ماذا فعلنا بكوكب الأرض؟‎‎‎

لماذا قد لن يصلح قطاع غزة للعيش في 2020؟

قمنا بتصريف مياه الصرف الصحي في البحر دون معالجة. لم يكن هناك خيار آخر أمامنا
22.9.19
Gaza 2020

أطفال غزيون يلعبون في البحر، الملوث بمياه الصرف الصحي. تصوير: سالم الريس

أطفال يسبحون بجوار مصارف مياه الصرف الصحي المتواجدة على شاطئ قطاع غزة على البحر الأبيض المتوسط، صيادون يرمون شباكهم بجوار المصارف في محاولة لاصطياد الأسماك. برك لتجميع مياه الصرف الصحي تتواجد بين منازل السكان، وفي بعض الأحيان نجد أطفالاً يلعبون بجوارها. أنابيب صرف صحي تتسرب منها المياه العادمة في وسط بعض الطرقات. كل هذه المشاهدات قد تؤكد على أن تردي خدمات الصحة والطاقة والمياه وبسبب الحصار الإسرائيلي المشاكل البيئية المترتبة عليه سيجعل غزة غير صالحة للعيش في عام 2020، كما تنبأت الأمم المتحدة. عام واحد يفصلنا عن ذلك.

إعلان

لقد عشت في قطاع غزة أكثر من ثلاثين عامًا، ومثلي مثل 2 مليون فلسطيني يعيشون في غزة تحت الدمار، الحروب والحصار المستمر أكثر من 13 عامًا، لا يبدو أن الحديث عن الكارثة البيئية القادمة تعني الكثير. يبدو أن الجميع قرر أن يستمر بحياته غير عابئ "بمصيبة جديدة" - تعودنا، كما نقول في كل ظرف سيئ لسنا قادرين على التحكم به. حاولت سؤال أصدقائي عن مخاوفهم من المخاطر البيئية التي من المتوقع أن تتفاقم العام القادم، أجابني أحدهم: "مش وقت نحكي عن البيئة، خلينا نركز بالبحث عن عمل وتحسين وضعنا الاقتصادي بعدين نفكر بالبيئة." فيما قال صديقي الآخر "هادي بلاد ميتها مالحة ووجوها كالحة خلينا نفكر ببلاد غير غزة أحسن."

ربما لدى أصدقائي الحق في عدم الاهتمام بحجم المشاكل التي تعاني منها غزة، فالموضوع كبير جداً وما يحدث من كوارث بيئية نتيجة لتلوث الخزان الجوفي للمياه في غزة مرتبط أولاً بالاحتلال الإسرائيلي، وثانياً بالانقسام الفلسطيني وربما ثالثاً حظ غزة السيء- هذه العوامل مجتمعة تجعل حتى الحديث عن ضرر بيئي يبدو كرفاهية. ولكن لننظر إلى أسباب المشكلة التي تعيش فيها غزة والتي ستجعلها غير قابلة للعيش.

مشكلة المياه - مُعقدة
تعاني غزة من أزمة حادة في المياه، إذ تصل المياه النظيفة حالياً إلى أسرة معيشية واحدة من كل عشر أسر. مصدر المياه الأساسي لغزة هو خزان المياه الجوفية الساحلي، إلا أن التلوث وتسرب مياه البحر جعل 4% فقط من المياه الجوفية ملائمة للشرب. مشكلة نقص المياه ليست جديدة في غزة. بعد توقيع اتفاق أوسلو للسلام وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، انطلقت لجنة المياه في العمل على دراسة الإمكانيات المائية المتوفرة واحتياجات السكان في غزة وتوصلت إلى خطة وطنية كان من الممكن أن تساهم في تطوير قطاع المياه. لكن انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 ومن ثم فرض إسرائيل حصارها على قطاع غزة عام 2006، تبعه انقسام فلسطيني انتهى بسيطرة حركة حماس على القطاع عام 2007 أوقف جميع الخطط المعدة في هذا الجانب الأمر الذي تسبب في استنزاف الآبار الجوفية.

1568631800575-gaz

مجرى وادي غزة، الذي كان يعتبر المحمية الطبيعية الوحيدة في قطاع غزة، أصبح مكبًا للنفايات الصلبة ومستنقعاً لمياه الصرف الصحي.

خلال عمل مختصون على دراسة التي أعدتها لجنة المياه فور إنشاء السلطة في التسعينات، تبين لهم إمكانية الحصول على 55 إلى 60 مليون لتر مكعب سنوياً من مياه الآبار الجوفية في قطاع غزة كحد أقصى. واقترحت الدراسة في وقتها وضمن الخطة الوطنية إنشاء محطة تحلية مركزية يمكنها من تحلية قرابة 60 مليون لتر مكعب إضافية من مياه البحر، إلى جانب إمكانية استيراد ما بين 10 إلى 20 مليون من إسرائيل لتوفير الكمية التي يحتاجها السكان للاستخدامات المنزلية والزراعة. ولكن خطط إنشاء المحطة لم تسر حسب الخطة - كما كل شيء بغزة.

