EXPECTATIONS
رأي

حياء الأنثى.. من فضلك توقف عن هذا الهراء

هل الحياء خُلُق؟ إذن لماذا لا يفرض على الرجال؟ لماذا لا يهاجم الرجل الوقح على بذاءته وإيذائه؟
26.1.20

"أين حياء الأنثى؟".. أقرأ تلك العبارة كثيرًا، تأتيني تعليقًا على مقالاتي، وفي رسائل تهاجمني بسبب نقاش "جريء" أو بوست استعملت فيه ألفاظًا "حادة" أو شتائم، أو لأنني أشجع على أمور "لا تليق" كلما قرأت تلك العبارة شعرت بالعبثية والسخافة، وتساءلت: ما هذا الحياء الذي يطالبونني به؟ رغم مطالبة المجتمع لنا كنساء بالتزام "الحياء" والمبالغة في تعظيمه، إلا أننا لا نستطيع الإمساك بمعنى محدد لتلك الكلمة. حين أسأل عن معنى الحياء أسمع عبارات من نوعية "لا تقولي كذا.. لا تتصرفي هكذا.." وقائمة طويلة من الممنوعات. باختصار، الحياء الذي نُطالب به هو مزيجٍ من الرقة المفرطة، الهشاشة، الخجل، الخنوع، الخضوع، عدم رفع الصوت، أو الشتائم، وعدم رد الأذى مهما كان الموقف. وبالطبع لا نقاشات في مواضيعٍ جريئة مثل الجنس، وبالتأكيد لا أنشطة حياتية مستقلة، مثل السفر وحدنا، أو تخطيط الحياة الشخصية. باختصار: سلوكيات تؤدي إلى عجز اجتماعي يسبب كل أنواع المصائب والإساءات.

"الحياء" مجرد سيف يُسلط على رقابنا كنساء لقهرنا وابتزازنا

نتربى في مجتمعاتنا المتحفظة تربيةً تفرق بين الذكر والأنثى. فبينما يتربى الطفل الذكر ليصبح شخصية قوية ويتعلم كيفية الدفاع عن نفسه، تتربى الأنثى باعتبارها كائنًا هشًّا، ويجب أن تتمسك بهشاشتها هذه وإلا حوكمت باعتبارها مسترجلة وفاقدة الأنوثة، عديمة الحياء، فتصبح منبوذة اجتماعيًّا، تقل حظوظها في الزواج، وتجلب العار لأهلها الذين فشلوا في تربيتها. تتعلم الفتاة "الحياء" اعتقادًا أنه سيجبر الكل على احترامها ويكفيها الأذى، لكنها تخرج لحياةٍ طاحنة وقاسية، تتعرض للتحرش في الشارع، والمضايقات في العمل، وضغوط الحياة وتحدياتها. ببساطة، "الحياء" مجرد سيف يُسلط على رقابنا كنساء لقهرنا وابتزازنا، وإلزامنا بسلوكيات تضعفنا وتلومنا على التصرف بشكل ناضج ومسؤؤل حسب ما نرى أنه يُناسب الموقف. ولكن قد يقول أحدهم أن الحياء خُلُق؟ حقًا، لماذا إذن لا يفرض على الرجال؟ لماذا لا يهاجم الرجل الوقح على بذاءته وإيذائه؟ هل الحياء انفعال مثل الغضب والفرح؟ لماذا يُفرض على النساء فقط؟ لماذا عندما أتعرض للتحرش وأشتم المتحرش أو أضربه، أُهَاجم لأنني "عديمة الحياء" ووقحة، ولا أحد يفكر في الانتهاك الذي تعرضت له، ولا أحد يلوم المعتدي. لماذا كل هذه المعايير المزدوجة عندما يتعلق الأمر بالمرأة؟

