29394069338_961b1a828c_o

كريم قاسم في أحد مشاهد الفيلم - جميع الصور مُقدَّمة من فريق الإنتاج

سينما

ليل خارجي.. خطوة لكسر عزلة السينما المستقلة

مخرج الفيلم أحمد عبدالله يرفض التصنيفات ولا يعترف بمصطلحات من نوع السينما المستقلة أو البديلة في مقابل ما يعرف بـ"السينما التجارية"
6.1.19

في فيلمه الطويل الخامس ليل خارجي يبدو المخرج المصري الشاب أحمد عبد الله السيد (38 عامًا) أكثر إصرارًا على كسر الحواجز بين ما يعرف بالسينما المستقلة أو البديلة والجمهور، ولكن على طريقة الإمساك بالعصا من المنتصف؛ وكأنه يحاول تقديم نموذج لصناع السينما البديلة التي هو شخصيًا أحد روادها خاصة من خلال فيلمه مايكروفون (2011)، والذي قدم من خلاله نخبة من الفرق الموسيقية المستقلة التي تعرف بـ"الأندر جراوند" للمرة الأولى على الشاشة لجمهور السينما الواسع بحيث ظل لسنوات طويلة مفتاح للتعرف والارتباط بالفرق الموسيقية البديلة.

إعلان

عبدالله يعلن في لقاءاته الإعلامية رفضه للتصنيفات في عالم السينما فهو لا يحب مصطلحات من نوع السينما المستقلة أو البديلة في مقابل ما يعرف بالسينما الجماهيرية أو التجارية، لكنه يظل الأقدر بين أبناء جيله على إطلاق المحاولة تلو الأخرى للوصول إلى قطاع أوسع من الجمهور.

في فيلمه الأخير الذي تم تصوير أغلب مشاهده في شوارع القاهرة وبعض الحواري والأزقة الشعبية، تحتل شيرين عبد الوهاب المطربة الأوسع جماهيرية في مصر، والتي اشتهرت بتقديم لون يحظى بقبول فئات مختلفة من الجمهور مساحة كبيرة في خلفية المشاهد فيما يتفاعل معها أبطال الفيلم الثلاثة، المخرج مو "كريم قاسم"، وفتاة الليل توتو "منى هلا"، وسائق التاكسي مصطفى "شريف الدسوقي" بالرقص وترديد عبارات أغانيها، بينما يجوب التاكسي الذي جمع بينهم بالمصادفة شوارع القاهرة. ولا يتردد عبد الله في التصريح بأن اختيار شيرين عبد الوهاب تحديدًا في العديد من مشاهد فيلمه هو بمثابة "صوت الشارع" حتى أنها كانت الصوت الوحيد في المشاهد الأخيرة للفيلم.

قصة الفيلم التي كتبها الكاتب شريف الألفي تدور حول "مو" وهو مخرج سينمائي شاب ينتمي للطبقة الوسطى خريج الجامعة الأمريكية الذي يعاني من تعثر فيلمه إنتاجيًا، بينما يبدو وأصدقائه مهمومين بقضايا من نوع مصادرة كتاب، واتهام كاتبه بخدش الحياء العام، في إشارة على ما يبدو للكاتب أحمد ناجي الذي تعرض للحبس بالتهمة ذاتها بسبب نشر فصول من روايته استخدام الحياة.

يُمثل البطل نموذج متكامل لنخبة المثقفين والفنانين الشبان المهمومين بقضايا يرون أنها نموذجية في تمثيل مجتمعهم، لكن عندما تسوقه الأقدار للانخراط في مشوار اضطراري بصحبة مصطفى سائق شركة الإنتاج الذي يمتلك تاكسي، وتوتو فتاة الليل التي يتقاطع طريقها مع طريق مصطفى مصادفة تتكشف الفجوة بين رؤية الثلاثة للأولويات ولبعضهم البعض كونهم يمثلون طبقات اجتماعية وتشكيلات فكرية متباينة، بيد أنهم من خلال الرحلة على جانب آخر يعيدون اكتشاف المشتركات التي تجمع فيما بينهم لتنتهي الحكاية فيما يشبه توفيق للأوضاع والاعتراف بالاختلافات وقبولها والوصول إلى المشترك وكأنها محاولة لتلمس السبيل نحو الحلقة المفقودة بين النخبة المثقفة والمجتمع.

