Screen Shot 2019-04-16 at 4
أحد مشاهد المسلسل- HBO
تلفزيون

دليل غير مشاهدي "جيم أوف ثرونز" لمعرفة أسباب الهوس العالمي بمتابعته

لا أعتقد أنني رأيت شخصيات مكتوبة بهذه الحرفية غير العادية من قبل
16.4.19

بعد سنوات من الانتظار بدأ أخيرا عرض الحلقات الستة التي تنتهي بهم تسع سنوات منذ بداية عرض مسلسل Game of Thrones - صراع العروش، بعد عرض سبع مواسم أو وسبعة وستون حلقة من هذا العالم الأسطوري. يتزامن بث الموسم الأخير مع ظهور هواة الاختلاف بين جموع الناس، الراغبين في الفوز بكأس التميز، عتاة العمق واللامبالاة، هؤلاء الذين لا يعنيهم أبدا أن يهتم الملايين بـ"تريند" أو فيلم أو مسلسل أو أي شيء، كبير كان أو صغير؛ لأنهم أكبر من كل هذا الهراء، هؤلاء الذين يخبروننا عبر صفحاتهم المهمة جدًا على مواقع التواصل الاجتماعي أنهم لا يهتمون بما نهتم به وأن المسلسل الذي ننتظر حلقاته الأخيرة هو مجرد مسلسل مبالغ فيه، هؤلاء الذين يبدأون كلامهم بـ "هو فيه حد غيري مش مهتم بجيم أوف ثرونز؟" أو "هو فيه حد غيري عمره ما اتفرج على جيم أوف ثرونز؟".. وأنا أتيت اليوم كي أجيب عن سؤالهم الذي يشي بتميزهم عنا نحن عامة الشعب من الأغلبية التافهة بالنسبة لهم ولاهتماماتهم العظيمة.

إعلان

نعم، هناك الكثيرون ممن لا يهتمون بمسلسل جيم أوف ثرونز، وهناك الكثيرون لم يشاهدوا حلقة واحدة منه. هناك الكثيرون لم يصدموا صدمة حياتهم عندما مات نيد ستارك وهو من اعتبرناه بطل المسلسل في الحلقة التاسعة من الموسم الأول، من لم يشاهدوا لوك وهو يقطع يد جيمي في لحظة لا تنسى، من لم يعرفوا شيئًا عن الزفاف الدامي الذي مازال بعضنا يعاني الكوابيس بسببه حتى الآن، من لم ينشغلوا في نظريات حول من هي أم جون سنو، ومن لم يتصوروا أن يضع أولي، الفتى الصغير سكينه في قلب جون سنو ويخون عهد أخوة حراسة الجدار. هناك الكثير من الأشخاص حول العالم لا يهتمون بمسلسل في زمن يظهر فيه كل يوم مسلسل جديد، ولكن في الحقيقة لا أعرف بالضبط أسبابهم وإصرارهم المستمر أننا نبالغ في إعجابنا به وبتفاصيل عشرات الشخصيات التي تدور حولها الأحداث، ولكني أعرف بالتأكيد الأسباب التي تجعلني أنا والملايين حول العالم نتابع مسلسل لعبة العروش.

يوجد حولي الكثير من الأصدقاء المقربين جدًا الذين يقولون في لامبالاة مستفزة بعض الشيء أن إعجابي بالمسلسل مبالغ فيه وأن الموضوع لا يتعدى إنتاج ضخم ومشاهد جنسية ساخنة وبعض المعارك التي نفذت بحرفية عالية، وأن هذه الأشياء لا تكفي كي يتابع الشخص مسلسل يذاع منه عشر حلقات كل سنة، وأحيانًا عدد أقل من الحلقات كل سنة ونصف أو أكثر. وفي العادة أحاول ألا أشغل نفسي بالرد على هؤلاء الأشخاص لأن حكمهم من وجهة نظري فقط يدل على رؤية معدومة وخضوع لقشور لا يراها سوى من قرأوا منشور أو اثنين على مواقع التواصل الاجتماعي أو شاهدوا حلقتين أو ثلاثة من الموسم الأول ولم يتمكنوا من بمتابعة الأحداث المعقدة للمسلسل لأي سبب كان.

التاريخ المزيف أو العوالم المختلقة من أولها لآخرها لا تخلو أبدا من السحر، القارات والمدن والبحار والقبائل والشعوب واللغات المختلقة لها ما لها من جاذبية وإبداع لا مثيل لهما في الكتابة وهذا أول ما جذبني لمتابعة جيم أوف ثرونز. أنا شخصيًا شاهدت عشرات الأفلام والمسلسلات التي تتحدث عن عالم خيالي غير موجود والذي يعتبره البعض وأنا منهم نوع من الهروب من الواقع الذي نمله ونريد الابتعاد عن تفاصيله حتى إن كان هذا لفترة قصيرة. ولكن وعلى الرغم من السحر الخاص الذي تتسم به تفاصيل الحياة الخيالية في جيم أوف ثرونز إلا أن هذا لم يكن السبب الوحيد الذي جعلني من أكبر معجبين ومتابعي المسلسل.

