لماذا أرى أن ديمقراطية تونس غير كافية

لا تزال طريقة مسألة الحريات الفردية في تونس تعاني من قصور الرؤية والتشدد الديني
23.1.19
تونس

الصورة من فليكر

في الوقت الذي تحتفل فيه تونس بالذكرى الثامنة للثورة التونسية في 14 يناير، لابد أن يشعر التونسيون بالفخر على الإنجازات التي حققتها الثورة، فقد استطاع هذا البلد تجاوز العديد من العقبات التي كادت أن تعيق حلم التونسيين بالحرية وحقهم في تقرير مصيرهم. اليوم، تتمتع تونس بدستور جديد كان نتاج حراك أربع سنين مليئة بالتقلبات والاغتيالات السياسية وتقام انتخابات بلدية وتشريعية ورئاسية منبثقة من إرادة الشعب نفسه في قطيعة واضحة مع ممارسات النظام السابق الاستبدادية. هذا عدا عن اتساع مساحة الحريات بشكل كبير وانعكاسات ذلك على المواضيع المطروحة في المجتمع وحتى على مجالات أخرى كريادة الأعمال ومساهمة الأجيال الجديدة في صنع القرار.

ولكن على الرغم من كل هذه الإنجازات واعتبار الكثير من الخبراء أن تونس هي الثورة الوحيدة التي نجحت في العالم العربي، إلا أن ليس كل شيء جميل ووردي، فلا تزال طريقة مسألة الحريات الاجتماعية والسياسية في تونس تعاني من قصور الرؤية والتشدد الديني - الذي تعانيه بلدان عربية أخرى - وإن كان بدرجات أعلى وأكثر تعقيداً. في تونس، يبدو المشهد بالنسبة لي وكأن البلد تعاني نوعاً من الشيزوفرينيا، فمن جهة، يتم إقرار إصلاحات غير مسبوقة في العالم العربي كالمساواة في الميراث للمرأة ولكن بنفس الوقت يتم زج المجاهرين بالافطار برمضان في السجن. بمعنى آخر، لا تزال تونس غير متأكدة من شكل التغيير الذي نريد، فهناك تناقض كبير بين الثقافة الشعبية المتجذرة في المعتقدات والتقاليد الدينية والثقافية وبين أولئك الذين ينادون بالتمسك بمبادئ الدستور ورفض انتهاكات حقوق الإنسان بغض النظر عن تداعيات ذلك أو إمكانية تعارضها مع الشريعة الإسلامية.

الآداب العامة مصطلح لم يتم اختياره عبثاً، فهو تعريف فضفاض وقابل للتأويل والتمطيط حسب المناسبة

لطالما اعتبرت تونس مثالاً للانفتاح والمدنية في العالم العربي نتيجة الإصلاحات العلمانية التي عايشتها منذ حقبة الاستقلال. ففي تونس النظام القانوني موحّد ومدني بغض النظر عن انتماءات المواطنين الدينية، وتتمتع المرأة بجملة من المكاسب المرسخة في مجلة الأحوال الشخصية والتي تحوي عدد من القوانين الثورية برأيي كمنع تعدد الأزواج، إقرار السن الأدنى للزواج، منح الزوجين الحق في الطلاق وغيرها من القوانين التي لا تزال تعتبر بعيدة المنال في بلدان عربية أخرى. وقد استمرت عمليات الإصلاح بعد الثورة التونسية وسقوط الرئيس السابق زين العابدين بن علي، فقد تم مؤخرًا السماح للتونسية بالزواج بغير المسلم على الرغم من تعرض هذا القرار لإدانات من عدة جهات لعل أهمها مؤسسة الأزهر الدينية، وتتواصل هذه التَنديدات مع مناقشة مساواة المرأة للرجل في الميراث.

ولكن "الحلو ما بيكملش" كما يقول المصريين، فكل هذه الإصلاحات التي تؤكد على مبادئ المساواة والحرية والعدالة، لم تمنع من حدوث عدد من الانتهاكات في مجال الحرية الفردية، مثلاً مع حلول شهر رمضان، نشهد في تونس نفس الجدل حول هوية الدولة الجامعة للكل من جهة، وتلك الانتهاكات ذات الطابع الإقصائي واللاديمقراطي التي تطال أولئك الذين "يتجرأون" على الإفطار علناً والذين يصبحون ضحايا للفصل الـ 226 من المجلة الجزائية ويتم جزهم بالسجن تحت تهمة "الإخلال بالآداب العامة"، طبعًا الآداب العامة مصطلح لم يتم اختياره عبثاً، فهو تعريف فضفاض وقابل للتأويل والتمطيط حسب المناسبة.

