Grandmothers
الصور مقدمة من جو بعقليني
ماذا فعلنا بكوكب الأرض؟‎‎‎

كيف تحارب تغير المناخ؟ العودة لعادات آبائنا وأجدادنا قد تكون الحل

سألت والدتي، خالتي وأهل أصدقائي عن عاداتهم اليومية الخضراء في أيام شبابهم
19.9.19

اكتشفنا الكهرباء والذرة وغيرها الكثير من الأمور، صعدنا على سطح القمر (وإذا لديك أي شك في الموضوع، ارجوك توقف عن القراءة، لأنك على الأرجح تعتقد أيضًا أن الأرض مسطحة) ووصلنا إلى أماكن بعيدة جداً في الفضاء. لكن، وبالرغم من كل هذه الانجازات المذهلة، أشك أحياناً بمدى ذكاء وأخلاقية الأنسان. السبب؟ التلوث البيئي والتغير المناخي.

نعتمد اليوم على الكثير من الأشياء المضرة بالبيئة، كما أننا نستهلك اللحوم بشكل مرتفع جداً، علماً أن مزارع الحيوانات تعتبر من أبرز مصادر التلوث بسبب إنتاجها لغاز الميثان الذي يعتبر من أسوأ الغازات الدفيئة (الغازات التي تحبس الحرارة). كما أننا نقوم بتلويث مياه البحار من خلال صب أنابيب مجاري ومخلفات المصانع فيه، وهو ما يعود بالضرر على الكائنات البحريّة، التي يستخدمها الإنسان في غذائه. مصانع، انبعاثات حرارية، عوادم سيارات، نفايات، والملايين من زجاجات البلاستيك. حلقة مفزغة من تدمير البيئة نعلم أنها ستقود لنهايتنا، ولكننا نستمر بالتصرف وكأن شيئًاً لم يحدث. هل لديك شك الآن في مدى ذكائنا.

إعلان

إيجاد الحل لكل هذه المشاكل البيئية، لن يتم بين ليلة وضحاها. ولكن في حين أن العديد منا ينظر للمستقبل لإيجاد حلول لمشاكل اليوم، ربما يمكننا استلهام بعض الحلول والإجابات من خلال العودة إلى الماضي، إلى كل تلك العادات الصحية والخضراء التي اتبعها أهلنا في فترة شبابهم.

رندة، 60 عاماً

1568201629351-Randa

أعرف شخصاً قد يساعدنا جداً في ذلك. والدتي، رندة، 60 عاماً (اعتذر عن الكشف عن عمرك يا ماما، ولكنني أحاول إنقاذ الكوكب…) والتي دائماً ما تتحدث عن مدى صحة العادات الغذائية التي كانت تتبعها في شبابها.

"في أيامنا، لم نكن نستهلك الطعام بهذه الكثرة، خصوصاً اللحوم، كنا نتناولها في المناسبات ولم تكن متوفرة على رفوف السوبرماركتات مثل اليوم،" تخبرني والدتي مع نبرة من اللوم في صوتها: "كنا نتناول الكثير من الخضار والفواكه والحبوب من أجل الحصول على جميع العناصر الغذائية. وطبعاً، كنا نتناولها في موسمها فقط، فلم يكن هناك بيوت زراعية، والإستيراد من بلدان أخرى لم يكن وارداً. ولم يكن هناك مفهوم السوبر ماركت والمتاجر الكبيرة، وخدمات التوصيل. كنا نشتري اللحوم أو الدجاج من المزارعين أو محلات البقالة القريبة. اليوم، أصبح كل شيء معلّباً وسريع الإنتهاء وبجودة رديئة. والأدهى، هو أن عليك أن تدفع المزيد من أجل الحصول على المنتجات الجيدة والصحية على اعتبار أنها رفاهية. في شبابي، كان الطعام الصحي متوفراً للجميع."