للبالغين فقط أم للرجال فقط؟
من الأمور المضحكة مراقبة كيف يتفاعل المجتمع مع النساء اللواتي يتعاملن بشكل طبيعي مع الموضوعات المتعلقة بالجنس. أعمل محررةً صحفية في منصة طبية لترجمة علوم الجنس إلى اللغة العربية، أكتب مقالاتٍ "جريئة" تصدم الكل، ليس لمحتواها بل لأن الكاتبة امرأة. كيف تكتب امرأة بهذا الشكل؟ يمتلئ صندوق رسائلي بالشتائم الفظيعة، لأنني برأيهم "أنتهك الأخلاقيات، وأخدش الحياء العام، وأشجع الشباب على الانحلال." حزمة من التهم العجيبة والكوميدية، وفي المقابل يتلقى الزملاء الرجال تعليقات متزنة متجاوبة مع محتوى مقالاتهم، دون اتهامٍ لأخلاقياتهم، لأن ما يكتبونه -ببساطة- مقالاتٍ علمية بحتة.

التدخين عادة صحية سيئة للرجل، لكنه اتهام لشرف المرأة. الشتائم وسيلة تعبير عن غضب الرجل، لكنه إشارة لانحراف وسوء أخلاق المرأة

من ناحيةٍ أخرى يجد بعض الرجال المزاح البذيء أمرًا عاديًّا في أمامنا لأننا لن نفهم دلالته، فإذا تأذينا مما نسمع واعترضنا كان الرد "وكيف عرفتِ معنى ما نقول أيتها المحترمة؟" ويتكرر الأمر نفسه في حوادث التحرش المستتر، حيث يقول أحدهم عبارة تنطوي على معنى جنسيّ مستمتعًا بانتهاكنا دون أن نعلم، وكأننا نعيش في كوكب آخر لا نسمع ما يقال في الشارع، ولا نفهم اللغة، ولا نحمل الموروث الثقافي نفسه. ويهاجمنا حين نرد عليه لأننا -طبعًا- سافلات، فلو كنا محترمات لجهلنا معنى ما يقول وتركناه يستمتع بالتحرش في سلام! والله عيب علينا.

"على الأنثى أن تتزين بالحياء".. يا رااااجل!
يدقق المجتمع في تصرفاتنا كنساء ويحاكمنا عليها. الضحك بصوتٍ عالٍ، الصوت المرتفع، التدخين، الشتائم، كلها أشياء تحدث يوميًّا ولا تلفت النظر إلا لو فعلتها امرأة، عندها تصبح مهينة ومسيئة. التدخين عادة صحية سيئة للرجل، لكنه اتهام لشرف المرأة. الشتائم وسيلة تعبير عن غضب الرجل، لكنه إشارة لانحراف وسوء أخلاق المرأة. اقبل السلوك من الجميع أو ارفضه من الجميع، وإلا فنحن ندور في دائرة مفرغة من اللامنطق.

الطريف أن أغلب المنادين بالحياء يستعملون لغةً غاية في البذاءة في مهاجمتنا. يدهشني أنهم لا يشعرون بالتناقض بين ما يقولون ويفعلون! لماذا لا يفرضون على أنفسهم الحياء الذي يطالبونني به؟

الطريف أن أغلب المنادين بالحياء يستعملون لغةً غاية في البذاءة في مهاجمتنا، ويجمعون شتائمهم القبيحة مع مواعظ دينية مع عروض جنسية في مزيج مثير للتأمل. الأكثر طرافة أنهم يتسامحون مع فكرة أن ننافق ونفعل ما نريد سرًّا، لكنهم لا يقبلون الحياة الواضحة الجريئة، وممارسة الحرية الشخصية بأريحية. يدهشني أنهم لا يشعرون بالتناقض بين ما يقولون ويفعلون! لماذا لا يفرضون على أنفسهم الحياء الذي يطالبونني به؟

يخلط البعض بين الأخلاق الطيبة وكلمة "الحياء" لكن هناك فارق كبير بين شخص محترم يراعي الآخرين، ويتجنب الإيذاء بالقول والفعل، وشخص يتخلى عن حياته وحقوقه ليُرضي المجتمع وينال صك "الاحترام." العجز عن حماية النفس ليس أدبًا، الخوف من اتخاذ قرار ليس خُلقًا جيدًا يستحق التقدير. كل ما يُقال عن "الحياء" محض وهم مؤذي.. للرجال والنساء على حدٍ سواء، فتوقفوا عن الترويج لهذا الهراء رجاءً.