في مرحلة ما كان يجب العمل على تحلية مياه البحر، لكن في عام 2000 وبعد الاتفاق مع مانحين، انطلقت الانتفاضة الثانية وتوقف كل شيء، الأمر الذي اضطرنا إلى الاعتماد على الآبار الجوفية فقط

"في مرحلة ما كان يجب العمل على تحلية مياه البحر، لكن في عام 2000 وبعد الاتفاق مع مانحين، انطلقت الانتفاضة الثانية وتوقف كل شيء، الأمر الذي اضطرنا إلى الاعتماد على الآبار الجوفية فقط،" يقول منذر شبلاق، مدير مصلحة مياه بلديات الساحل في غزة، ويضيف: "مع زيادة نسبة عدد السكان من مليون ونصف إلى مليونين تقريبًا، أصبحنا نستنزف قرابة 200 مليون لتر مكعب سنويًا الأمر الذي تسبب في زحف مياه البحر للخزان الجوفي حتى وصلت إلى مساحة 2 كم على طول شاطئ غزة البالغ مساحته 42 كم تقريبًا."

حالياً لا يزيد إنتاج المحطة المركزية لتحلية المياه والتي يقع مقرها في دير البلح وسط القطاع، "عن أكثر من 3 آلاف لتر وهذا حدها الأقصى،" كما يشير شبلاق، وكان من المفترض أن تنتج 6 آلاف لتر مكعب من الماء يومياً، ولكنها لم تتمكن من ذلك بسبب مشكلة أخرى أكثر تعقيداً وهي الكهرباء. لا كهرباء = لا تصريف صحي
تعاني غزة من أزمة الكهرباء مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات. وتعود بداية أزمة الكهرباء الحالية في قطاع غزة إلى منتصف عام 2006، حين قصفت إسرائيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع مما أدى إلى توقفها عن العمل بشكل كامل، ومنذ ذلك الوقت أصبح القطاع يعاني بشكل مستمر من عجز كبير في الطاقة الكهربائية وانخفاض ساعات الكهرباء إلى ثمان ساعات بأفضل الأحوال.

إعلان

مشكلة انقطاع الكهرباء أثرت بدورها على محطات معالجة مياه الصرف الصحي والتي يتطلب عملها إلى توفر الكهرباء 24 ساعة يوميًا. في الوقت الذي يرتفع عدد السكان، ارتفعت كذلك كمية المياه العادمة لقرابة 150 ألف لتر مكعب في الوقت الذي لا تستوعب محطات المعالجة الخمسة إلا 60 ألف لتر مكعب، بحسب شبلاق.

كنا بحاجة إلى تصريف مياه الصرف الصحي بأقل الأضرار، وأمامنا خياران، إما أن نتركها تتسرب إلى منازل السكان المحيط بالمحطات أو تصريفها للبحر دون معالجة

وفي ظل هذه الظروف، قررت البلديات قراراً مصيرياً وهو توجيه مياه الصرف الصحي الفائضة والغير معالجة إلى البحر: "كنا بحاجة إلى تصريف مياه الصرف الصحي بأقل الأضرار، وأمامنا خياران، إما أن نتركها تتسرب إلى منازل السكان المحيط بالمحطات أو تصريفها للبحر دون معالجة، وقررنا أن نختار تصريفها للبحر فلا خيار آخر أمامنا،" يقول شبلاق.

1568631760570-gaz1

مصب وادي غزة على البحر المتوسط، والذي يحمل مياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة المتجمعة على طول مجرى الوادي إلى البحر طوال العام.

وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، يتم إطلاق ما يقرب من 70 إلى 80٪ من المياه العادمة المنزلية إلى البحر دون معالجة. وقد أظهرت الاختبارات التي أجريت على المياه القريبة من وادي غزة ، الذي يستخدم كمجرى لمياه الصرف الصحي، أنها ملوثة جدًا بالطفيليات وأن العائلات التي تعيش حول وادي غزة تتعرض لمخاطر صحية شديدة. ومن سخرية القدر، أن كان وادي غزة، الذي تم تحويل جزء منه إلى مكب نفايات صلبة بالإضافة إلى ضخ مياه الصرف الصحي إلى مجراه، كان قد تم تصنيفه كمحمية طبيعية وحيدة في غزة عام 1999 ولكن لا شيء يبقى على حاله (الجيد) في غزة.

1568632302091-gaz5

يتم إلقاء النفايات الصلبة ومخلفات المنازل المهدمة على شاطئ بحر مدينة غزة.

تدهور شبكات الصرف الصحي ومحطات معالجتها، وارتفاع منسوب المياه العادمة التي تصب في البحر أدى إلى تلوث 97% من مياه الشرب في غزة بحسب ما أعلنت وزارة الصحة عام 2017. "تدفق مياه الصرف الصحي للبحر هي من أخطر مسببات التلوث البيئي التي تهدد الصحة العامة في قطاع غزة،" يقول الدكتور سامر أبو زر خبير الصحة البيئية في حديث مع VICE عربية ويضيف: "تقدر كمية مياه الصرف الصحي التي ينتجها قطاع غزة ويتم تصريفها للبحر سنويًا بـ 50 مليون متر مكعب، وهو الأمر الذي يعرض حياة السكان لمستويات عالية من التلوث ومشاكل صحية كثيرة كالإسهال والكبد الوبائي والفشل الكلوي وغيرها." وكان رئيس قسم الكلى في مستشفى الشفاء الدكتور عبد الله القيشاوي، قد حذر سابقًا من زيادة عدد مرضى الفشل الكلوي بنسبة 14% سنويًا، منوهًا إلى "أن تلوث المياه من الممكن أن يكون سببًا من أسباب ارتفاع أعداد المصابين بأمراض السرطان في غزة أيضًا."