وفي سبتمبر 2018 حكم على تلميذ بالسجن لمدة 6 أشهر لقيامه بتقبيل زميلته داخل معهد بالعاصمة، كما سجن مواطن فرنسي وشابة تونسية لعدة أشهر بتهمة التجاهر بالفاحشة بعد أن تم ضبطهما وهما يقبلان بعضهما البعض في بلدة سياحية. وفي الوقت الذي تم الاحتفال في ديسمبر 2017 بإطلاق أول إذاعة للمثليين "راديو شمس" وهي الأولى من نوعها في العالم العربي، إلا أن القوانين التونسية لا تزال تجرم المثلية الجنسية، ويقرّ الفصل 230 من المجلة الجزائية عقوبة بالسجن مدتها 3 سنوات. هذا الفصل المعادي للمثليين الجنسيين يماهي بطبيعته نزعة مجتمعاتية إقصائية، فكم من تونسي وتونسية مروا بالفحص الشرجي المهين الذي تقوم به الشرطة لتحديد السلوك الجنسي للمشتبه بهم (وإن قبلت تونس مؤخراً التوقف عن إجرائه) فضلاً عن غياب مقومات الإيقاف في عديد الحالات. هذه الملاحقات القضائية للعلاقات الجنسية الخاصة التي تتم بين بالغين بالتراضي تعتبر انتهاكاً للحقوق المتعلقة بالخصوصية وعدم التمييز التي يكفلها "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" ، وتونس طرف فيه.

هناك تناقض بين أحكام الدساتير والقوانين الأساسية مع ما يحدث في أمر الواقع وهو ما يجعل منها في أحيان ووقائع كثيرة حبر على ورق

على المستوى الهيكلي القانوني، ينص الدستور التونسي في فصله الثاني على أن "تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون" ويختتم بعدم جواز تعديل هذا الفصل. وقد رفض المجلس الوطني التأسيسي أثناء جلسات المصادقة على الدستور الجديد مقترحات بإدراج الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع، وذلك يعني أن التشريع الإسلامي يبقى مصدراً مادياً فقط لا شكلياً، بمعنى أنه يعتبر عنصراً مؤثراً في صياغة النصوص القانونية أو الخلفية التي تفسر وجودها إن صحّ التعبير لكنه لا يمثل مجلة قانونية يمكن أن يستند لها لإسناد الأحكام.

لحد اللحظة تبدو الأمور واضحة قليلاً حيال نظام الدولة، لكنه وضوح يغمه غشاء انعدام التطبيق. فهناك تناقض بين أحكام الدساتير والقوانين الأساسية والعادية مع ما يحدث في أمر الواقع وهو ما يجعل منها في أحيان ووقائع كثيرة حبراً على ورق. بل أكثر من ذلك، ففي حين أن فصول الدستور التونسي الجديد ترفع من رصيد إنجازات تونس أمام العالم بعد الثورة في علاقتها باحترام المواطن ومدنيته، إلا أن المواطن التونسي في كثير من الأحيان لا يشعر بذلك في حياته اليومية.

هنا، يبدو لي مسار التغيير متناقضاً في ظل هذه الإصلاحات التي لا تحدد بالضرورة الإستراتيجيات المتبعة لضمان نجاعتها وتزداد حدة التناقض مع اختلاف المواقف الاجتماعية حولها في المجتمع التونسي. فمن جهة تحصر شريحة هامة من المجتمع نفسها في غياهب الأخلاق والمنظومة القيمية التي على الآخرين احترامها، ومن جهة أخرى نجد نداءات لتدعيم مظاهر الديمقراطية في مسائل لا دخل للشعب فيها كونها تتعلق بالحريات الفردية ومبادئ العدل والمساواة واحترام الدستور ومعاهدات تونس الدولية، دون الاستناد إلى رأي الشارع الذي قد يكون معارضاً لها فحقوق المواطن لا يجب أن تكون رهينة لوعي الآخرين. ولهذا عادة ما يتم النظر إلى المسائل الإصلاحية من هذين المنطلقين وبطريقة متقلبة أحياناً.

