السياسة والفن:  كيف ينظر اللبنانيون إلى الرقابة؟
فرانس جاشم/فليكر
فن

السياسة والفن: كيف ينظر اللبنانيون إلى الرقابة؟

"وندر ويمن،" "جانغل" وأخيراً "ذا بوست" و"بيروت" جدل حول منع عدد من الأفلام لأسباب سياسية

في لبنان، يتعذر إيجاد إجابة موحدة حينما يتعلق السؤال بالرقابة المفروضة أحياناً على إنتاجات سينمائية أو ثقافية، يفرضها الأمن العام اللبناني الممثل باللجنة الخاصّة بمُراقبة الأفلام السينمائيّة، وغالباً ما تتم الموافقة على المنع في حين يكون الجدال محتدماً إعلامياً وافتراضياً على وسائل التواصل الاجتماعي. الأشهر الأخيرة كانت مزدحمة بالإنتاجات السينمائية وبالرقابة أيضاً. فيلم "ووندر وومن" والذي منع لسبب واضح وهو جنسية ممثلته الرئيسية الإسرائيلية غال غادوت تسببت بجدل واسع، ولكن المنع استمر. فيلم آخر تم منعه وهو "جانغل" والذي منع بعد أن كان قد عرض لما يقارب الأسبوعين في الصالات السينمائية، منع الفيلم جاء أيضاً بسبب الخلفية الإسرائيلية لواحد من المنتجين بالإضافة الى قصة الفيلم التي تروي حكاية حياة مغامر إسرائيلي. أما مؤخراً، فقد أثار فيلم ستيفن سبيلبرغ الجديد "ذا بوست" بطولة توم هانكس وميريل ستريب موجة جدل واسعه بعد منعه لساعات قبل أن تصدر الحكومة قراراً سريعاً ببطلان المنع. كما تسبب تريلر فيلم "بيروت" (اخراج براد أندرسون وبطولة جون هام) الذي من المقرر عرضه في أبريل بموجة غضب كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث طالب عدد كبير من اللبنانيين والفنانين بمنع الفيلم باعتباره "يشوه صورة بيروت الحقيقية ويهدد التراث والثقافة اللبنانية."

إعلان

ما بين المنع، المقاطعة، وحرية الاختيار، تتنوع وتتضارب الآراء في لبنان. عندما طرحنا السؤال على مجموعة من الأشخاص والناقدين، وفي معرض سؤالنا عن آرائهم بالرقابة، كانت ردة الفعل الأولى هي: "موضوعكم معقد جداً… بالتوفيق،" فيما اقترح شخص آخر أن نختم موضوعنا بعبارة "العلماء لم يتوصلوا إلى إجابة واضحة بعد." أنيس تابت، 31 عاماً، ناقد سينمائي وصاحب مدونة Let’s Talk about movies هو ضد المنع شكلاً وتفصيلاً، ويقول: "موقفي واضح ولن يتغير، أنا ضد منع الأفلام. لكل رأيه الشخصي وحقه في المقاطعة، ولكن لن أقبل أن يجبرني أي شخص أو جهة على المقاطعة، مشيرا الى أن إلغاء قرار منع فيلم "ذا بوست"هو "انتصار صغير وخطوة صغيرة باتجاه الحد من الرقابة." ويشار الى رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري تدخل شخصياً للتراجع عن منع الفيلم، بحسب صحيفة واشنطن بوست. وجاء طلب منع الفيلم بسبب تبرع مؤسسته بمليون دولار لجهود الإغاثة في إسرائيل بعد حربها مع حزب الله اللبناني عام 2006، بحسب الروايات، وكانت أفلامه تعرض في لبنان بدون مشاكل بالسابق -ربما قبل اكتشاف علاقته "المادية" بإسرائيل التي تصنف بالقانون اللبناني كدولة عدو.

