ILLUSTRATION
تعليقات القراء

تعليقات القراء: عن الجاني الذي تحول لضحية

يجب وضع المتحرش في خانة الاتهام والإدانة والاحتقار، ولكن في نفس الوقت، لا يمكنني أن أتغاضى عن كون المتحرش هو نفسه ضحية تحرش
5.10.20

تميم يونس، مخرج الإعلانات المصري، وصاحب أغنية سالمونيلا المثيرة للجدل، أعلن خلال الأسابيع الماضية أنه تعرض للتحرش من قِبل طبيب أسنان مصري، في وقت اُتهم تميم بأنه تحرش بفتيات. في واحد من التعليقات على الخبر الذي نشرناه على انستغرام، وصل تعليق مهم وهو: هل تميم ضحية أم جاني؟

قضية أخلاقية جدلية جدًا حول تعريفاتنا للضحايا والجناة، ومتى ينتهي دور الضحية ويبدأ دور الجناة؟ هذا السؤال ينطبق على كل شيء، البشر والدول. فمثلًا، دولة إسرائيل، ساهم في تأسيسها اليهود الذين كانوا ضحايا جرائم الهولوكوست. وما بين ليلة وضُحاها، أصبحت إسرائيل ومواطنوها جناةً ومحتلين.  هل يمكن أن تكون ضحية وجانيًا في نفس الوقت؟ إزاء حالة إسرائيل، سيتقمص النظام السياسي دور الضحية، وتطفح على السطح تهمة معاداة السامية وازدرائها، في وقت يمارس النظام عينه جرائم إنسانية بحق المدنيين الفلسطينيين، ويتعرض الساسة للانتقاد بسبب انتهاكات القانون الدولي.

إعلان

هذه الازدواجية بالضبط تعود بنا لحكاية تميم يونس الذي اُتهم بالتحرش، فأصبح جانيـًا ثم تحول الجاني لضحية تحرش هو نفسه. الفاعل هنا هو ضحية وجاني؟ أغنية سالمونيلا كانت بداية الجدل حول تميم، فرغم الاعتراضات عليها، استخف يونس بانتقادات النساء اللاتي رأين الأغنية تحض على العنف، بل اعتبر مخاوفهن غير مبررة، أو أنهن لا يستطعن حتى الاستماع لأغنية بدون تحميلها الكثير من التفسيرات الأخلاقية. تميم وأغنيته لم تكن سوى برهان على رؤية الفنان الشاب للنساء، ولو كان ساخرًا، فالسخرية وسيلة ذكية لإيصال الرسالة بشكل غير مباشر، لكن سخرية يونس تمييزية وفيها كراهية لكل النساء اللاتي يملكن القدرة على قول لا. لقد أراد مطرب السالمونيلا الساذجة أن يُعيد زمان سي السيد أحمد عبد الجواد الذي لا تجرؤ أمينة أن تقول لا في وجهه، وإن فعلت، ستأخذ حقيبتها وتعود لبيت أهلها.

الأغنية تبعتها اتهامات لنساء عن تعرضهن للتحرش من قِبل تميم، وكان رده بأنه سيقاضي كل من شَهَّر به، وطالب بتعويض قيمته عشرة ملايين جنيه مصري (622 ألف دولار تقريباً) يتبرع بهم للمجلس القومي للمرأة لمكافحة التحرش. كل هذه الأمثلة ظهر فيها تميم جانياً، على الأقل بنظر بعضنا. مع الواقعة الأخيرة، ونشره لفيديو حكايته مع الطبيب، تحول تميم إلى ضحية التحرش الذي كان يسخر منه بشكل ما في أغنية (عشان تبقي تقولي لا)، وأعلن إزالة الاغنية من يوتيوب، لكنه أزال الفيديو فقط وأبقى الصوت - على أساس أن المشكلة في الفيديو وليست كلمات الأغنية المهينة للنساء.