1546775287333-43217418042_c362d8255f_o

يتوازى الخط الدرامي للفيلم مع الهم الذي يشغل مخرج الفيلم شخصيًا وجيله من صناع الأفلام، وهو إيجاد حلقة الوصل بين نوع من السينما يبدو أكثر جدية في التعمق في الشواغل اليومية للناس من الكم الهائل من الأفلام السائدة التي تغرق دور العرض السينمائي، وبين الجمهور الذي يعتقد صناع الأفلام الشبان أن قضايا أفلامه تعنيهم بالدرجة الأولى. يطرح الفيلم بشكل صريح أزمة الفجوة بين قطاعات المجتمع والنخبة. ولا يتردد عبد الله في السخرية من الذات من خلال محاولات الشخصيات في المناطق الشعبية التعرف على المخرج مو حيث كل شخص يؤكد له أنه يعرفه جيدًا بينما يذكر له اسم فيلم لا علاقة له به، في إشارة واعتراف إلى الفجوة التي تفصل الجمهور عن نوع السينما الذي يقدمه عبد الله وزملائه، وكأن السخرية أول الطريق للبحث عن سبيل للخروج من الأزمة.

الفيلم وهو الخامس لعبد الله إلا أنه الثاني الذي لا يكتبه عبد الله بنفسه بعد فيلمه ديكور "2014" من تأليف شيرين ومحمد دياب. ويقول عبد الله أن فكرة الفيلم كانت تشغله من وقت طويل بيد أنه كان قد بدأ بالفعل في كتابة قصة فيلم يناقش الفكرة ذاتها قبل أن يلتقي بنص شريف الألفي "لم أتردد في اختيار نص شريف الألفي، لأنني اقتنعت من اللحظة الأولى لقراءته أنه يعبر حرفيًا عما أبحث عنه بطريقة أفضل مما لو كنت واصلت كتابة القصة التي كنت قد بدأت كتابتها".

إعلان

ولا يختار عبد الله حلولًا سهلة في صنع فيلمه، ففي حين حظي فيلمه السابق ديكور بإنتاج واحدة من الشركات الكبرى في مصر "نيو سينشري"، وتوزيع "دولار فيلم" وبطولة نجوم مرموقين في السينما والتلفزيون بوزن ماجد الكدواني وحورية فرغلي وهو ما يعني أنه بات ضمن الأسماء التي تحظى بثقة النجوم وشركات الإنتاج الكبرى، يضحي عبد الله بكل ذلك في "ليل خارجي" سواء في اختيار أسلوب الإنتاج والمنتج وطاقم العمل الذين جاءوا جميعًا من قلب المشهد البديل أو المستقل، وإن لم يعترف عبد الله نفسه بالتسميات؛ فكأنه يرغب في القول بأن الحل لمعضلة خلق لغة مشتركة بين صناع الأفلام والجمهور لن يأتي من خارج المشهد البديل بل من داخله ودون اللجوء للحلول السحرية من نوع الاعتماد على أسماء نجوم كبار أو تقديم تنازلات لشركات إنتاج كبرى للفوز بقبولها دعم الفيلم.

اختار عبد الله لانتاج فيلمه شركة "حصالة" التي أسسها قبل سنوات مجموعة من صناع الأفلام الشباب وعلى رأسهم المخرجة والمنتجة هالة لطفي صاحبة الخروج للنهار (2012) بهدف دعم الأفلام المستقلة. وجاء البيان الذي أصدرته الشركة يوليو الماضي بشأن إنتاج الفيلم اعتراف بوعي صُنّاعه برغبتهم في تقديم نموذج من قلب المشهد المستقل على صعوبة تنفيذه يحاول تخطي الصعوبات القائمة في إنتاج الأفلام بسبب احتكار الشركات الكبرى والعراقيل التي تضعها صناديق منح دعم الأفلام.