أنيس تابت

ضومت الدويهي، الأستاذ الجامعي المختص بالتصوير والتواصل البصري، هو أيضاً ضد أي شكل من أشكال المنع، ويقول: "أعتقد أن حظر أي شيء هو عمل قمعي وهو مصادرة لحريتك في الاختيار. معظم البرامج التلفزيونية مثلاً لا تعجبني ولكنني لا أدعو إلى منعها، يمكنني بسهولة إطفاء التلفزيون والتمتع قراءة كتاب جيد أو الاستماع إلى أغنية جميلة أو زيارة صديق، المعضلة الأساسية تتمحور حول خياراتنا وأهدافنا ومن حقنا أن يكون خيار." ضومت هو أيَضاً من الذين يؤمنون بمحاربة الفن بالفن، "الحل قد يكون أكثر فعالية إذا خلقنا رأيا معاكساً عن طريق انتاجات فنية تظهر قضيتنا الصحيحة التي حاول تشويهها الأعداء مثلاً من خلال انتاج فيلم يتحدى فيلمهم مثلاً."

إعلان

أما لوسيان بورجيلي، 37 عاماً، المخرج السينمائي الذي كان له تاريخ مسرحي وإنتاجي طويل مع الرقابة في لبنان، فيقول: "أتعجب من الدعوات إلى منع أفلام معنية، ألا يلاحظ أحد أن ذلك بمثابة تسويق مجاني للإنتاج؟" لوسيان يرى أن الجو السائد في لبنان قبل وخلال إصدار قرارات منع الأفلام يتأرجح بين التخبط والارتباك لأن القانون الرقابة والمنع ليس واضحة على الإطلاق. "على الدولة أن تكون واضحة بقراراتها فمنع فيلم "ذا بوست" ثم السماح بعرضه أثار جدلاً، وهذا التفاوت بالقرارات سيفقد الناس ثقتها بالسلطة والإدارة أكثر فأكثر بعد عجزها عن أخذ قرارات موحدة."

ويذكر لوسيان أن الرقابة السينمائية لا تتمحور فقط حول الانتاجات المثيرة للجدل لناحية علاقتها بإسرائيل، بل تتعدى ذلك ليصل المقص أحياناً إلى إنتاجات محلية لبنانية تُمنع تحت عنوان "المس بالسلم الاهلي وتعكير الجو العام" أو "التحريض الطائفي المذهبي." ويضيف: "الخاسر الأكبر من موضوع منع الأفلام هو الشركات اللبنانية الموزعة وصالات العرض اللبنانية، وليس مخرج الفيلم أو الممثل، شركة الإنتاج أيضاً هي الخاسرة وبالتالي مقاطعة الفيلم لن يؤثر بشكل مباشر على المخرج، فهو في نهاية المطاف تقاضى أجره." مشكلة لوسيان تتعلق بالرقابة أكثر منها من المنع لسبب سياسي. "أنا لست ضد المقاطعة ولكن يجب أن تكون بالإقناع، مثلاً حملة إعلانية باعتصامات سلمية وليس بالقوة. الأمر الأخطر بالنسبة للمخرج اللبناني هو: "منع الأفلام والانتاجات اللبنانية، لان ذلك يعبر قمعاً اقتصادياً، حيث أن قتل الصوت والطموح عاملان مدمران لأي مخرج أو كاتب أو ممثل، وهو أمر يدفع بهم إلى الهرب من لبنان والبحث عن فرص في الخارج."

إعلان

لوسيان بورجيلي

على الجانب الآخر من النقاش، هناك من يرى أن المنع مُبرر. فرح، 23 عاماً، تعمل في مجال الاعلانات ترى أن المنع هو الحل. "نعم منع الأفلام يجب أن يكون قراراً بيد الدولة، أعتقد أن موضوع إسرائيل لا يستفز عدد من اللبنانيين لأنهم لم يعايشوا الحروب التي شنتها على لبنان، ولكن بالنسبة لي أو لأهلي نحن عايشنا هذه الحروب ولذلك الموضوع حساس جداً بالنسبة لي، ولا أستطيع تقبل أي شيء له علاقة بإسرائيل. المنع يجب أن يكون من الدولة تحت عنوان واضح مستعينين بقوانين واضحة وثابتة ومنها ضرورة مقاطعة إسرائيل."

زينب أبو يحيى، 25 عاماً، طالبة في كلية الفنون في الجامعة اللبنانية ترى كذلك انه لا يوجد تعارض بين الفن والسياسة حين يكون الأمر اخلاقياً وشخصياً: "برأيي مجرد موافقتنا نحن كشعب لبناني بغض النظر عن التوجهات السياسية والدينية على عرض فيلم يتضمن ممثل او مخرج إسرائيلي او مطبّع، هذا يعني أننا نحن نعترف بوجود هذه الدولة التي حاولت بكل الطرق احتلال بلدنا و تدميره وقتل الابرياء، بعضهم رفاقي وأفراد من عائلتي. أنا مع الرقابة ومنع التطبيع لأن الرسائل التي وصلتنا من إسرائيل كانت كافية عام 2006 وكتبت يومها على صواريخ موقعة من أطفالهم. أنا مع حرية الفن لأقصى الحدود، ولكنني لست مع الدعاية أو دعم العدو بشكل او بآخر."