يبدو أن تميم استكبر على الاعتذار ولم يهتم بالانتقاد، أو اتهامات التحرش، بل قرر تهديد النساء بالعقاب والمحاكمة وهو يدرك جيدًا أن هذا سيخيف نساء أخريات. لكن الآية انقلبت، وبعد هجومه على النساء قرر استخدام النسوية لمصلحته، وأظهر بطاقة جديدة مكتوب فيها: تميم الضحية الذي يلعب على الصور النمطية للذكورية، ويتلاعب بكيفية تأثير الإحساس أنه ضحية على الصحة النفسية، وأن الخوف من الحديث عن هذه الانتهاكات سببه عدم الرغبة أو الخوف من الظهور في صورة الشخص الضعيف. تميم هنا ليس سوى مثال يعبر عن الكثير من القضايا المشابهة التي يتداخل فيها الجاني مع الضحية في شخص واحد، كأنه دكتور جيكل ومستر هايد.

إعلان

إذًا، هل كون تميم ضحية تحرش، ينفي كونه أو غيره جانيــًا؟ لا، لا نهائية حاسمة قاطعة - وهنا أستخدم تميم كمثال على قضية أكبر منه وليس الهدف التركيز عليه فقط، مع الإشارة إلى إنه لم يُوجَه له اتهام رسمي في القضاء. تعرض تميم للتحرش لا يعني بأي شكل أنه غير متحرش، والعكس صحيح. فالمتحرِش قد يتم التحرش به، ثم يتحرش بآخرين، والضحية قد يكون جانيًا في وضع مختلف، كما أن الجاني قد يصبح ضحية إذا تغيرت الظروف. معظم الدراسات تركز على الضحية التي تتحول إلى جاني، وهذه قصة كلاسيكية تتحول فيها الضحية أحيانًا للجاني بعد أن تجد كل الفرص معدومة كي تعود الحياة لطبيعتها. بالضبط، كما حدث في فيلم Monster بطولة تشارلز ثيرون، أو حكاية ثيلما ولويز اللتين تحولتا لمجرمتين تبحث عنهما الشرطة في كل أمريكا بعد أن كانت ثيلما ضحية اغتصاب في بداية الفيلم.

العالم أكبر من أي ثنائية مطلقة، فخط الحياة المستقيم يحمل بين نقاطه الكثير من الأشكال الأخرى، فبين الجاني والضحية، احتمالات كثيرة

في عِلمي الضحية (Victimology) والجريمة (Criminology) يوجد نظرية شهيرة هي (Victim-Offender Overlap أو التداخل بين الجاني والضحية، وتتلخص في تحول الضحية لجاني في لحظة ما، ويوجد مفهوم محوري في إطار هذه النظرية يُعرف باسم (الضحية المثالية أو The Ideal Victim)، ويعني أن تعريفنا للضحية يتعلق بتصوراتنا عنها، تصور نمطي غالبــًا. فكروا للحظة في الشكل المثالي للضحية من خلال تجاربكم الشخصية أو قراءاتكم أو أعمال فنية شاهدتموها سابقـاً.

يمكن القول إن هذه التصورات الخاطئة تقوم على ما يُعرف بــ The Myth of Pure Evil أو أسطورة الشر النقي، ثنائية مكررة في التاريخ الإنساني، فالمرء إما شرير أو طيب، ولا يوجد لون رمادي أبدًا، رغم أن الجاني والضحية يتشاركان في بعض السمات مع نهاية المطاف، مع أن احتمالية وقوع الضحية في خانة المجني عليها قد تكون أقل من احتمالية دخول الجاني عالم الجريمة.

إعلان

المجتمعات الذكورية وإن كانت تهدد بعض الرجال من مغايري الجنس أو المثليين أو العابرين جنسياً - نساء يعبرن لرجال- فهناك اختلاف كبير بين ما تتعرض له النساء من تهديد وقهر. فكونك ذكر، أو رجل فقط، يعطيك أفضلية واضحة تتفوق فيها على كثير من النساء. تمنح هذه القوة الرجل سلطة تحديد الصواب والخطأ، الجاني والضحية. فإذا قرأنا القوانين مثلًا، ونظرنا للمُشرعين الذين وضعوها في كثير من دول العالم، سنجد أغلبهم من الذكور، مما يعني ضمنــًا أن واضع القانون سيتحيز -شئنا أم لا-  لبني جنسه الذكور، ويقف ضد النساء. حتى الأديان عند الاقتراب منها، نجد الذكور مسيطرين على منصات تفسير النص الديني وقلما نجد امرأة تقارع الرجال في هذه المساحة، إما "لنقصان في عقلها أو دنس في جسدها." لقد استطاع الرجال باستخدام هذه القوة الإجهاز على مصير النساء، فختانها صيانة لشرفها، وزواجها المُبكِر درءًا للفساد الذي قد يحل بها، ووأدها في قلب الرمال حماية للبشر من كيدهن العظيم.