في الواقع، العودة إلى النظام الغذائي المبني على الإعتدال بين اللحوم والخضروات العضوية قد يكون أحد الحلول لتخفيف العبء عن المناخ. استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان قد يؤدي – بحسب دراسة في مجلة Science - إلى تخفيض إستخدام الأراضي الزراعية العالمية بأكثر من 75% وهي مساحة تعادل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وأستراليا مجتمعة، ليتبقى مساحة كافية من أجل تغذية العالم بأكمله. الدراسة نفسها تشير كذلك إلى أن اللحوم ومنتجات الألبان تستخدم 83% من مساحة الأراضي الزراعية حول العالم، وتنتج 60% من انبعاثات الغازات الدفيئة في القطاع الزراعي.

إعلان

أيضاً، تقوم كثير من الدول العربية باستيراد منتجاتها الزراعية، في الوقت الذي يعتبر قطاع النقل والمواصلات أهم مسببات الارتفاع العالمي في درجات الحرارة. حسب تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عام 2018 فإن وسائل النقل مسؤولة عالمياً عن ربع إجمالي الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون في السنة الواحدة، وهو ما يفوق مسؤوليتها قبل 30 عاماً، بنسبة زيادة بلغت 70٪. وتشير التقديرات إلى أن هناك أكثر من مليار سيارة ركاب في شوارع وطرق العالم اليوم؛ وقد يتضاعف الرقم بحلول عام 2040.

إذن، لحوم أقل، وخضار أكثر. عظيم، أستطيع القيام بذلك، ولكن لا تتوقعوا مني أن أصبح نباتياً.

ميرنا، 55 عاماً

1568201682811-Mirna

وبما أننا تحدثنا عن الخضراوات، كان يجب أن أتحدث لوالدة صديقي تشارلي، التي تعشق النباتات على أنواعها. "لدي أكثر من 100 نبتة في المنزل وبعضها يتعدى عمرها الـ 35 عاماً،" تخبرني طنت ميرنا وتضيف: "أحب أن أهتم بهذه النباتات لأنني أحب الطبيعة والبيئة وهي تذكرني بأيام شبابي عندما كنا نعتني بالأشجار والنباتات حول المنازل، فكان الهواء نقياً والمناظر جميلة ومريحة للعين." تقارن طنت ميرنا بين حياة الشباب اليوم وبين حياتها كشابة في الماضي: "نحن نعيش اليوم محاطين بأبنية من الخرسانة تجعلني أشعر بالغثيان وتُصعب عَلي التنفس. الاهتمام بالنباتات كان أمر شائعاً في أيامنا، فقد كانت الحديقة جزءاً لا يتجزأ من البيوت العربية القديمة، حيث كان يتم زراعة نباتات مثمرة ونباتات زينة وغيرها. كانت العناية في الحديقة أمراً مهماً كما لو أن النباتات فرد من العائلة. ولكن توسع المدن والامتداد العمراني، وقلة التوعية أوصلتنا الى هذه الحالة اليوم: أبنية مرتفعة مملة."

بالتأكيد لا يمكننا هدم كل هذه الأبنية، ولا يمكننا ردع الإمتداد العمراني، إلا أنه يمكننا زرع المزيد من النباتات والأشجار. بحسب دراسة نشرتها Nature Conservancy وظهرت على The Washington Post قد تؤدي زراعة الأشجار والنباتات في المدن إلى انخفاض درجات الحرارة وتقليل تلوث الهواء. وتشير الدراسة إلى أن استثمار عالمي واحد قدره 3.2 مليار دولار لتشجير 245 من أكبر مدن العالم يمكن أن يقلل الوفيات المرتبطة بالتلوث بنسبة تتراوح بين 2.7 و8.7٪، أي حوالي 36,000 شخص كل عام. إذا ظننت أن 3.2 مليار دولار مبلغ كبير، تذكّر أن الولايات المتحدة وحدها تنفق 649 مليار دولار كل سنة على التسليح.

