سينما

آنييس فاردا… وداعاً

وداع فاردا يجب أن يكون فرحاً جميلاً وممتلئاً بالفن والحب، بالبحر والرمال وبكثيرٍ من الشمس، تماماً كما أحبّت
30.3.19
فاردا

آنييس فاردا (Alberto Pizzoli/AFP/Getty Images)

"حتّى الآن، جيدة جداً." قالتها آنييس فاردا عن مسيرتها في الحياة، خلال تسلّمها "كاميرا البرليناله" قبيل عرض فيلمها الأخير "Varda by Agnès" في مهرجان برلين السينمائي الشهر الفائت. كان فيلمها الأخير، لا أقول هذا مستذكراً بل هي اعترفت بذلك. "أنا لست أسطورة، ما زلت على قيد الحياة"، قالتها وهي تلاعب نظاراتها الطبية بين يديها، بابتسامة سحرية على وجهها المليء بالتعابير ومع شعرها ذو اللونين، أحد علاماتها المميزة. فيلمها الأخير هو سلسلة من المحاضرات التي قدمتها المخضرمة البلجيكية للجمهور، مزجتها بمقتطفات من أعمالها. عرضت رؤيتها وأفكارها أولا كمخرجة شابة أبدعت في إعادة ابتكار سينماها مع كل فيلم جديد لها. ثم كيف انتقلت الشابة الى عمر التسعين، كيف تستخدم ابنة القرن الـ 20 تكنولوجيا القرن الـ21؟ كيف توائمها أمام وخلف الكاميرا بطريقتها الفريدة؟ وكيف ثبتت قدميها كأعظم المخرجين والفنانين البصريين مرة جديدة. في الصالة عمّ السكون، نحن نصغي ونراقب ونتلقّف ما تقوله، حملتنا بأسلوبها الاستطلاعي إلى عالمها بطريقة مميزة أخّاذة ومفعمة بالطاقة. طاقةٌ لمسناها ولكنّها اعترفت بخبوها "يجب أن استعد لأقول وداعاً." قالتها مبتسمة.

1553934101590-varda

آنييس فاردا مع ماري ديسكوت وديتر كوسليك خلال عرض فيلمها "فاردا باي أغنيس" خلال مهرجان برلين، فبراير 2019 (شترستوك)

ولدت فاردا في بروكسل، في 30 مايو 1928، غيرت إسمها الأول من أرليت إلى آنييس في سن الثامنة عشر - "آنييس" يليق بفرحها أكثر. ترعرعت مع إخوتها الأربعة على ساحل البحر المتوسط الفرنسي، ودرست الأدب وتاريخ الفن والفلسفة، قامت بالتدرّب على التصوير الفوتوغرافي وسافرت في مهامٍ كمصورة صحفية إلى الصين، أفريقيا، الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي.

امرأة جميلة فضولية تتحدث بشغف ولكن بهدوء. تثير الاهتمام بمقارباتها عن الفن والسينما، عن فوضى العالم، الوضع الكارثي للأرض، النسوية والشيخوخة

صنعت آنييس أكثر من خمسين فيلماً، خلال اثنين وستين عاماً. أفلام وثائقية، روائية وأخرى مزجت فيها الخطين، وأنتجتها عبر شركتها الخاصة. تميزت أعمالها بلهجة واقعية واجتماعية من خلال أسلوب تجريبي مميز. لقاءات فاردا مع جمهورها لم تكن جافّةً يوماً، مليئة بالحنان والطاقة والدفء، امرأة جميلة فضولية تتحدث بشغف ولكن بهدوء. تثير الاهتمام بمقارباتها عن الفن والسينما، عن فوضى العالم، الوضع الكارثي للأرض، النسوية والشيخوخة.

"لنفترض أنني كبيرة في السن. لكن الشيخوخة مسألة خلقية. في كل مرة يمكنك إيجاد طرق جديدة للحياة والحقيقة، يجب علينا أن نعيد دائماً ابتكار الحياة،" قالت آنييس هذه الجملة خلال عرض فيلمها "Visages et Villages" في العام 2017. يومها تنقّلت فاردا الثمانينة مع صديقها المصور الفرنسي ج.ر في سيارة على شكل كاميرا بين القرى والأرياف الفرنسية. التقطت صور بورتريه للسكان لتبين طبيعة حياتهم، كل صورة تتحوّل إلى صورة عملاقة عن نفس الشخص، توضع على أطراف المنازل، على برج قديم أو على جدران القرية. صور لطبيعة الأشخاص وقصص الأماكن، قد تكون مضحكة أو مبكية. انها رسومات آنييس بالكاميرا.