إعلان

الحقيقة أن الكتابة كانت هي السبب الأول لهوسي الشديد به، لا أعتقد أنني شاهدت شخصيات مكتوبة بهذه الحرفية غير العادية في كل ما قرأت، لا أرى أن هناك كاتب استطاع أن يتجول بين الخير والشر، والأبيض والأسود، ويحرك خيوط الأحداث بهذا الشكل، عشرات الشخصيات بدأت مكروهة وحقيرة من وجهة نظر الكثيرين، شخصيات بدأت ضعيفة وساذجة، أطفال لا يعرفون من أمر نفسهم شيء، قادة وملوك وناصحين لحكومات مدن كبيرة ظهروا في بداية الأحداث بشكل وتطورت شخصياتهم وأحداث حياتهم بسلاسة على الرغم من الصدمات المتتالية الى أن أصبحوا شيئا مختلف تماما قرب نهاية الأحداث.

لا أنكر أن إعجابي الشديد بالمسلسل كان في ذروته في أول خمسة مواسم عندما كانت الشخصيات الأساسية وبعض الشخصيات الثانوية تتغير بشكل سريع للغاية، ومع اتجاه الأحداث للنهاية أصبحت الشخصيات شبه مفهومة للمشاهد والتركيز كله هو على ما ستذهب إليه الأحداث. لم أتخيل في يوم من الأيام أنني من الممكن أن أشاهد قصة تتضمن أخ وأخت على علاقة عاطفية وأتعاطف مع أحد الأطراف، لم أتصور أنني سأشاهد الاثنين وهو يمارسان الجنس تحت الصندوق الذي يحمل ابنهم الذي قتل مسموما في عرسه، وأشعر أن هذا أمر عادي ولا أنفر من القصة بأكملها. لم أتخيل أيضًا أن في عقلي وقلبي ما يتسع لهذا الكم من الصدمات التي أرى بعضها مبرر، وأنني سأستمع إلى أحد الحكام على شاشة التليفزيون وهو يبرر قتل عشرات الشخصيات في حفل زفاف ويبرر هذا بأن من السهل تقبل قتل آلاف الجنود في ساحة المعركة، ولكن ليس من السهل تقبل قتل بضع عشرات في حفل من أجل تجنب موت أعداد أكبر.

هذه أشياء كنت أتصورها كالثوابت على الرغم من حدوث مواقف مشابهة في العالم الحقيقي الذي نعيشه، إلا أن حلاوة الكتابة وإحكامها دفعاني إلى تغيير أفكار كثيرة كنت أظنها ثابتة وغير قابلة للتغيير. لا أنكر أن هناك مواقف وقفت أمامها وشعرت أن عقلي غير قادر على احتمال مدى قسوتها، وعدم اكتراث كاتب القصة الأصلية بمشاعر المشاهدين بالمرة. ما زلت أشعر أن حرق طفلة صغيرة كقربان لأحد الآلهة كان أكبر من تحملي، ما زلت أشعر أن قتل الذئاب كان أقسى من اللازم وأن قطع يد جيمي قد يحمل بعض العدالة الشعرية ولكنه تسبب في صداع في رأسي استمر ليومين.

إعلان

هؤلاء الذين لا يشاهدون المسلسل ترفعا عن المشاركة في ما يهتم به عامة الشعب من أمثالي ربما فاتهم الكثير من المتعة والكثير من الدروس، والتي أعتقد أن أهمها هو عدم التشبث بالمواقف الأخلاقية والنزول عن صهوة الحصان الأخلاقي الذي يحكمون من فوقه على الأشخاص بناء على أحكام مسبقة ورؤى أخلاقية تبتعد كل البعد عن الإنسانية التي تمتلئ بالعيوب والخطايا.

هؤلاء الذين لم يشاهدوا المسلسل فاتهم عشرات الجمل الحوارية الذكية التي أحسد كاتبها على فصاحته وذكائه الشديد، وأتذكر جيدا المرة الأولى التي شاهدت فيها تيريون – كان هذا في الحلقة الثالثة في الموسم الأول – وهو يقول لجون سنو "ارتدي عيوبك وكأنها درعًا لك ولن يستطيع أحد أن يؤذيك بهم"، أتذكر هذا الآن وأبتسم وكلمات لورد فاريس تتردد في عقلي وهو يقول أن "من الممكن أن يعكس شخص صغير جدًا ظلًا ضخمًا جدًا على الحائط"، في إشارة إلى التأثير الذي من الممكن أن يقوم به شخص ولد كقزم وعانى طوال عمره من الاضطهاد والكراهية بسبب تكوينه الجسدي الصغير. كل الجمل الحوارية ذكية وجميع الشخصيات تقول ما يخاف العامة من البوح به، أما إعجابنا بالمسلسل وبشخصياته التي تمتلئ بالعيوب الدرامية الواضحة كالشمس؛ فهو في حد ذاته تطور غير عادي في رؤية الشخص العادي لمسلسلات التليفزيون التي تعودنا أن ننحاز فيها إلى الخير وننبذ الشر في كل صوره.

