حياة

كيف تتغلب على الاكتئاب بالتأمل؟

على عكس اليوجا، يمكنك ممارسة التأمل بلا معلم ودون أن تُضطر للاشتراك في مركز تعليمي
9.5.19
كيف تتغلب على الاكتئاب بالتأمل

صورة Stephen Sandian من Unsplash

في المقال السابق تحدثت عن اليوجا، وعن أصلها وطريقة ممارستها. قلت أن اليوجا تشمل التأمل لكن التأمل لا يشمل اليوجا، في قول آخر، فإن التأمل هو جزء من نشاط اليوجا؛ إلا أنه جزء مستقل، يمكنك استقطاعه والانفراد به وممارسته دون الاضطرار لممارسة اليوجا، حيث أن اليوجا رياضة وفلسفة متكاملة، تحتاج إلى معلم ومرشد، مما قد يدفعك إلى النزول من بيتك والاشتراك في أحد مراكز اليوجا، والمواظبة على جلساتها. أما التأمل فهو سهل وبسيط ويمكنك ممارسته دون معلم ودون أن تضطر للاشتراك في أي مركز أو الاسترشاد بأي معلم.

إعلان

ما أهمية التأمل؟
التأمل هو رياضة ذهنية لها من الأهمية بالنسبة للعقل ما للتمرينات الرياضية من أهمية بالنسبة للجسم. فإن كانت التمرينات الرياضية هدفها تقوية العضلات، وتحسين النفسية، والمساعدة مثلًا في الإقلاع عن التدخين والعادات السيئة، وزيادة لياقة البدن، ومن ثم تحسين الصحة العامة، فإن التأمل يقوم بالذات الدور بالضبط بالنسبة للذهن؛ فالتأمل هو محاولة تفريغ الذهن من كل الأفكار، سلبية كانت أو إيجابية، والخبرات، والهموم، والمشاغل، والأحزان، وذلك بهدف تجديد النشاط العقلي وتوفير الصفاء الذهني.

والتأمل نشاط إنساني قديم، موجود في الحضارات القديمة، والديانات الوضعية والسماوية، وعادة ما يكون متضمنا داخل عبادة كل ديانة، إلا أنه تم فصله عن تلك العبادات في العصر الحديث، ويستخدم التأمل في علاج التوتر والاكتئاب والضغوط العصبية الناتجة عن العمل أو الظروف المعيشية الصعبة، أو كرب ما بعد الصدمة.

من الأشخاص الذين يحتاجون لممارسة التأمل؟
في الحقيقة كل إنسان يحتاج ذلك. فكما يقول الشاعر المصري القديم ابن عروس: "ما حد خالي من الهم، حتى الحصى في الأراضي/ ماله مصارين ولا دم/ وما هو من الهم فاضي/ ما حد خالي من الهم/ حتى قلوع المراكب/ ما تقولش للندل يا عم/ ولو كان على السرج راكب". فهناك من يعمل لفترات طويلة لتحصيل لقمة العيش والإنفاق على أولاده، أو أسرته، أو لتكوين خميرة مالية جيدة يمكنه بها تأسيس أسرة. وهذا الشخص يواجه ضغوطا يوميا، حيث يعاني من خوف دائم من فقدان وظيفته، أو من عدم قدرته على أداء المهام المطلوبة منه كما يجب، أو من عدم قدرته على تغطية احتياجاته واحتياجات أسرته، أو المدير غلس، أو الزميل بيزنبق، أو القبض اتأخر.. إلخ، وهذا يسمى قلق، وهو مرض.

إعلان

وهناك من لا يجد فرصة عمل، ويجلس عاطلًا في انتظار الفرصة، ويشعر أن مواهبه وإمكانياته معطلة، ينتظر وينتظر حتى يمل الانتظار، وقد يفقد الرغبة في الاستمرار في البحث، ثم يفقد الرغبة في العمل، ثم يفقد الرغبة في الحياة، ثم يشعر حيال نفسه بالكراهية، وهذا مرض خطير يسمى الاكتئاب، لا يصيب العاطلين عن العمل فقط، وإنما هو مرض كأي مرض، معرض له كل شخص على هذا الكوكب.