زينب أبو يحيى

يشار الى أن حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان التي انطلقت عام 2002، وحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها المعروفة بـ (BDS) والتي تستلهم مبادئها من دعوة النشطاء الجنوب أفريقيين لمقاطعة نظام الأبارتهايد، تسعى الى تفعيل وتعزيز كافة أشكال الضغط المتاحة على إسرائيل والمؤسسات والشركات والأفراد المتعاملين معها. وترى الحملة في لبنان أن مقاطعة الفرق الفنية والفنانين بشكل عام له تأثير كبير حيث أن "الفنانين الداعمين للعدو (أو لمقاطعته) يروجون له (أو ضده) على نحو أعظم بكثير من الناس الذين لا يتوجهون إلى جمهور كبير."

إعلان

علي فخري، 32 عاماً، الذي هو من مؤسسي أول تنظيم مقاطعة في لبنان وعرف يومها باسم "شباب ضد التطبيع،" يرى أن خيار المقاطعة يجب أن يكون فردياً وشعبياً وليس فرضاً من الحكومة: "لو سئلت منذ سنوات عن رأيي كنت لأقول أنني مع المنع الصادر عن الدولة، ولكنني اليوم مع خيار المقاطعة كفعل مدني، في أوروبا نجد أن الشعب لا يطالب بمنع فيلم بل يعمد إلى مقاطعته بنفسه، المعارضة تكون بضغط مدني شعبي، وفي بعض الاوقات نجد حكومات ترضخ لرأي الشارع والشعب وتمنع استثمارات معنية."

أعتقد أن المقاطعة كسلاح تؤدي مهمة "تصفية حسابات داخلية" لأن تركيبة المجتمع اللبناني قائمة على الفرز، وفق مصطلحات مريبة كـ"عميل غير عميل" "مطبع غير مطبع" "مقاوم غير مقاوم

ولكن العلاقة بين لبنان واسرائيل أكثر تعقيداً، فالتاريخ يشهد على حروب دموية بدءً من اجتياح بيروت في 1982 وانتهاءً بحرب تموز 2006: "صحيح، المعضلة الحقيقية هنا هي أن لبنان كبلد، هو بحرب مع حكومة الاحتلال، لذا لا يمكننا أن نناقش الموضوع بطريقة سطحية. الوضع في لبنان مختلف عن الوضع في أوروبا لاننا على تماس يومي مع العدو ورائحة الدم لا تزال حاضرة." ولكن على الرغم من أنه مع خيار المقاطعة 100% "كخيار" من منطلق حقوقي إنساني الا أنه ضد فرضها بالقوة: "لا يمكننا إجبار أي شخص على المقاطعة بالقوة، الدعوة للمقاطعة بالقوة تُسبب نفورا كبيراً. باعتقادي أن ترك الخيار للناس هو ما ساهم بنجاح حركة مقاطعة إسرائيل BDS العالمية لانها فعل مدني وليس عبارة عن تكسير وسحل وتهديد."

قاسم الرز، 28 عاماً، وكيل تأمين ينظر إلى موضوع المنع من ناحية أخرى، فهو مع المقاطعة وضدها بنفس الوقت: "أنا مع المقاطعة ولكن هناك أشكال مختلفة من المقاطعة، وبعض الاشكال لا تروق لي مثل منع فرق موسيقية معينة من الحضور إلى لبنان بحجة أنهم أقاموا حفل في فلسطين من قبل، أو منع فيلم لأن والدة مساعد مسؤول الاضاءة من أصول إسرائيلية،" يقول قاسم مازحاً، ويضيف: "مثلا في قضية فيلم "ذا بوست" ستيفن سبيلبرغ دعم اسرائيل بمليون دولار في الحرب، في هذه الحالة يمكن أن يصدر موقف رسمي رمزي أو إدانة ولكنه لا يستدعي منع الفيلم، فالفيلم ليس ملكا للمخرج وحده، هناك شركات كاملة تقف خلف الإنتاج."