منذ بضعة سنوات قال لي أحد الأشخاص – من هواة التميز والإحساس بالتعالي على عموم الناس – أن مشكلته الأساسية في الموسم الأول الذي على حد قوله لم يستطع أن يكمل حلقاته، هو تعمد الكتاب على إظهار المرأة كعاهرة وعلى استخدامها دوما كأداة لجذب المشاهدين عن طريق خلع ملابسها، أخبرني أيضا هذا الشخص في اشمئزاز أن لا دور للمرأة في هذا المسلسل سوى الظهور عارية في مشاهد جنسية فجة. في الحقيقة، أعتبر الآن هذا الشخص مثال واضح وصريح على الجهل، ولا أعتقد أنه على هذا القدر من النسوية التي يدعيها في كل مجال وحديث، وأعتقد أيضا أن كل من يشاهد المسلسل ويقرأ هذا المقال سيضحك ملء قلبه إن اتهم أي شخص القصة أنها تضهد المرأة وتعمل على إظهارها فقط كوسيلة جذب جنسية. أنا شخصيا لا أتابع المسلسل لأنه يحتفي بالمرأة ويظهر البطلات كمحاربات قويات يحركن كل الأحداث على السواء، ولكني أشاهده لأنه ممتع ومسلي وذكي ويكسر كل التابوهات بلا هوادة ولا يخضع الى المقاييس السائدة في عالم الدراما الذي يتطور حقا يوم بعد يوم، ولكن ردا على ادعاءات تشيييء المسلسل للمرأة التي يقولها الكثيرون، فلا أجد سوى جملة أحد الأبطال التي يقول فيها "الغباء لا دواء له".

لا أريد أن يبدو مقالي وكأنني أتهم كل من لا يشاهد المسلسل بأنه غبي أو سخيف أو يتصف بذوق سيء مثلا، ولكني في الحقيقة وبمنتهى الوضوح أتهم من يلومون المشاهدين المخلصين على متابعتهم والسخرية الساذجة منهم بأنهم أغبياء وسخفاء وذوقهم قمة غاية في السوء. هذا ليس مسلسل بسيط لأصحاب الذكاء المتوسط، وليس مجرد قصة عن البحث عن السلطة، هذا ليس مسلسل يحتوي فقط على معارك باهظة التكاليف ومشاهد جنسية تشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتأكيد ليس مجرد قصة عن ثلاثة تنانين تمتلكهم فتاة شقراء على قدر كبير من الجمال.

عادة لا تكون قصص المعارك على هذا القدر من الذكاء الحاد، أما القصص التي تركز على الجنس كوسيلة جذب للمشاهد فلا تحمل سوى فتيات حسناوات يخلعن ملابسهم، أما هذا المزج الساحر بين الإنسان بأخطائه غير المحدودة، وقدرته المذهلة على التطور، وتطلعه إلى القوة وأحيانًا والعدل من منظوره الخاص في أحيان أخرى، وبين الصراع الذي لا ينتهي على الحكم فهو شيء لم أراه أبدًا سوى في جيم أوف ثرونز.

أستطيع أن أتفهم الجمهور العربي الذي يتهم مشاهدي المسلسل بأنهم على قدر من الفسوق والمجاهرة بالمعصية مثل ما يقولون ليلًا نهارًا على صفحات الإنترنت؛ بينما هم يتجولون على مواقع الأفلام الإباحية في حرية تامة لأن هذا يتسق مع العقلية العربية التي لا تكف عن غسل أيديها في المجال العام طوال الوقت من كل ما يرونه منافي لعاداتهم وتقاليدهم، بينما هم لا يتورعون عن فعل كل ما ينادون بعكسه خلف الأبواب المغلقة، ولكني لا أستطيع الوصول لأسباب سخرية نفس المشاهد العربي من أقرانه الذين فقط يتابعون مسلسل يرونه ممتع بطريقتهم الخاصة.

لا أنصح أي شخص بالدخول في مهاترات إلكترونية مع هؤلاء الأشخاص الذين يرون أنفسهم أفضل من غيرهم لأنهم لم يشاهدوا حلقة واحدة من المسلسل، وإن كنت أحب أن أوجه لهم رجاءً أن يتركوننا إلى حال سبيلنا، حتى ينتهي الموسم والأخير ويتسلمون كؤوس التميز وميداليات الاستحقاق التي تثبت أن عدم مشاهدتهم لأي من حلقات جيم أوف ثرونز قد جعلتهم أشخاص أفضل.