1546775379244-PHOTO1

وقال فريق الفيلم في البيان: "حينما ظهرت فكرة فيلم ليل خارجي كان هناك اتفاق بين فريق العمل أن نقوم بتجريب شكل إنتاج مغاير عن طرق الإنتاج المعهودة، تلك التي أصبحت تضيق يوما بعد يوم، وتصبح أكثر صعوبة خاصة على صانعات وصناع الأفلام الأصغر سنًا؛ لذا فقد اتخذنا قرارًا واعيًا أن نقوم بإنتاج الفيلم و توفير ميزانيته معتمدين على الجهود الذاتية، وألا نعتمد على أي من شركات الإنتاج الكبرى، ليس رفضًا أو تقليلًا من شأنهم، ولكن رغبة منا في التجريب والعثور على طرق و بدائل أخرى.

وأصر المخرج والمنتجة ألا يعتمدا على أية منح خارجية خلال تصوير الفيلم بأكمله، وأن يكون تمويل التصوير ذاتيًا بين الأصدقاء، وبخطة تصوير متقطعة كلما توافر المال وبخدمات كثيرة من الزملاء المؤمنين بضرورة خلق بديل إنتاجي ممكن في ظل ظروف الصناعة المتردية (حسب البيان)، فكانت شركة حصالة هي شركة الإنتاج الوحيدة لهذا الفيلم، بينما نفذت الفيلم شركة ديتيلز للمنتج الفني محمد جابر، بالإضافة إلى الدعم الذي تلقاه الفيلم من مؤسسة غير سينمائية تحمست للتجربة وقررت المساعدة (وكيل إحدى شركات الكاميرات العالمية في الشرق الأوسط)، والتي صور الفيلم كاملًا بمعداتها وعدساتها المعدة للسينما، حسب البيان ذاته.

إعلان

وفي حين تمكن صناع الفيلم من إنجاز التصوير بالفعل الذي على مدار نحو ثلاثة أعوام بالطريقة المخطط لها، ظهرت حاجة في مرحلة ما بعد الإنتاج (المونتاج والصوت وتصحيح الألوان والموسيقى) للجوء إلى مصادر أخرى للتمويل، فحصل الفيلم على دعم برنامج إنجاز من مهرجان دبي السينمائي الدولي، وهو ما جعل جنسية الفيلم مصرية إماراتية، فضلًا عن الحصول على دعم تقني من شركة "بكسل موب" في بيروت لتصحيح الألوان كجزء من جائزة حصل عليها الفيلم من فعالية "بيروت سينما بلاتفورم" بلبنان، ثم "نجوم ريكوردز" التابعة لـ "نجوم إف إم"، والتي دعمت الفيلم بالكثير من الأغاني المسموعة فيه.

أما فريق عمل الفيلم فينتمي أغلبهم للمشهد السينمائي المستقل بالأساس، فكريم قاسم الذي لعب دور المخرج الشاب أحد أبطال الفيلم بدأ مسيرته السينمائية من خلال فيلم أوقات فراغ (2006) الذي يعتبر بين أكثر الأفلام التي حققت جماهيرية كبيرة في هذه الفترة، على الرغم أن جميع أبطاله من الممثلين الشبان الذين ظهروا على الشاشة من خلاله للمرة الأولى، والحال نفسه بالنسبة للمثل عمرو عابد الذي لعب دور البلطجي في أحد مشاهد الفيلم. أما منى هلا التي لعبت دور "توتو" فرغم ظهورها المحدود في العديد من الأفلام إلا أنها معروفة بانتقائيتها الشديدة لأدوارها. وبالإضافة للعبها دور البطولة في ليل خارجي فإنها تلعب دورًا رئيسيًا في فيلم لم يخرج بعد للنور هو"حمام سخن" إخراج منال خالد الذي تم انتاجه بالكامل من خلال حملة لجمع التبرعات، أما شريف الدسوقي الذي لعب دور سائق التاكسي فيعتبر ليل خارجي بمثابة اعادة ميلاد له حيث حاز على إعجاب الجمهور الذي استقبله بالتصفيق الحاد لفترة طويلة خلال عرض الفيلم الأول بمهرجان القاهرة السينمائي الدولى وهو معروف عنه الظهور في العديد من الأفلام القصيرة لصناع الأفلام الشباب فضلًا عن شهرته بين أوساط الفنانين في الإسكندرية بكونه ممثل مسرح وحكاء.

