مجتمع

تقنين انتاج "الزطلة" يقسم التونسيين

مؤيدو تقنين إنتاج القنب الهندي يتوقعون توفير مليون دولار في غضون سنة والمعارضين يخشون تفشي الاستهلاك والإدمان
22.6.20
weed

مع الإعلان عن تقنين استخدام القنب الهندي لأغراض طبية في لبنان، عاد النقاش مجددًا في تونس حول إمكانية تقنين استهلاك القنب الهندي "الزطلة" (مادة مخدرة والأكثر رواجًا بين باقي أصناف المخدرات في المجتمع التونسي) في ظل تحركات يقودها هذه المرة "حزب الورقة"وبعض نشطاء المجتمع المدني بهدف الضغط على السلطة لتبني مشروع جديد يهدف لتقنين إنتاج هذه المادة. لكن هذه الفكرة مازالت لا تلقى تأييدًا شعبيًا كبيرًا فضلا عن معارضة بعض النشطاء والسياسيين.

إعلان

وساعد تعديل "القانون 52" المتعلق بالمخدرات في سنة 2017 ومساندة بعض المنظمات الحقوقية لمبدأ الحد من العقوبات ضد مستهلكي "الزطلة" المنتصرين لفكرة تقنين إنتاج القنب الهندي على التحرك بوتيرة أسرع من أجل إثارة المسألة إعلاميًا وشعبيًا والاستفادة من الوضع الاقتصادي الصعب المرتبط بالإغلاق الذي سببه فيروس كورونا، لطرح أفكارهم والترويج لها كمشروع اقتصادي ذي عائدات مالية هامة.

وتأخذ الحملات الراهنة أشكال تنظم مختلفة عن سابقاتها إذ خرجت من جلباب المسائل القانونية والحقوقية وطرقت مسألة تقنين القنب الهندي من باب الاقتصاد وقدمت مشروعًا "سليانة بيس" لإنتاج القنب الهندي وترويجه والذي سيدعم الاقتصاد بـ 100 مليون اورو سنويّا، ويوفّر 3 آلاف وظيفة عمل، بحسب أستاذ القانون ورئيس حزب الورقة قيس بن حليمة.

و"سليانة بيس" هو مشروع اقترحه حزب الورقة (حركة سياسية شبابية تراهن على مسألة تقنين القنب الهندي في تونس) ويعني سليانة الجديدة (سليانة محافظة في الشمال الغربي التي تعاني من التهميش والفقر) هو استثمار فلاحي مراقب من قبل الدولة وسيشمل زراعة القنب والصناعة الصيدلانية موجه للسوق المحلية والدولية، مما سيتيح حسب رأي أصحابه فرص عمل بالمحافظة المهمشة.

أؤيد التقنين أولا من أجل إلغاء القانون 52 الذي زج بالسجن ما بين 120،000 و 150،000 تونسية وتونسي منذ 1992 لمجرد تدخين سيجارة زطلة مع أن هناك مواداً أشد خطورة تروج في البلاد

ويتطلع أصحاب المشروع لتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة على الأمد القريب، المتوسط والبعيد، كما يقول قيس بن حليمة لـ VICE عربية : "نقطة الانطلاقة ستكون بتوفير عائدات مالية كبيرة بقيمة مليون دولار ستدخل للسوق المحلية في السنة الأولى لبعث المشروع. الفكرة هي أننا سنضع حد لوجود الزطلة ونقوم بتصنيع منتوج أقل خطورة قابل للاستهلاك المحلي، ويوفر الموارد المالية التي أسلفنا الحديث عنها فضلا عن إيجاد نحو 3،000 فرصة عمل، ستوجه أساسا للمناطق الريفية حيث يصعب إيجاد مواطن شغل فيها. ويضيف بن حليمة: "هذا بالإضافة إلى الموارد المالية الممكنة التي ستجنيها تونس لدى الشروع في عملية التصدير خارج البلاد في ظل توفر أسواق دولية مستعدة للاستثمار على غرار كندا التي أعربت عن جاهزيتها للشراء في حال تم تفعيل المشروع وباشرنا بزراعة الزطلة." ويسعى "حزب الورقة" من الاستفادة من زراعة القنب الهندي لأغراض طبية وعلاجية اقتداء بتجارب دول كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا ومؤخراً لبنان، إلى جانب صناعة الورق والبلاستيك والصناعات الثقيلة في مرحلة ثانية.

سفيان، 29 عامًا، يدعم فكرة تقنين القنب الهندي في تونس لعدة اعتبارات بينها المرتبط بالجانب القانوني ومنها المرتبط بالجانب الاقتصادي. ويقول: "أؤيد التقنين أولا من أجل إلغاء القانون 52 الذي زج بالسجن ما بين 120،000 و 150،000 تونسية وتونسي منذ 1992 لمجرد تدخين سيجارة زطلة مع أن هناك مواداً أشد خطورة تروج في البلاد، لا نرى جدلًا كبيرا حولها. ثانًيا، لأن حدوث هذه الخطوة كفيلة بتغيير تونس 180 درجة إذا ما تحدثنا عن الاستهلاك وما سينجر عليه من مدخول سياحي هذا عدا الاستعمالات الهامة في صناعة الأدوية أو التصدير أو في الانتاجات الكبرى كالورق والاقمشة مما سيؤمن مدخولًا ضخما للبلاد لكن شرط أن يكون كل هذا تحت إشراف الدولة."