إعلان

حلا نصر الله، 25 عاماً، صحفية، ترى أن مبررات المقاطعة ليست دائماً ذات هدف مبدئي وتشرح ذلك بالقول: " أنا أؤمن بحرية الاختيار. ولكن في وقتنا الراهن الوعي المنتج لخطاب المقاطع نشيط جداً، ولكن المفارقة أن الجماعات التي تناشد المقاطعة، يمكنها الاستغناء عن كتاب ومنع دخوله للبنان، أو حتى منع عرض فيلم، ولكن لا يمكنها الاستغناء عن منصة فيسبوك رغم تعهد رئيسها مارك زوكربيرغ للاسرائيليين بأنه سيكون عين اسرائيل الساهرة لمنع نشر خطاب الكراهية ضدها." وتضيف: "أعتقد أن المقاطعة كسلاح؛ تؤدي مهمة "تصفية حسابات داخلية" لان تركيبة المجتمع اللبناني قائمة على الفرز، وفق مصطلحات مريبة كـ"عميل غير عميل" "مطبع غير مطبع" "مقاوم غير مقاوم، ويتم استخدام المقاطعة لتصنيف الأشخاص حسب ذلك."

ردود الفعل التي تعقب منع فيلم معين تكثر وتتالى في حين يتعرض صحافيون محليين لحملات اعتقال وتحقيق ويتعرض اللاجئون لمضايقات ولا نسمع أي نوع من الاعتراض

كريم شهيب، 26 عاماً، صحفي، يتفق أن هناك انتقائية بالتعامل مع المنع: "أنا لا أدعم منع الأفلام والرقابة عليها، لا أعتقد أن المنع يمثل حلاً فعالاً على الاطلاق بل على العكس يلعب دوراً سلبيا. ولكن ما أجده غريباً أن ردود الفعل التي تعقب منع فيلم معين تكثر وتتالى في حين يتعرض صحافيون محليين لحملات اعتقال وتحقيق ويتعرض اللاجئون لمضايقات ولا نسمع أي نوع من الاعتراض؟" كريم يشير ايضاً إلى أن "الدولة اللبنانية تحاول أن تثبت عبر منعها لهذه الانتاجات انها فعلًا ضد إسرائيل ولكن بصراحة هذه طريقة سطحية جدا للتضامن مع القضية الفلسطينية، في حين شركات ومؤسسات عديدة موجودة وعاملة في لبنان وُيعرف عنها وعن المستثمرين فيها دعمهم لحكومة الاحتلال، هناك اختلال بمعايير المنع."

إعلان

وما بين منطق المنع من عدمه، هناك من ينظر إلى الموضوع من جانب فني بحت. نور أبو فياض، 26 عاماً، مسؤولة تواصل اجتماعي تقول: :أنا أريد أن أشاهد الأفلام ببساطة، لأن الفن برأيي أهم من السياسة ومن الرقابة لأن للفن قدرة على كسر التنميط السائد والكراهية. أعمال ستيفن سبيلبيرغ على سبيل المثال أهم مما يقوم به ويتبرع به، فهذه أمواله وهو حر بالتصرف بها، ولكن بالنسبة لي يعنيني فنه. الرسالة التي يوصلها لي بأفلامه أهم مما يقوم به، وفنه وطرق إخراجه التي حاز بفضلها على جوائز عالمية تطرح مواضيع أنا مهتمة بها على الصعيد الشخصي."

نور أبو فياض

لا يبدو أن هناك أي اتفاق على أهداف المنع والمقاطعة، ربما كما كل شيء في لبنان، وما بين رابح وخاسر من المقاطعة، ينهي الأستاذ الجامعي ضومت النقاش بالقول: "الخاسرون الحقيقيون في معادلة منع الأفلام هم الموزعين اللبنانيين الذين يخسرون صفقات كبيرة لعرض الأفلام، والأخطر أننا بمنعنا للأفلام نشجع وندعم قرصنة تلك الإنتاجات بطرق غير شرعية. تصبح بالتالي الأفلام متاحة على أقراص "دي في دي" ولكن ليس في دور السينما، أين المنطق في ذلك؟"

الصور مقدمة من الاشخاص الذين تمت مقابلتهم.

@LunaSafwan