فيلم

بعد نصف قرن من العقبات آخر أفلام أورسون ويلز على "نتفليكس"

"الجانب الآخر من الريح" عمل غير تقليدي حتى بمعايير ويلز
21.11.18
اورسون ويلز
جون هيوستون، اورسون ويلز، بيتر بوغدانوفيتش (المصدر: ستيفن جافي/ مجموعة ويلز-كودار، مكتبة جامعة ميشيغان الخاصة

بعد انقضاء 33 عاماً على موت المخرج العظيم أورسون ويلز، ونصف قرن على شروعه بتصوير آخر أفلامه، خرج "الجانب الآخر من الريح" إلى الضوء. وضع بيتر بوغدانوفيتش اللمسات الأخيرة على فيلم المخرج الأميركي الشهير، وأطلقه في مهرجان فينيسيا هذا العام، وعلى نتفليكس بداية هذا الشهر. بروح وثائقية ونفسٍ ساخر، يتناول الفيلم موت "هوليوود الكلاسيكية" وصعود "هوليوود الجديدة." فيلمٌ داخل فيلم، تارة بالألوان وتارة أخرى بالأبيض والأسود. عمل غير تقليدي حتى بمعايير ويلز. قصّة غير مسبوقة وطاقم تمثيل رفيع. ولكن لماذا قد يستغرق الانتهاء من فيلم نصف قرنٍ من الزمن؟ هل استكمل بوغدانوفيتش الفيلم محتفظاً بروح ويلز منفوخةً فيه؟ وهل استحقّ فعلاً كلّ هذا الانتظار؟

إعلان

عام 1970، بدأ أورسون ويلز بتصوير "الجانب الآخر من الريح" مستعيناً بطاقم تمثيل غير عادي: جون هيوستون، بيتر بوغدانوفيتش، جوزيف ماكبرايد (الناقد والمؤرخ السينمائي)، أوجا كودار (شريكة حياة المخرج في آخر سنوات حياته)، دينيس هوبر، كلود شابرول (المخرج الفرنسي) وسوزان ستراسبرغ في دور ناقدة اسمها جولييت ريتش، بمحاكاة لشخصية الناقدة الكبيرة بولين كايل، إلى جانب ويلز شخصياً، وكثر غيرهم.

استمرّ تصوير الفيلم حتى عام 1976 بطريقة منتظمة. منذ انتهاء التصوير، مروراً بموت المخرج عام 1985 وما بعده، دخل الفيلم في متاهاتٍ قانونية ومالية. أولاً أراد ويلز أن يكون فيلمه مستقلاً، بعيداً عن أذرع هوليوود وهيمنة شركاتها الانتاجية. وهذا منطقيٌ بما أنّ الفيلم ينتقد ما آلت عليه الأوضاع السينمائية في هوليوود. وهنا كمنت أولى العقبات، مقابل كثرٍ أرادوا العمل مع اورسون، قلّة قليلة جازفت واستثمرت مالاً في فيلم سينتقد كلّ شيء، فافتقد آخر أفلام الرجل صاحب "المواطن كين" 1941 (احد أعظم الأفلام السينمائية) الذي أراده.

يسهل التقاط سخط ويلز على هوليوود. الفيلم عبارة عن هلوسات، جنون، غرور، فراغ، عدمية، هيجان، جنس، ارتباك، فوضى، قليل من السريالية وكثير من السخرية

فتحت الثغرة التمويليّة الباب على مشكلة قانونية سياسية لاحقة واجهت الفيلم. أحد ممولي الفيلم مهدي بوشهري هو زوج الأميرة أشرف بهلوي توأم شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي. ومع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 وسقوط حكم الشاه، صادرت حكومة الخميني أصول المموّل الإيراني، بما في ذلك نيغاتيف الفيلم الذي وضع في خزنة في مصرف في باريس. بعد 19 عاماً، أي في العام 1998، وبفضل جهود أصدقاء ويلز مثل المنتج فرانك مارشال والمخرج غاري غرايفر والورثة، أفرجت السلطات الإيرانية عن النسخة المحفوظة، بعدما ارتأت أنّ النيغاتيف "لا قيمة له." عندها باشر بوغدانوفيتش العمل على إنهاء الفيلم. لماذا بوغدانوفيتش؟ يقال إن ويلز كلفه شخصياً بمهمة إنهاء الفيلم في حال حدوث شيء له. 19 عاماً أخرى انتظرنا "الجانب الآخر من الريح"، عراقيل مالية وقانونية أخرى وقفت في طريق إنجاز الفيلم حتى الاتفاق مع نتفليكس على إنتاجه وتوزيعه عام 2016.