أفلامها الروائية تميزت براديكاليتها وواقعيتها. فيلمها الأول عام 1955 "La pointe courte" مشى بـ"الموجة السينمائية الفرنسية الجديدة" التي اعتبرت نفسها "خاروفها الأسود" وهي تقصد تمردها حتى على هذه الموجة. أثبتت فاردا رؤيتها وموهبتها منذ الفيلم الأول وأكملت الطريق بفيلم Cléo de 5 à 7 وهي حكاية خوف، قلق، فراغ، ولكن أيضاً ولادة جديدة لامرأة جميلة. منذ ذلك الحين أتقنت حبك القصة الإنسانية الواقعية في جميع أفلامها حتّى عندما تناولت موضوعات وجودية، مناقشات عن اليأس، عن الموت والحياة، عن نظرة المجتمع للمرأة.. في هذا الفيلم أطلقت فاردا عنان نسويتها التي رافقت مشوارها حتى النهاية.

لقد ركّزت المخرجة البلجيكية في جميع أفلامها على البحث عن هياكل سردية مختلفة، فاجأتنا كما فاجأت نفسها بأفكار جديدة. فيلم "Vagabond" مثلاً، يسرد الأيام الأخيرة في حياة فتاة تخلّت عن حياتها الروتينية وقررت السفر سعياً وراء الحرية المطلقة. كيف ينظر الناس إلى "مونا"؟ لقد قدمتها عبر أصدقاء عرفوها لساعات أو أيام، معجبون بها يرقبون خطواتها بعين الحسد لقوتها وجرأتها وحريتها الكاملة. ومنتقدون يرونها منعزلة، بائسة وغير مبالية بعيشها على الطرقات. إنّها فاردا التي تمجّد حريّة النساء.

إعلان

بجمال وقيمة أفلامها الروائية تأتي أفلامها الوثائقية. وثائقيات بنزعاتٍ شخصيةٍ لا تفارقها مثل فيلم (Les Plages d'agnès) والذي يتقاطع مع سيرتها الذاتية عن حبها للشاطئ الكبير التي سكنت قربه، هذا الذي أهدته الأسد الذهبي الذي حصلت عليه عام 1985 (أول امرأة تفوز بهذه الجائزة). حصلت آنييس على العديد من الجوائز منها السعفة الذهبية الشرفية من مهرجان كانّ السينمائي عام 2015، بالإضافة إلى الأوسكار الفخرية.

"لم أقم أبداً بتصوير قصص عن البرجوازية، أصور المشردات، الأشخاص الذين لا يملكون سلطة، هذا ما يهمني"

فاردا "نسوية منذ الولادة" كما تقول، أليس هذا واضحاً؟ هي اشتكت من القليل الذي تحقق رغم النضال الطويل "لدي انطباع بأننا لم نحرز الكثير من التقدم، أغلفة المجلات لا تزال مليئة بالنساء بطريقة مادية." في أفلامها وفي كلماتها دائماً حثٌّ على "مواصلتهن القتال" وعلى أهمية التوعية النسوية منذ المرحلة المدرسية. على قدر نسويتها كانت فاردا مناهضة دائمة للبرجوازية: "لم أقم أبداً بتصوير قصص عن البرجوازية، أصور المشردات، الأشخاص الذين لا يملكون سلطة، هذا ما يهمني". أفلامها مثلها، مدرسة للتواضع "أنا دائماً في خدمة الأشخاص الذي أصورهم." قالت آنييس فاردا يوماً: "أفلامي ليست من الأفلام الضاربة على شبابيك التذاكر، لكنني أعلم أن لي في كلّ بلدٍ أناساً يلاحقون أعمالي، وهذا شعور جميل." الحقيقة أنّ آنييس أكبر من معايير ضيقة تحدّد النجاح بأعداد المشاهدين، أفلامكِ يا آنييس هي التي منحتنا الشعور الجميل "بالحبّ."

يوم الجمعة في 29 من مارس رحلت آنييس فاردا، عن عمر 90 عاماً و10 أشهر. وداع آنييس هو يوم حزين للسينما. في الحقيقة أنه عام حزين للشاشة الكبيرة. لم نتخطى شهره الثالث الا وقد ودعنا فيه العديد من المخرجين الكبار. ولكن دعنا من الدراما، وداع فاردا يجب أن يكون فرحاً جميلاً وممتلئاً بكلّ ما منحتنا إيّاه، بالفن والحب، بالبحر والرمال وبكثيرٍ من الشمس، تماماً كما أحبّت.

آنييس لا تخاف الموت، تحدثت عنه مراراً بوضوح وتصالح وبإصرار على الحبّ ذاته الذي منحتنا إياه والذي أحاطها: "رغم الجسد الذي ينهار أنا محاطة بأشخاص يحبونني ويحمونني." عاشت حياتها حرة وسعيدة وتركت فنّاً كثيراً. لن نرثي آنييس، هي لم ترد ذلك: "ما أقوله ليس دعوة للموت، ولكنني أوافق على وصوله، سأذهب بروية نحو الموت، دون رثاء وبهدوء."