عشرة أسئلة

عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على مصاب بالوسواس القهري

يُزعجني الاعتقاد الشائع بأن الوسواس القهري ما هو إلا هوس بالنظام، الحقيقة أنه أكثر صعوبة من ذلك وأشد معاناة
28.8.18
وسواس القهري

OCD أو الوسواس القهري، أحد أكثر الاضطرابات النفسية شهرة، يمكن التقاطع مع اختبارات سريعة تقييم مدى إصابة الأفراد به على مواقع التواصل الاجتماعي، كما يُشار بالبنان لمحبي التنظيم والترتيب وكأنهم مُصابين بالوساس القهري، كذلك المهتمين بالتنظيف والتعقيم بشكل مبالغ فيه، فيما يعتبر البعض أن حمل أحدهم عبوة معقم يدين فوري علامة أكيدة على الـ OCD.

في واقع الأمر لا يمكن تشخيص الإصابة بالوسواس القهري سوى بعرفة طبيب متخصص، وهو الشخصية الوحيدة كذلك المخول لها وصف علاج دوائي للمريض للحد من الأعراض المرضية التي تشكل عبء على كاهل المُصاب يعطله عن أداء مهامه اليومية ويحول حياته إلى شك دائم. "Vice عربية" تحدثت لـ أمل (اسم مستعار)، شابة مصرية تبلغ من العمر 23 عاماً، ومُصابة بالوسواس القهري لترصد عن قرب كيف يؤثر الاضطراب في الحياة الشخصية.

إعلان

VICE عربية: هل يقتصر الوسواس القهري على الرغبة في ضبط أطر اللوحات وترتيب الأدوات؟
أمل: بالطبع لا، تلك نظرة شديدة السطحية عن المرض، فالوسواس القهري أكثر عمقًا وإيلامًا، وينقسم لشقين، الشق الأول هو "الأفكار الوسواسية" وغالبًا ما تتضمن تفاصيل غير منطقية أو مبالغة إلا أنها تظل في الإلحاح على رأسك دون انقطاع وتُسبب الإزعاج؛ فغالبًا ما تراودني على سبيل المثال فكرة عدم استحقاقي لحياتي أو لجامعتي ودراستي ومحبة والدي، وتظل الفكرة تطاردني حتى أعجز عن التركيز أو التفكير بشيء آخر. الشق الثاني من المرض يعرف بـ "الأفعال القهرية" وتتمحور لدى حول الـ Checking أو التأكد من أن كل شيء على ما يرام، كأن أتأكد أن الباب مغلق كل مرت دقائق معدودة وأن الموقد لا يعمل ولا يوجد تسرب في الغاز الطبيعي، كذلك أتشكك من تأدية صلواتي على نحو متكامل وكذلك أداء خطوات الوضوء مرة تلو الآخرى.

كم من وقتك اليومي تمضينه في أداء طقوس وأفعال قهرية؟
يتوقف الأمر على حالتي النفسية، ففي البداية لم أكن أتلقى أي دعم أو مساندة طبية متخصصة وأمضيت فترة طويلة من عمري دون علاج وبالتالي كنت أقضي ما بين 3 إلى 4 ساعات من يومي أقوم بأفعال قهرية، وكنت أصل إلى حالة مزرية من الإرهاق، بعد تلقي العلاج تحسنت حالتي، فمثلًا صرت أتأكد من إغلاق باب المنزل مرتين بدلًا من خمسة، وكذلك تحسنت صلواتي إلا أني مازلت أتشكك في تأدية كافة الركعات بنسبة، كما راودتني خلال فترة عصيبة أفكار انتحارية لكنها تقلصت وأصبحت تحت السيطرة. ومازلت إلى اليوم أتناول علاج دوائي وآمل في مزيد من التحسن.

متى لجأتِ للعلاج النفسي ولماذا؟
لجأت للطبيب النفسي أول مرة في موسم الامتحانات النهائية بالجامعة، كنت في حالة سيئة لا يمكنني التركيز بسبب الأفكار الوسواسية سريعة التشتت، ولم يعد بإمكاني التعايش مع حياتي اليومية بينا تطاردني هواجس ووساوس الاستحقاق. لم تعد لدي قدرة على المذاكرة أو حضور المحاضرات. في واقع الأمر كنت متعايشة مع منذ مرحلة الدراسة الثانوية مع الأفعال القهرية وهي الشق الثاني من المرض كما ذكرت سابقًا، وربما لم يكن لدي الوعي أو الشجاعة الكافية وقتها لزيارة الطبيب، ولم أكن على علم كذلك أن تلك التصرفات والأفعال مرضية بالأساس، لذا منذ ثلاثة أشهر تحديدًا زرت الطبيب النفسي، طبيبة للدقة، ولم يعلم والداي أو أي من الأصدقاء شيء عن الأمر.

إعلان

هل هناك أثر ملحوظ للعلاج الدوائي؟
أجل، تحسنت حالتي بشكل ملحوظ بعد البدء في العلاج الدوائي بـ 3 أشهر. بدأت الطبيبة في البداية بإعطائي جرعات قليلة من الدواء مع زيادة أسبوعية لحين الوصول للجرعة المناسبة لحالتي، أصبحت الآن أشعر بأنني أكثر هدوءًا وأكثر قدرة على التعايش والتفاعل اليومي دون أن تؤثر عليّ الأفكار الوسواسية بالرغم من أنها ما تزال هناك إلا أنني أصبحت أكثر قدرة على التحكم بها ودفعها بعيدًا.