1542264848912-the-other-side-of-the-wind

نيتفلكس

"الجانب الآخر من الريح" فيلمٌ شخصي إلى أقصى الحدود، مع أنّ اورسون ويلز لم يرد ذلك: "الجميع سوف يعتقد أن الفيلم هو سيرة ذاتية، ولكنه ليس كذلك" قالها قبل وفاته بفترة. هي قصة مخرج أميركي أسطوري، مثل ويلز. يعود إلى هوليوود بعد سنوات في المنفى الأوروبي، مثل ويلز أيضاً. يعزم على تصوير فيلم مستقل، كما أراد ويلز دائما ويواجه مصاعب مع شركات الإنتاج الهوليوودية، مثل ويلز تماماً. إذاً نحن أمام فيلم غير مكتمل يتحدث عن فيلم غير مكتمل أكمله بعد ذلك أصدقاء المخرجَيْن في الفيلم وفي الحقيقة.

"الجانب الآخر من الريح" كما نراه اليوم، في شكله النهائي المفترض هو فيلم جيد. بصمات ويلز الاستفزازية، قوته الفوضوية وحتى الوحشية واضحة. الفيلم إعادة بناء حياة، عودةٌ من أجل السينما عبر السينما، نقدٌ لاذعٌ من ويلز لهوليوود، للسلطة وكذلك لنفسه. يقال إنّ ويلز قال لهيوستون عن الفيلم: "إنه عن شخص غير سوي، مخرج أناني، يمسك بالناس، يخلقهم ويدمرهم، إنه عنا نحن."

يسهل التقاط سخط ويلز على هوليوود. الفيلم عبارة عن هلوسات، جنون، غرور، فراغ، عدمية، هيجان، جنس، ارتباك، فوضى، قليل من السريالية وكثير من السخرية. الفيلم صعب الفهم، ولكنه بطريقة ما واضح كالسحر، جريء وفي بعض الأحيان محبط. هو صرخة حقيقية من داخل الافلام السينمائية على عالم السينما.

التساؤل الأكبر، هل كان أورسون سيرضى بمشاهدة "فيلمه" على شاشات الكومبيوتر والهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية؟

في مكانٍ ما ليس الفيلم مرضياً، فالمشاعر المتخبطة ترافقك طوال الفيلم. شعور بالضياع يساورك أتحب الفيلم لأنه يبرز أيديولوجية ويلز أم تعتبره استثماراً وانتهازية خرقاء وتطفلاً من المؤلفين. ثمّ إنّ ويلز ناضل ليصنع فيلماً مستقلاً لينتقد هوليوود بقسوة بينما جاء النقد في الفيلم غير لاذعٍ كفاية بمعيار ويلز. كنتُ سأفضّل مشاهدة الفيلم غير المكتمل والمشاهد الخام عوضاً عن فيلمٍ لم يرافق ويلز كلّ عمليّات انتاجه.

الفيلم التائه خلال نصف قرن بين تصوير وتوليف وبين الأدراج والمصارف، مئة ساعة تصوير لخّصت بساعتين ونصف أنجز ويلز منها قرابة الأربعين دقيقة. هل أنت شاهد على معجزة مشاهدة آخر فيلم غير مكتمل لمخرج عظيم، أم أنك أمام تدنيس قدسية عمل فني؟ وهنا بيت القصيد، معجزة أم تدنيس؟ مرت على الفيلم عشرات الأيادي منذ وفاة ويلز، فهل يصلح وضع اسم ويلز عليه كاملاً؟ وأساساً هل هذا ما أراد ويلز تقديمه؟ هل تمّ التلاعب بالمواد المجمّعة؟ اعترف المنتجون بإضافة تفاصيل مثل التعليق (فويس اوفر) على المشاهد، وهذا كان خارج مخططات ويلز، ولكن ألا يعقل أنهم قلبوا ما أراد الرجل فعله رأساً على عقب؟ يجيب ويلز في إحدى مقابلاته "الفصاحة الكاملة للسينما تكتمل في غرفة التوليف (المونتاج)." إذاً هل كان ويلز سيرضى بفيلم ذيل باسمه بينما هو لم يولّف إلّا ثلثه؟ والتساؤل الأكبر، هل كان أورسون سيرضى بمشاهدة "فيلمه" على شاشات الكومبيوتر والهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية؟