إعلان

في المقابل يرفض حبيب، 28 عامًا، أن تمضي البلاد نحو تقنين الزطلة خوفًا من انفلات الأمور وعجز الدولة عن ضبط الأمور. ويقول "أن ضد مسألة التقنين كليًا لانه وفي كل الحالات فإن عملية الاستهلاك ستخرج عن السيطرة حتى ولو تم وضع قوانين صارمة لتنظيم المسألة. لذلك أرى أن تقنين الزطلة في تونس ما هي إلا وسيلة يراد من خلالها التمويه والتعتيم على مسائل أهم في البلاد. برأيي المتواضع البلاد في حاجة لمراجعة قوانين تخص حياة الشباب ومستقبلهم لا البحث على اقتيادهم للهلاك ومحاصرتهم بقوانين أقل ما يقال عنها أنها انتحارية."

هذه الفكرة في حال تمريرها ستؤدي إلى سقوط الشباب العاطل عن العمل في معضلة إدمان الزطلة في ظل غياب الحلول الجدية لأوضاعهم الصعبة

يقوم "حزب الورقة" حالياً بالتعاون مع بعض النشطاء في المجتمع المدني بتوزيع عريضة بشأن تقنين القنب الهندي على التونسيين للإمضاء عليها، وقد تمكنوا من تجميع 5،000 توقيع خلال يومين وسط تطلعات بأن يتجاوز الرقم 400 ألف لتقديمها للبرلمان وفي حال عدم التفاعل فإنه سيتم اللجوء للقضاء على حد تعبيره. ويراهن بن حليمة على أن الحاجة ستدفع التونسيين كما دفعت قبلهم اليونانيين على قبول المشروع عام 2018.

وفيما تتواصل تحركات مؤيدي المشروع حثيثة إعلاميًا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي من أجل إقناع المزيد من التونسيين، مازال هناك فريق كبير لا يتقبل فكرة تقنين استهلاك أو إنتاج القنب الهندي في تونس لعدة اعتبارات أهمها الخوف من خطورة تفشيها ووجود قضايا راهنة تستحق الطرح أكثر من هذا الملف.

عبد الرحمان الهذيلي الناشط والرئيس السباق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من أبرز المعارضين لهذا المشرع ويقول: "أرفض مبدأ تقنين الزطلة المطروح في تونس منذ فترة أساسًا لأنه سيكون سببًا مباشرًا في انتشارها بشكل أوسع، وبدل البحث عن آليات وقف شبكات الترويج الناشطة سنغرق أكثر بهذه المادة التي اكتسحت المؤسسات التربوية وباتت تهدد أبناءنا. "هذه الفكرة في حال تمريرها ستؤدي إلى سقوط الشباب العاطل عن العمل في معضلة إدمان الزطلة في ظل غياب الحلول الجدية لأوضاعهم الصعبة. نحتاج إلى البدء في اعتماد خطط مستحدثة ترتكز على المبادئ الحقيقية للاقتصاد الاجتماعي، أسوة بالتجارب الناجحة في العالم وإعطاء نفس جديد للتونسيين بدل السير في تيار الحلول الترقيعية والتي لن تؤدي إلا لمزيد تعميق مشاكل الشباب ومزيد إغراقه في البطالة والضياع." يضيف الهذيلي أن هناك قضايا أخرى حارقة كالاقتصاد المتعب والبطالة المتفشية والوضعية الصعبة للمرأة العاملة في القطاع الفلاح وغيرها من الملفات الهامة في حاجة للطرح والمتابعة والاهتمام أكثر من مسألة تقنين الزطلة.

ويذكر أن "القانون 52" صدر العام 1992 أثناء حكم زين العابدين بن علي ونص على عقوبة السجن لعام على الأقل للإدانة بتهمة "استهلاك المخدرات" ومنع القضاة من أخذ أي ظروف تخفيفية في الاعتبار. ومنذ ذلك الوقت تعمم تطبيقه وأدى إلى سجن آلاف الشبان سنويًا أغلبهم بسبب استهلاك "الزطلة."

وفي 2017 وعلى وقع ضغط المجتمع المدني تم إلغاء الفصل 12 من القانون القاضي بعقوبات سجنية ضد المستهلكين، وأصبح للقضاة سلطة تقديرية بمعنى أن النيابة العمومية بمجرد علمها من الضابطة العدلية بوجود مشتبه به في قضية استهلاك مادة الزطلة، فإن النيابة العمومية يمكن أن لا تأمر بالاحتفاظ به بل أن يتم تسليمه استدعاء ويُحال في حالة سراح إلى المحكمة أو أن يتم إحالته على أنظار المحكمة في غضون 72 ساعة على أقصى تقدير ثم تقرر النيابة العمومية الاحتفاظ به أو استدعاءه لحضور جلسة مع المجلس الجناحي.

يقول بن حليمة أن مشروع سليانة المقترح ليس قانونًيا ولكنه اقتصادي بحت قابل للتطبيق في الوقت الراهن وعلى ضوء القانون 52 مع بعض التنقيحات الطفيفة دون اللجوء لإجراءات قانونية أخرى طويلة المدى لا يتحملها واقع الاقتصاد الراهن في البلاد. ولكن في ظل هذه الآراء المتضاربة سيحتدم النقاش مجددًا في تونس في الفترة القادمة ولكنه من المرجح أن يكون حاسمًا، فالجهة التي ستكسب التأييد الشعبي الأوسع سيكون لها كلتها في حسم الأمر.