fb-memories
حياة

ذكريات فيسبوك.. كيف تغيرنا تمامًا في 10 سنوات؟

كنت إنسانة متعصبة ضيقة الأفق، تعيش بمثالية فارغة، أهرب اليوم من أمثالها لئلا أصاب بجلطة
10.2.20

هل سمعتم من قبل عن معضلة السفينة؟ تقول الأسطورة الإغريقية إن البطل ثيذيوس خرج بسفينته في رحلةٍ طويلة، وتعرضت للضرر ما اقتضى تصليحها باستمرار، وبمرور السنوات تبدَّلت كل أخشاب السفينة، فهل تبقى السفينة هي نفس السفينة؟ إنها معضلة فكرية شهيرة اختلف حولها الفلاسفة لقرون، وأتذكرها يوميًّا وأنا أفتح فيسبوك لأتفقد قسم "شاهد ذكرياتك" فرغم احتواء تلك الميزة الفيسبوكية على لحظاتٍ عزيزة ورائعة، فإنها سجل يومي يريني حماقات الماضي، ويأخذني في رحلة مرعبة مع إنسانة مختلفة تمامًا عني، لكنها -يا للهول!- أنا! حسابي على فيسبوك عمره عشر سنواتٍ بالضبط. كنت في العشرين من عمري حين بدأت أتعامل مع العالم، شاركت صور قطط، وأغاني رومانسية، وآراء قاطعة في قضايا إنسانية تحتمل ألف وجهة نظر، وتعاملت باستعلاء شديد مع كل مختلفٍ عني، في الرأي السياسي والديني وحتى التوجه الجنسي. كانت بوصلتي هي الصواب الذي لا أتصور غيره، ومع هذا كانت أغلب تصوراتي عن العالم خاطئة وطفولية. الحق لا ينتصر دائمًا، والاجتهاد لا يؤدي للنجاح في مرات كثيرة، والأشرار لا يموتون في نهاية الفيلم. باختصار: كنت إنسانة متعصبة ضيقة الأفق، تعيش بمثالية فارغة، أهرب اليوم من أمثالها لئلا أصاب بجلطة.

الثورجي أصبح دولجيًّا، والمتمسك بالبلد هاجر، والمستميت على الهجرة قرر البقاء. التحولات السياسية والعقائدية هي الأبرز في "شاهد ذكرياتك" لجيلنا كله

بينما أتابع اختلاف آرائي من عامٍ لعام، أتابع ما حدث لأصدقائي أيضًا، المؤمن ألحد، والملحد أدرك أنه صب غضبه على الدين لا على الإرهابيين، الثورجي أصبح دولجيًّا، والمتمسك بالبلد هاجر، والمستميت على الهجرة قرر البقاء. التحولات السياسية والعقائدية هي الأبرز في "شاهد ذكرياتك" لجيلنا كله، وكانت أكثر حدةً بكثيرٍ عند البعض مما اختبرته أنا. يخبرني سامح، 33 عامًا، صحفي: "بدأت علاقتي بفيسبوك في 2008، كنت إخوانيًّا متدينًا أنشر أدعية وقرآنًا وأضع صورة أسامة بن لادن لملفي الشخصي، ثم بدأت أشك في الدين وأدون تساؤلاتي. عندما اندلعت الثورة في مصر عام 2011 كنت من (حزب الكنبة) -رافضي المشاركة في الأحداث- وتجاهلتها، ثم نزلت الميدان وبقيت فيه عامين بين اعتصامات ومظاهرات. وبعد ذلك عدت إلى (حزب الكنبة) مجددًا. لفترة كنت معارضًا، ثم كفرت بالثورة وانتخبت عبد الفتاح السيسي. وحاليًّا أؤيد موقف الدولة في أغلب الملفات. تحفظ ذكريات فيسبوك كل تلك التحولات الحادة، وأرى تغير أفكاري العجيب من عامٍ لعام، لكنني على الأقل لم أفعل شيئًا دون اقتناعٍ تام."

يذكرني فيسبوك كم كنت قلقًا من إظهار مشاعري وأفكاري، خوفًا من الحكم عليَّ، كما كنت أستمد قبولي لنفسي من قبول الآخرين

بجانب التحول السياسي هناك تحولات كثيرة في رؤيتنا لأنفسنا وللآخر. تقول مريم، 31 عامًا، مساعدة مدير تنفيذي: "تعيدني ذكريات فيسبوك إلى فترة كنت أحكم فيها على المختلفين معي دينيًّا، ومن يطرحون أسئلة حول الله. كنت أقول لنفسي (سيدخلون جهنم بلا شك)، حتى تعاملت مع المؤمن والملحد والربوبي وغيرهم، وتعلمت أن ليس من حقي الحكم على أحد، وليس من شأني التدخل بقناعات غيري الدينية. كنت أيضًا أحاكم الناس على أفعالهم في مواقف معينة، وأقول: لو كنت مكانهم لتصرفت بشكل أفضل في كذا وكذا. خمني ماذا حدث؟ وقعت في نفس المواقف لكنني تصرفت بشكل أسوأ، وتعلمت أن ليس بوسعي الحكم على أي موقف لم أختبره."