هل هناك أنشطة معينة تتجنبين القيام بها بسبب الوسواس القهري؟
أجل، لفترة طويلة سابقة تحولت صلواتي اليومية إلى عبء لا يمكنني تحمله، إذ كنت أدرى أن عملية الوضوء فقط سوف تستغرق مني ما يزيد عن الساعة، وأن الصلاة لن تمضي بسهولة بل ستطلب جهد وتكرار وتتخللها وساوس، حتى أنني لم أكن منتظمة في أداء الفروض لفترة، لكن بعد تحسن الأعراض عدت للانتظام إلى حد كبير على الرغم من أن التشكك مازال مستمر، إلا أنني أقوم بجهد حقيقي للتغلب عليه.

هل يمكن أن تعطلك الأفعال القهرية عن موعد هام أو مقابلة عمل؟
بالطبع، يتكرر ذلك كثيرًا بل بشكل يومي، فبمجرد أن يبدأ يومي أقوم بالوضوء ويستغرق الأمر وقتًا طويلًا وتكرارًا، كما أقوم بأكثر من جولة للتأكد من أن الأبواب مغلقة والموقد لا يعمل وبالتالي أتأخر يوميًا عن الجامعة وعن محاضراتي، وبالطبع يتكرر الأمر في فترة الامتحانات ويهدر الكثير من أوقات الدرس والمراجعة.

أخبرينا عن أكثر وساوسك أو أعراضك إيلامًا وإزعاجًا؟
وسواس الاستحقاق بالطبع، والشعور بعدم استحقاقي لحياتي أو الاستمتاع بما أحقق من تقدم بحياتي، تلك الأفكار الوسواسية تجتاح رأسي وتدفعني للوراء كلما تقدمت بعمل ما أو خطة، تُشعرني بالغربة وتُسيطر عليّ بالرغم من كونها غير منطقية بالطبع. كذلك تدريجيًا فقدت القدرة على الاستمتاع بأنشطتي المحببة سابقًا ولو كانت بسيطة، كمشاهدة فيلم سينمائي أو قراءة كتاب، وربما يعتبر ذلك عرضًا من أعراض الاكتئاب.

ما الصورة النمطية الأكثر إزعاجًا في نظرك عن الوسواس القهري؟
الاعتقاد الشائع بأن الوسواس القهري ما هو إلا هوس بالنظام، وبالتالي أن يعلن أي شخص إصابته بالمرض لمجرد حبه الترتيب والنظام، الوسواس القهري أكثر صعوبة من ذلك ويسبب المعاناة، من جهة أخرى لم أحاول اختبار رد فعل المجتمع المحيط على كوني مصابة بالوسواس القهري، فحاليًا لا يعلم بالأمر سوى والدي إذ اضطررت لإخبارهما بعد نوبة مرضية شديدة، أخفي الأمر على الجميع فالمرض النفسي مازال مصحوب بوصمة اجتماعية، فأنا إنسانة طبيعية قادرة على المذاكرة والتحصيل والإنتاج ونجحت بسنتي النهائية ولستُ "مجنونة" إلا أن المجتمع لن يراني على هذا النحو.

كيف تتعامل أسرتك مع أعراضك الوسواسية؟
قبل أن أعلن لأسرتي الإصابة بالمرض لم يلاحظ أحدهم غرابة تصرفاتي وربما أعتقدوا أنها اعتيادية، لاحقًا احتوتني الأسرة بشدة خاصة أثناء نوبة مرضي القاسية، حيث اجتاحتني الأفكار الانتحارية والقلق، ظل والدي بجانبي طوال اليوم ولم يخلدا للنوم، وقال لي أبي أن مرضي محض مرض اعتيادي لا يتميز عن الأمراض العضوية ودعمني، يرجع ذلك ربما إلى أن والدي طبيب بالأساس. والدتي كذلك تدعمي وكثيرًا ما تحاول تهدئتي وتستمع لأفكاري الوسواسية، وعادة ما أذهب للبكاء بين يديها في صمت.

ما هو نوع الدعم الذي تحتاجينه من الدوائر المقربة للسيطرة على أعراضك؟
أتمنى أن يدرك الجميع أنني أواجه تحدٍ صعب ويقدروا ما أمر به من ظروف ضاغطة، فعلى سبيل المثال عادة ما ينتقدني الأصدقاء بسبب تأخري الدائم عن المواعيد فيما لا يدرك أحد أنني تأخرت قسرًا ولا أتدلل، بل ربما أمضيت ساعة أونحوها أقوم بفعل مرهق متكرر. أتمنى أن تصبح العلاقات أيضًا أكثر أريحية ولا تعرضني للضغط والتوتر المستمرين كي لا تسوء أعراضي، وبشكل العام أتمنى ألا يرفض الأفراد أو المجتمع شخص لمجرد كونه مريض نفسي ويقصوه عن حيواتهم أو يرفضون التعرف عليه أو الزواج منه قائلين باستنكار "أنا ناقص؟" لذلك أُبقي أمر مرضي سرًا وأفضل التعافي والتخلص من مرضي بعيدًا عن الناس.