إعلان

الاستثمار بالنباتات -على عكس الحروب- يمكنه أن يقلل من درجات الحرارة في أيام السنة الأشد حرارة، مما يوفر ما يصل إلى 48 مليار كيلو وات/ساعة من الكهرباء سنوياً، وتجنب ما يصل إلى 13 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الملوث سنويًا، فتخيل معي لو كل منزل حول العالم اهتم بزراعة مزيد من الأشجار والنباتات، كما يهتم بشراء سيارة جديدة.

آه، السيارات.

جان، 60 عاماً

1568201769812-Jeanv2

حالياً، كل من رغب لوح شوكولاته اليوم سيشغّل السيارة ويذهب بها الى الدكّان أو السوبرماركت وكأن العالم لا يعنيه. لم لا يعلم، ثاني أكسيد الكربون هو من أبرز الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وأهم مصادر هذا الغاز هي السيارات التي باتت أعدادها تنافس أعداد البشر. ولكن لم يكن الأمر بهذه السهولة في الماضي.

"كانت السيارات على أيام شبابي أعدادها قليلة لأنها كانت مرتفعة الثمن بالنسبة للمدخول الفردي، فاعتُبرت من الرفاهيات (لم يكن هناك كثير من البنوك والقروض أيضاً). حتى الشاحنات لم تكن منتشرة بهذه الكثرة، إذ ان الاعتماد كان على القطار من أجل شحن البضائع، أما تنقلاتنا، فكانت من خلال الباصات أو الترام داخل المدينة،" يقول جان، 60 عاماً، والد أعز صديقٍ لي، جاد.

"في السابق، كانت هناك سيارة واحدة لكل أفراد العائلة، سيارة واحدة للعائلة كاملة، وليس سيارة لكل فرد من العائلة كما هو الحال اليوم. بالنسبة لشباب اليوم، أصبح شراء مزيد من السيارات يدل على كونك من أصحاب الأموال، هذه الأشياء لم تكن مهمة في أيامي. برأيي، الباص كان ومازال أفضل طريقة للتنقل، فكل باص يغنيك عن 25 سيارة على الطريق، فتخيل مفعول 5 باصات، سيغنيك عن أكثر من 100 سيارة. أظن أن العودة إلى استخدام النقل العام بشكل مكثف سيوفر الكثير من الزحمة على الطرقات وحرق الأعصاب، كما سيخفف من نسبة التلوث الهائل الذي تشهده المدن المكتظة."

إعلان

كلام اونكل جان صحيح، فإذا تخلينا عن سياراتنا وإعتمدنا على النقل العام، خصوصاً داخل المدن، ستنخفض بصمتنا الكربونية بشكل ملحوظ، كما سيقلل من الازدحامات المرورية والتلوث الضوضائي المرتبط به. وبحسب ادارة النقل الفيدرالي في امريكا، يسهم استخدام المترو بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 76% في المتوسط لكل ميل من نقل راكب واحد مقارنةً بالسيارة. هذا الانخفاض يصل إلى نسبة 62% مع الترام و33% في حالة الباصات. اليوم، الطقس جميل والعصافير تزقزق، فلم لا تستخدم دراجة هوائية أو تمشي لمحطة الباص؟ لن تأخذك من النقطة A الى النقطة B وحسب، بل ستساعدك على حرق الدونت التي أكلتها صباحاً بطريقك إلى العمل.

نورا، 80 عاماً

1568201805122-Noura

دونت بدون قهوة، لا يجوز. وقهوة بدون ماء، غير ممكن. هذا يعني أن عليك شراء زجاجة مياه بلاستيكية من متجر قريب. ولكن هل ذلك ضروري؟ البلاستيك يعتبر من أسوأ المواد التي يمكن أن تستخدمها، فهي مضرة جداً للبيئة وتستغرق مئات السنوات لتتحلل وتطلق مواد كيميائية سامة أثناء تحللها، كما أنها تستخرج من الوقود الحفري، وعملية إنتاجها والتخلص منها بعد استهلاكها لها آثار كربونية ضخمة.