مَنْ صنع أسطورة مريم المجدلية المرأة الضالة ووضعها في خانة المجرمة؟ المجتمع الذكوري. ومَنْ اعتبر المسيح رجلًا يستحق العقاب؟ نفس المجتمع الذي وجد لدى المسيح قوة رُوحية تساعد الفقراء، وتهدد أصحاب النفوذ في البلاد. حكاية النبي عيسى من منظور القوة يمكن أن نرى من خلالها كيف صَنعت هذه القوة صورة الضحية والجاني في أذهاننا، وهكذا كثير من الحكايات التي تُروى، فيتسع مجالها التفسيري والتعريفي للضحية والجاني. في عالم الرجال يمارس كل رجل قوته تجاه الأقل منه قوة، ومثالنا هنا، الممثل الأمريكي كيفن سبيسي الذي امتلك ما يكفي من القوة كي يتحرش بممثلين رجال أقل شهرة وقوة، وفعل بالضبط نفس الأمر المنتج هارفي واينستين مع ممثلات هوليوود اللاتي كُن أقل نفوذًا وسلطة منه.

القوة هنا تشبه الهرم، الأقوى، فرعون، في قمته. وكلما هبطنا درجة وجدنا قاهرين مقهورين، يَقهرون ويُقهَرون (جناة وضحايا). العالم أكبر من أي ثنائية مطلقة، فخط الحياة المستقيم يحمل بين نقاطه الكثير من الأشكال الأخرى، فبين الجاني والضحية، احتمالات كثيرة.  يعتبر البعض في علم النفس أن جميعنا ضحايا، ضحايا تربية فاشلة، ضحايا مجتمع، ضحايا العائلة وتوقعاتها، ضحايا تفسيرات الدين وضحايا النظام السياسي، وضحايا الذكورية نساء ورجالاً. وضمن هذا التفسير فإن الضحية الأقوى ستقهر ضحية أضعف، والمرأة كثيرًا ما تكون ضحية أضعف في معادلة الرجال. قد يكون هذا التفسير منطقياً في جانب معين، ولكنه طبعاً لا يركز على الخيارات الشخصية وقدرة كل منا على استخدام قوته كفرد -بعيداً عن التصنيفات- للخير كما للشر.

إذا أردت أن أُنحي مشاعري جانبـًا، فالإجابة العاقلة عن سؤال (جاني أم ضحية؟) تتلخص في عبارة واحدة: It depends، هكذا كان يقول لي أستاذي الأسترالي أثناء دراسة الماجستير عند محاولة قياس أي حالة فساد مجتمعي. إجابته كانت درسـًا أساسياً لي في التعامل مع القضايا الاجتماعية التي لا يمكن اعتماد إجابة واحدة مُعلَبة لها. فالسياق عنصر جوهري في فهم أي موضوع. يجب وضع المتحرش في خانة الاتهام والإدانة والاحتقار، ولكن في نفس الوقت، لا يمكنني أن أتغاضى عن كون المتحرش هو نفسه ضحية تحرش. ولكن مجدداً، هذا لا ينفي صفة الجاني، فأنت لا تحصل على نقاط أكثر أو حكم أخف لكونك قمت بعمل مشين، وشخص آخر مارس عليك ذات الأمر.

الإجابة باختصار، قد تكون ضحية، وقد تكون جانيـًا بنفس الوقت، لكن الأهم هو أن جريمتك لا تصبح مبررة سواءً اجتماعياً أو قانونياً، لأنك صرتَ ضحية، يجب أن تُعاقَب على جريمتك، وفي الوقت نفسه يجب معاقبة من أذاك على جريمته.