دعم الرئيس التونسي الباجي القائد السبسي قانون المساواة في الميراث بين الجنسين والمذكور في البداية لمحاكاة قيم دستور سنة 2014 وإرساء لمبدأ المدنية الشاملة والمواطنة. وقد طالب بتشكيل لجنة الحريات الفردية والمساواة لتدعيم هذه المبادئ. في نفس الوقت، الرئيس المؤمن بمدنية الدولة وبالمساواة في الميراث (رغم المعارضة المحسوسة في الوسط التونسي) يرفض دعوات نشطاء المجتمع المدني في تونس وحتى وزير العدل السابق محمد صالح بن عيسى لإلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية والقاضي بتجريم المثلية الجنسية بحجة احترام طبيعة المجتمع التونسي. هنا، أود التنويه إلى أنني لا أشير بالضرورة إلى إلزامية أن تكون كل المواقف موازية ومتكاملة لبعضها إلا أن الرسائل المتناقضة تدفع البعض إلى اعتبار أن هذه الإصلاحات تنم عن نزعة براغماتية أكثر من كونها رغبة في تكريس المبادئ المذكورة آنفاً.

ولطالما عارض بعض التونسيين توجه الرئيس في دعوته إلى المساواة في الميراث بحجة أنها محاولة منه للتقرب إلى العنصر النسائي الذي كانت له الكفة في فوزه في انتخابات 2014 مفسرين ذلك بعدم اتباع نفس النهج في بعض القوانين الأخرى. محاولة يرى الكثير منهم فيها رغبة شكلية للتغيير دون العودة إلى المستويات الاجتماعية الأولى التي تكون فيها المرأة أكثر عرضة للانتهاكات والغبن خاصة عندما يتعلق الأمر بالعنف الجسدي والتمييز بين الجنسين والتي تكون مغلفة بغطاء السلطة الرجولية في عديد الأحيان. وإن أقرّ مجلس النواب بقانون يتعلق بـ القضاء على العنف ضد المرأة والذي دخل حيز النفاذ في فبراير 2018 إلا أن الكثيرين يؤمنون بجدوى دفع فعالية هذه القوانين عبر زيادة عدد النساء في مؤسسات الدولة والتخلص من أشكال التمييز الاجتماعي أولاً قبل الانتقال إلى إطار أشمل كالمساواة في الميراث.

من زاوية نظر أكثر تفاؤلًا، قدمت لجنة الحريات الفردية والمساواة تقريرها النهائي في شهر أغسطس السابق والذي تضمن مقترحات تخص القوانين التي تمس بحقوق الإنسان والفرد و التزامات تونس الدولية وبمبادئ دستورها، ونجد بعض الاقتراحات الجريئة من بينها إلغاء تجريم المثلية، منع التمييز في الميراث على حساب الجنس، إلغاء المصطلحات الدينية في القانون التونسي ورفع القيود الدينية على الحقوق المدنية. لاقى التقرير إشادة عديد المنظمات المحلية التي رأت فيه " ثورة حقيقية" وانتصارًا لمبادئ الدولة الحديثة المدنية ومن المنتظر أن يتم مناقشة بعض هذه القوانين بعد اقتراحها على مجلس نواب الشعب. بالإضافة إلى ذلك، سيساهم تأسيس المحكمة الدستورية العليا (أُقرت بموجب دستور 2014 ولم يكتمل تشكيلها بعد) في تدعيم الآراء القائلة بعدم دستورية جملة القوانين الحادة من الحريات الفردية.

صفوة القول، أعاين لدى العديد من الناشطين العرب والمنتمين عادة إلى تيارات أكثر علمانية نظرة تفاؤلية لتونس كرمز جديد لدرء الرواسب الثقافية والجمود السياسي وأتشارك في واقع الأمر مع هذه النقطة. شخصياً، أرى أن تونس اليوم أفضل من تونس بن علي على المستوى السياسي، كما أستطيع القول بأن المجتمع في حالة تغيير محسوسة مما كان عليه سابقاً. كنت مؤمناً بضرورة تكاتف الجهود الوطنية من أجل تحقيق الانتقال الديمقراطي ورفضت بشدة المبدأ الداعي إلى رفض الثورة لانعكاساتها السلبية على الاقتصاد والأمن والمرافق الأخرى لأن هذه الانعكاسات هي معطى طبيعي لمجريات الأحداث التي مرت على البلد.

تونس تحاول رغم العراقيل بأن تكرّس قيم المساواة والديمقراطية التي تأسست عليها مطامح التونسيين في الثورة. تمنياتي فقط هي أن نعبر بجميع المواطنين إلى بر الأمان عبر التنصيص على ضرورة قبول الآخر والقطع مع الممارسات البادية والقمعية باسم الأخلاق والعادات عوض إستهلاك الخطابات المجتمعاتية المتكررة. سيأتي رمضان مجدداً هذه السنة وسنسمع نفس الأصوات المنددة بالإفطار جهراً. أما حان الوقت لتجاوز ذلك ورسم ملامح إستراتيجية الدولة المدنية التي لطالما جُبلنا على دراستها دون أن تنعكس على قناعاتنا وممارساتنا بالضرورة؟