لم تختلف فقط مواقفنا السياسية والفكرية، بل حتى علاقاتنا الاجتماعية والعاطفية، كما يقول أحمد، 25 عامًا، مدير تشغيل: "يذكرني فيسبوك كم كنت قلقًا من إظهار مشاعري وأفكاري، خوفًا من الحكم عليَّ، كما كنت أستمد قبولي لنفسي من قبول الآخرين. أكبر إنجازاتي أنني تعلمت تجاهل الناس، وتقبل نفسي كما هي، والشعور بالرضا عنها حتى في حالات الفشل، لأن رضا الآخرين قائم على الشفقة غالبًا، لا على الاهتمام كما كنت أظن."

أكثر ما يؤلمني في ذكريات فيسبوك هو احتجاجاتنا على أوضاع سيئة وأزمات عانيناها بسبب الحرب هنا في سوريا، والآن أصبحت جزءًا من حياتنا نتعايش معه دون شكوى

ربما يكون الشيء الأكثر مأساوية الذي نطالعه في فيسبوك هو تقبلنا لمرارة الواقع، كما تقول روعة، 40 عامًا، كاتبة: "أكثر ما يؤلمني في ذكريات فيسبوك هو احتجاجاتنا على أوضاع سيئة وأزمات عانيناها بسبب الحرب هنا في سوريا، والآن أصبحت جزءًا من حياتنا نتعايش معه دون شكوى. أشعر بالحزن بسبب هذا التغير التدريجي، وكأن الحياة تروضنا، وتخفض سقف أحلامنا أكثر فأكثر."

رغم شعور "مين اللي كتب الكلام ده!" الذي يداهمني أمام ذكريات فيسبوك، فإن الجانب المشرق من أنفسنا موجود أيضًا. لقد خضنا تجارب كثيرة أنضجتنا، وأكسبتنا شجاعة أن نختار حياتنا وأفكارنا، ونعيش كما نحب لا كما يريد الآخرون. ربما يبدو النضج مؤلمًا، خصوصًا وقد اكتسبناه إثر ثوراتٍ وحروبٍ وتقلبات سياسية واقتصادية، وصدمات نفسية ومآسٍ، لكنه أفضل من أن نعيش مراهقين إلى الأبد. مع كل ذكرى تريني لمحةً من نفسي القديمة أبتسم بشفقة، وأشعر بالامتنان لأنها كانت شجاعةً كفاية لتتقبل التغيير، وأشعر أيضًا بالفخر لأن عالمنا الذي تداعى علمني اغتنام كل فرصةٍ للسعادة أولًا بأول، والاستمتاع بكل تجربةٍ، حتى أنني -على أعتاب الثلاثينيات- لا أجد مغامرة جامحة سأندم على تفويتها. لقد ارتكبت كل الحماقات بالفعل.

قد تكون ذكريات فيسبوك سجلًا يوميًّا لبعض الحماقات، لكنني ممتنة لها للغاية. إنها ترينا كل منعطفات الرحلة التي قادتنا لنصبح ما نحن عليه الآن

ربما من الشجاعة أن نناقش كيف نزوِّر التاريخ على فيسبوك. في أواخر 2018 قررت أن يكون 2019 هو عام الإخفاء، الذي أمحو فيه من الوجود كل المنشورات القديمة التي تشعرني بالحماقة الآن، وبالفعل.. بمجرد بدء يومٍ جديد أفتح ذكريات فيسبوك وأبدأ حملة Only Me لإخفاء ما لا أريد لغيري رؤيته، لكنني أحتفظ به لنفسي كي لا أنسى أبدًا كيف كنت. لقد أكسبني هذا قدرةً هائلةً على التسامح والصبر، وكلما رأيت فيديو لرابر مخيف يصرخ على بروفايل صديقتي العشرينية، تذكرت النجوم الكوريين الذين احتلوا بروفايلي. كلما جاءتني رسالة غاضبة ردًّا على مقالٍ، تذكرت مشاعري قبل سنوات على نفس الموقف، وأقول لنفسي "امنحيه وقتًا" لأن الوقت هو ما جعلني أهدأ وأكثر استقرارًا. لقد أرتني ذكريات فيسبوك نفسي في كل أحوالها.

قد تكون ذكريات فيسبوك سجلًا يوميًّا لبعض الحماقات، لكنني ممتنة لها. إنها ترينا كل منعطفات الرحلة التي قادتنا لنصبح ما نحن عليه الآن. تطرح معضلة السفينة ما هو أخطر من فكرة النضج، إنها ترينا أننا نتغير باستمرار حتى نصبح أشخاصًا آخرين، أشخاصًا نسخر من أمثالهم ونعاديهم لو قابلناهم على أرض الواقع، ولا نتسامح مع اختلافهم، رغم أننا سبق وتسامحنا مع أنفسنا. أعتقد أننا سنشعر بكثيرٍ من السلام لو تعاملنا مع الآخرين كنسخٍ لنا في أزمان مختلفة.