتيات. وقتها بدأت نقاشات وشجارات عنيفة للغاية على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مجموعات تدعو لخلع الحجاب لأسباب حضارية أو استنادًا لتفسيرات مختلفة لنصوص الدين، ومجموعاتٍ أخرى تدعو الفتيات للتمسك به والصمود في وجه الكفرة، ومجموعات تشتم الطرفين، ومجموعات تسخر من الجميع. في ذلك الوقت، كنت أناقش كثيرًا، وخضت آلاف الجدالات انتهت باللاشيء، حتى تأكدت أن الناس لن يغيروا أفكارهم في نقاشٍ مباشر، لأنهم -لسبب غامض- يعتقدون أن هذا يهين كرامتهم. فاتخذت القرار المنطقي المريح: تجاهلت نقاشات خلع الحجاب بالكامل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصية عامة. ولكن قبل أيام استيقظت وفتحت لابتوبي لأجد حربًا مرعبة على السوشيال ميديا، واكتشفت أن الفنانة حلا شيحة خلعت نقابها وحجابها، فغمغمت: "يا فتاح يا عليم.. اصطبحنا" وشرعت في متابعة الموقف بصمت. هناك ظواهر مستفزة تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي عندما تخلع امرأة ما حجابها. تعالوا أخبركم عن بعضها.

اتحاد الرجال والنساء السخفاء
بعض الرجال يتخيل أنه يعرف كل شيء عنا كنساء، يعرفون قدراتنا الجسدية وما نعانيه أكثر منا، ونتيجة وهم المعرفة هذا نجد أحكامًا غاية في القسوة على مشكلات لم ولن يمروا بها، ومشاعر لن يحسوها. في أي قضية أو أزمة تخص النساء أجد هؤلاء الرجال وسط النقاش يدلون بآراء مستفزة، وقد ظهروا في موضوع خلع حلا شيحة للحجاب لينتقدوها بقسوة، ثم قرأت تعليقًا لأحدهم يقول "وماذا يضيرها في تحمل النقاب؟ إنه مجرد زي عادي.. فلتتحمله كما نتحمل أي شيء في حياتنا." هذه العبارة أثارت غيظي جدًّا، لأنها تأتي من شخصٍ يرتدي ما يحلو له في أي وقت، ولم يعش يومًا ضغوط المجتمع علينا لنرتدي ما يريده الآخرون، ولا يعرف الشعور الذي تحسه كل امرأة تحت حجابها أو نقابها، ومع هذا يحكم على امرأة ويقرر لها ما يجب أن ترتدي. نفس السخافة قابلتها في قضية نسب (حق ديالا)، عندما انتقد البعض أمها لأنها لم تجهضها، وقال أحدهم: "كان بإمكانها تعاطي أقراص الإجهاض، وسينتهي الأمر خلال ساعات دون إرهاق مثل الدورة الشهرية." بهذه البساطة قرر لامرأة ما كيف تختار حياتها، وحكم على معاناتها وكأنه جرب الدورة الشهرية والإجهاض، منتهى الاستفزاز. المحطة الثانية في خناقة حجاب حلا شيحة، هي مع الأخوات الصائدات في الماء العكر، أي اللاتي انتهزن الفرصة ليتباهين بتمسكهن بحجابهن، ويؤكدن أن من المستحيل تفريطهن فيه، ثم بدأن السباب في حق كل من تخلع الحجاب، والكارثة التي ستهدم أخلاق المجتمع والدين و و و.. وكثير من الكليشيهات على خلفية من تصفيق الشباب الذي يردد "واو! إنتي ازاي كده" في مشهد هزلي يجعلني أقول "جمَّع ووفق."

توزيع صكوك الجنة والنار
أول بوست لانتقاد حلا كان لسيدة محسوبة على التيار الإسلامي، انهالت عليها توبيخًا، ونشرت الكثير من التفاصيل الشخصية على المشاع. ورغم أن الحجاب مجرد مظهر تختاره من تختار وتتركه من تتركه، وأقصى ما نفعله أن ننصح بالمعروف، فإن هذا البوست الظريف أيقظ الإخوة موزعي صكوك الجنة وأغلال النار وأطلق سراحهم. يعمل موزعو صكوك الجنة على مدار 24 ساعة على مواقع التواصل الاجتماعي، يصححون لك عبارات التعزية، ويهاجمونك لو كتبت سبة بينك وبين أصحابك، أمَّا مناصرتك للقضايا التي يعارضونها فهي بوابة الجحيم تنفتح فوق رأسك، وفي قضية الحجاب بالذات انهال هؤلاء الأفاضل لومًا وتقريعًا لحلا شيحا، ثم شتموا من ساندوها لأنهم وقعوا في "الدياثة" ثم توعدوا الجميع بأن الله سيصب عقابه فوق رؤوسهم جزاءًا وفاقًا لنقاشهم العقلاني والمشروع في قضية تخصهم.

التطرف المضاد
كما يوجد التطرف الديني الذي يلد تعليقات إرهابية وتهديدات، يوجد تطرف من نوع مختلف على الطرف الآخر للعصا، وهو تطرف "مبروك التخلص من الجهل والرجعية" مع حزمة من الشتائم الموجهة للمحجبات المتخلفات المقهورات الخ الخ. لماذا لا نقول ما نريد بلطف؟ لو رفضنا الحجاب فنحن نرفض الفكرة وليس من يقتنعون بها.

أهل المزايدة
آفة حياتنا في مصر "الأفورة" المبالغة في كل شيء، ومن هذه البذرة يخرج ملايين الأشخاص قادرين على المزايدة علينا وعلى كل الآراء الممكنة دون أن يهتز لهم جفن. في أزمة حجاب حلا شيحة وجدت عشرات التعليقات من أهل المزايدة في كل اتجاه "هل فرحتم بارتدائها الحجاب كما تفرحون الآن؟" و"لماذا تفتعلون كل هذه الضجة؟ هل يعجبكم أن تتعرى النساء لهذه الدرجة؟" وكل جزء من النقاش الدائر زايدوا عليه وعبروا عن قرفهم منه لأنهم سبقوه بسنوات ضوئية. في سلة المزايدة أيضًا يستقر السادة الذين اشتروا رؤوسهم منذ زمن بعيد، ويقضون الوقت في متابعة ما يحدث مع اللب والسوداني، ويستمتعون بالمشهد الكوميدي.