نورا، جدة صديقتي غوى لديها الحل: "لم نستخدم البلاستيك على الإطلاق في أيام شبابي، كنا نعتمد على الزجاج فقط، وكانت الأغراض المصنوعة من الزجاج زهيدة الثمن، على عكس اليوم. كنا نستخدم الفخار أيضاً، فكنا نعبئ الجرار الفخارية بالمياه، كي تبقى باردة خلال أيام الصيف. ونحفظ المأكولات في أوعية من الزجاج، بدلاً من الـ Tupperware البلاستيكي. أعشق تلك الأيام، كانت الأمور أكثر بساطة، ولا أفهم الحاجة الى تعقيد الأمور. هل سنموت من العطش إذا استغنينا عن القناني البلاستيكية؟ حتى عند تنقلاتنا الطويلة، كنا نعبئ قناني زجاجية ونبقيها معنا طوال الرحلة، أو نتوقف ونطلب "شربة" مياه من أي محل أو منزل."

إعلان

فعلاً، هل سنموت من العطش أو الجوع إذا استغنينا عن القناني البلاستيكية؟ لا أظن ذلك. أنا شخصياً، استبدلت القناني البلاستيكية بتلك الزجاجية في منزلي، كما أتفادى شراء أي معلبات أو أغراض بلاستيكية… والحمد لله، مازلت أشعر بدقات قلبي.

نايلة، 65 عاماً

1568201838443-Nayla

هل تعتقد أنني انتهيت؟ الـ Fashionistas وعشاق الموضة، أتى دوركم. صناعة الأزياء لها أثر مباشر على التغير المناخي وفقاً لدراسة نشرتها منظمة Quantis المتخصصة بحلول الاستدامة البيئية، تمثل صناعات الملابس والأحذية أكثر من 8% من التأثير على المناخ العالمي، أي أكثر من جميع الرحلات الجوية الدولية ورحلات الشحن البحري، مجتمعةً. مجتمعة.

خالتي نايلة، المهووسة بالموضة، والتي لكانت influencer لو كان انستغرام موجوداً في فترة شبابها، لديها حلولاً معقولة، مستندة على عادات الماضي. "عدد المتاجر كان أقل بكثير، فموضوع شراء ملابس أقل كان أسهل. ولكن لم يكن عدد المتاجر هو السبب فقط، بل عاداتنا الاستهلاكية كانت مختلفة تماماً. اليوم، جيل الشباب، يشتري الملابس بشكل مفرط، ويرمي القطع التي تم ارتدائها مرة أو مرتين، وكأنها صنعت للاستخدام لمرة واحدة فقط،" وتتابع خالتي نايلة: "في شبابي، كانت الناس تقتنع بملابسها وتحافظ عليها وكأنها قطع ثمينة. حتى نوعية الملابس كانت مختلفة، فكانت ذات جودة أعلى بكثير. اليوم، أصبحت جودة الملابس سيئة جداً، وهذا أدى إلى عدم ارتدائها بعد مرات قليلة، أو اختيار شراء ملابس رخيصة الثمن ولبسها مرة أو مرتين ورميها، وهذا أمر سيء. أظن أنها مسألة عقلية وقناعة أكثر من أي شيء. أنا أحب الملابس، ولكن أحب الحفاظ عليها أيضاً، الموضة تتغير والملابس التي كنت ارتديها في شبابي عادت اليوم، ولا تزال بنفس الجودة."

يمكن تطبيق نظرية خالتي على عاداتنا الشرائية السيئة على كافة الصناعات، وهناك كلمة لوصف مجتمعنا المدمن على هذه العادات، وهي Throw-away society أو المجتمع الاستهلاكي المعتاد على رمي الأشياء بدلاً من الحفاظ عليها. والحل هنا واضح: يمكنكِ أن تلبسي فستان واحد على عرسين أو ثلاثة، أو قطعة واحدة عدة مرات في الشهر، وأنت، لست بحاجة الى 10 بدلات وأحذية مختلفة.

هل رأيتم، تغيير هذه العادات ليس صعباً، ولكن فائدته كبيرة على البيئة، وعلى مستقبلك، ابدأ الآن، الطبيعة لن تنتظرك.