1546775436536-5D506386

وجمع الفيلم العديد من الوجوه المعروف عنها انتمائها للمشهد السينمائي البديل في ظهورات محدودة، وكأنها بمثابة تكريم عبد الله لزملائه وتأكيد على أنهم جميعًا في القارب نفسه من بينهم الممثل الشاب والمخرج أحمد مجدي، والممثلة بسمة، والنجم أحمد مالك، والممثلة دينا ماهر. فضلًا عن ظهور مميز للمخرج المصري مجدي أحمد علي وهو أيضًا والد الممثل والمخرج أحمد مجدي الذي ظهر للنور أو أفلامه الروائية الطويلة "لا أحد هناك" في مهرجان القاهرة منتميًا للسينما التجريبية.

يؤكد نجوم الفيلم على المساحة الواسعة من الارتجال التي أتاحها لهم السيناريو مما ساعدهم على استخدام خبراتهم لتقديم شخصيات أقرب للجمهور؛ فشريف دسوقي على سبيل المثال أشار في تصريحات لـ "VICE عربية" إلى أنه كـ"حكاء" وممثل مسرحي على خشبات المسرح غير التجاري بالإسكندرية يستقي جميع شخصياته من الشارع، وهو ما ساعده كثيرًا على لعب دور مصطفي (سائق التاكسي) في ليل خارجي: "اعتمدت في تقديمها على نحو 22 شخصية سائق تاكسي قابلتهم في الحياة. المبدأ الأساسي في لعب الدور حسب نقاشاتي مع المخرج أحمد عبد الله هو أن تكون الشخصية صديقة للجمهور وهو ما اجتهدت في تنفيذه. حاولنا الخروج عن الإطار الذي صار نمطيًا في السينما المستقلة لنكون أقرب لجمهور أوسع"، يقول دسوقي.

من جانبها تحدثت الممثلة منى هلا عن دور توتو في ليل خارجي "شخصيتي وشخصيات الفيلم هي شخصيات من الواقع، مرحة ومستساغة بدون تعقيدات فلسفية رغم عمق الشخصيات التي تحتوي على أبعاد مختلفة وليست سطحية. أظن أن الفيلم سيلقى ترحابًا من جمهور واسع عندما يعرض على شاشات السينما".

الفيلم الذي تولت توزيعه شركة مصر العالمية بإدارة جابي خوري بعد انسحاب شركة فيلم كلينيك في أعقاب تولي مالكها المنتج والسيناريست محمد حفظي، رئاسة الدورة الأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وبدأ عرضه مؤخرًا في دور العرض المصرية بعد عرضه الأول في الشرق الأوسط في مهرجان القاهرة بوصفه الفيلم المصري الوحيد في مسابقته الدولية. وكان الفيلم قد اختير في عرضه العالمي الأول في المسابقة الرسمية بمهرجان تورنتو السينمائي الدولي في دورته رقم 43 سبتمبر الماضي.

برغم كل النوايا الحسنة والجهود الواعية لمخرج الفيلم أحمد عبد الله السيد، إلا أنه لا يمكنه توقع مصير الفيلم في صالات العرض الجماهيري: "نجاح الفيلم جماهيريًا مرتبط بالكثير من العوامل من بينها توزيع الفيلم. لا أخفي سعادتي بتولي شركة مصر العالمية للتوزيع كون جابي خوري سخر كل إمكانيات الشركة ليحظى الفيلم بتوزيع جيد وهو ما يجعلني أشعر بالتفاؤل لكن النتيجة الحقيقية ستتكشف مع عرض الفيلم بالفعل على الجمهور".

رغم اختياره الخيار الأصعب في حين يمتلك القدرة على ارتياد طرق أكثر يسرًا وتقليدية، خاصة مع تأكيده على أن شركات إنتاج كبرى كانت قد عرضت إنتاج الفيلم، لا يعتبر عبد الله نفسه نموذجًا لصناع الأفلام بقدر ما يأمل في أن يكون ملهمًا لأسلوب مختلف لصناعة الأفلام يخرج الصناعة من أزمتها المرتبطة بسيطرة أنماط إنتاجية معينة ثبت أنها جزء من المشكلة وليست طريقًا للحل.

Tagged:مصر