1568632682456-gaz7

بركة قديمة لتجميع مياه الأمطار تقع جنوب شرق مدينة غزة. قديمًا، كانت تستخدم هذه البركة لتجميع مياه الأمطار، حيث تقع بين أراضي زراعية، ولكن تم لاحقاً توجيه مياه الصرف الصحي إليها، على الرغم من قربها من مناطق مؤهولة.

تلوث الماء يعني تلوث الغذاء، وخاصة الأسماك، فصيد السمك يعتبر ثاني مصدر دخل للمواطنين في قطاع غزة بعد الزراعة. وفي ظل بالحصار الإسرائيلي وتقلّيص مساحة الصيد، يضطر الكثير من الصيادين إلى الصيد في مناطق قريبة من الشاطئ، أي تلك القريبة من مصبات المجاري - يعتبر الصيادين أنها بيئة جيدة لعيش الأسماك. وهذا يعني أن معظم السمك الذي نأكله في غزة ملوث، ويشكل خطراً كبيراً على صحة من يتناوله.

لا ماء، كهرباء ولا حتى أمطار
قد تكون المشكلتين السابقتين هي بفعل الإنسان/الإحتلال، والظروف السياسية والاقتصادية التي يمر بها قطاع غزة، إلا أن مشكلة تغير المناخ هي أيضًا سببًا في المشاكل الحالية، حيث كانت الأمطار في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تهطل على المنطقة طوال خمسة أشهر، ما بين أكتوبر وحتى فبراير، ولكن خلال السنوات الأخيرة أصبحت الأمطار تتركز في يناير وفبراير فقط، الأمر الذي أثر على تقلص ترشيح مياه الأمطار للآبار الجوفية.

اضطر كثير من المزارعين للاعتماد على مياه الآبار المالحة، ما يؤدي إلى تراكم الأملاح في التربة ويسبب أضراراً مستقبلية للكثير من المحاصيل الزراعية

تزايد عدد سكان قطاع غزة أدى أيضاً إلى زيادة المدن العمرانية وتوسعة الشوارع وغيرها من المباني الخدماتية، الأمر الذي قلص من مساحات الأراضي الفارغة، لذلك، حتى الأمطار التي تتساقط خلال شهران في العام، لا يتم الاستفادة من ترشيحها للآبار الجوفية، وما يتساقط على المباني والطرقات يتم تصريفه مع مياه الصرف الصحي. في ظل انحصار الأمطار، يضطر كثير من المزارعين للاعتماد على مياه الآبار المالحة، ما يؤدي إلى تراكم الأملاح في التربة ويسبب أضراراً مستقبلية للكثير من المحاصيل الزراعية. "حتى لو أردنا الاستفادة من مياه الأمطار القليلة، نحن بحاجة إلى بناء شبكات وبرك خاصة لتجميعها وإعادة ترشيحها في المناطق الرملية، وهذا الأمر مكلف ومن الصعوبة تنفيذه في الوقت الحالي،" يقول شبلاق.

1568632337465-gaz3

مصطافين على شاطئ بحر غزة يلهون على الشاطئ الملوث بمياه الصرف الصحي الغير معالجة، والذي أدى إلى إصابة المئات بأمراض مختلفة على مدار السنوات الأخيرة الماضية.

هي دائرة مغلقة مرتبطة ببعضها البعض. في ظل استمرار سوء الظروف السياسية والاقتصادية، حاولت المؤسسات المحلية بتمويل من دول ومنظمات دولية العمل على تخفيف الأزمة والحد من الكارثة المتوقع حدوثها في العام القادم، حيث تم انشاء عدد من محطات التحلية الصغيرة، بالإضافة للمحطة المركزية التي لم تعمل بكامل طاقتها، وهناك خطط لإنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي من المتوقع تشغيلها في بداية العام القادم.

ومن الواضح أن جميع المشاريع التي تم إنجازها في السنوات الأخيرة الماضية للحد من تلوث المياه، تساهم في عدم وقوع كارثة لكنها لن تحل الأزمات بشكل جذري إلا في حال توفرت الكهرباء على مدار 24 ساعة. بالنسبة لأهل غزة، الجميع يتوقع أن يستمر الوضع الحالي خلال العام القادم كما هو ما لم يطرأ حدثًا عسكريًا يجلب المزيد من الدمار. ولكن هناك قليل من الأمل أن يتم إيجاد حل سياسي يعطي فرصة للسكان بإعادة بناء مدينتهم في بيئة أقل تلوثاً وصالحة للعيش.