الاكتئاب مرض خطير جدًا لأن مضاعفاته لا تعني الانتحار الفعلي فقط، وإنما قد تؤدي إلى الانتحار المعنوي. بقول آخر، قد يفقد الإنسان أي رغبة في الحياة مما يؤدي بالعقل إلى إرسال رسائل موت لبقية وظائف الجسم، التي ستعاني من تدهور في كفاءتها، ما يمكن أن يؤدي إلى تدهور الجهاز المناعي. هذا ما يسميه العامة "الموت حزنًا". قد يموت الإنسان بسبب الاكتئاب دون أن يحاول الانتحار. (يعني المكتئب ده مش بيتدلع، ما ينفعش تقول له: مكتئب ليه؟ ما أنت واكل شارب عايش في تحت سقف، أمال ضحايا تسونامي يعملوا إيه؟)

يعاني مريض الاكتئاب من فقدان أي رغبة حقيقية في أي فعل مثمر، وقد يصل الأمر إلى عدم امتلاكه القوة على القيام من فراشه (حقيقة مش بيتدلع) وقد يشعر حيال نفسه بكل المشاعر السلبية

وهناك من يعمل في مجال يكرهه، وهناك من يشعر بالغبن وعدم التقدير، وهناك من يعاني مشاكل أسرية، وهناك من لا يشعر مشاعر إيجابية حيال نفسه بسبب أخطاء في التربية، وهناك من يمر بصدمة عاطفية في قصة حب علق عليها كل آماله، وهناك يعاني من الترك، أو الفقد، أو الخذلان من الآخرين أو من تعرض لخديعة أو خيانة، وهناك من حرم من شيء كان يتمناه بشدة، وهناك من حصل على شيء كان يتمناه بشدة ثم جاء الواقع مخيبا للآمال. الدنيا مليانة مآسي يعني، وكل ابن آدم مهموم.

مع تسارع وتيرة الحياة العصرية وزيادة المنافسة، واتساع الهوات بين الطبقات في ذات المجتمع، وبين أساليب المعيشة بين الدول، فيمكننا القول في المجمل أن إنسان العصر الحديث يقع تحت ضغوط هائلة تجعل منه إنسانًا حزينًا.

كيف يساعدك التأمل؟
كل ما ذكرت أعلاه يُعد من أمراض العصر الحديث، وهي أمراض تحتاج لمتخصص معالج وعلاجات طبية، ولها أعراض، والاستهانة بالعلاج قد تؤدي إلى مضاعفات، وهي تختلف تمامًا عن "مخنوق شوية".

مخنوق شوية حاجة، ومريض اكتئاب أو قلق أو تعاني من الصدمة أو كرب ما بعد الصدمة حاجة تانية خااااااااالص.

إعلان

مخنوق شوية = حانزل أشم هوا، حاقعد اتفرج ع "العيال كبرت"، حانزل ألعب عشرتين طاولة ع القهوة، حاشغل مهرجانات واقعد ارقص. هذه حلول جيدة ولا بأس بها أبدًا لحالة "مخنوق شوية".

أما مريض الاكتئاب فهو يعاني من فقدان أي رغبة حقيقية في أي فعل مثمر، وقد يصل الأمر أنه لا يملك القوة على القيام من فراشه (حقيقة مش بيتدلع) وقد لا يرغب في تحريك أطرافه، قد يفقد استطعام كل شيء بما في ذلك حاسة تذوق الطعام، أو حاسة الشم، يشعر حيال نفسه بكل المشاعر السلبية، فهو: قبيح، وغبي، ودنيء، وشرير، والله يعاقبه على ذنوبه، ولا أحد يحب صحبته لأنه ممل، ولن يتمكن من الحصول على عمل، ولو حصل على عمل فلن أتمكن من إنجاز مهامي، أنا فاشل، أنا سيء، أنا لا أستحق الحياة، تدريجيًا يفقد الرغبة في الحياة، وقد ينتهي به الأمر إلى الوفاة الفعلية.

مريض القلق، هو شخص مختلف تمامًا عن الإنسان القلوق، يعني من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالقلق حين يقف ابنه على حافة النافذة، لكن القلق المرضي أمر مختلف. إذ يصاب الإنسان بنوبات قلق غير مبررة، وتسيطر عليه خيالات سيئة، وأفكار سوداء. فيجد المرء نفسه يجلس في أمان الله، ثم فجأة، تداهمه نوبات قلق غير مبررة ومفاجئة وغير منطقية تشل تفكيره وقد تشل حركته أو تتسبب له في بعض التشنجات.

قد يؤدي كرب ما بعد الصدمة إلى أحد المرضين السابقين أو إلى كلاهما، وأعراض كرب ما بعد الصدمة واضحة كوضوح الشمس ويمكن لأي شخص أن يتتبعها بداخله ويعلم إذا ما كان يعاني منها أم لا:

فهناك ما يسمى بالذكريات الاقتحامية، مثل إلحاح الذكريات المؤلمة للحدث، استرجاع الحدث وكأن المرء يعيش الصدمة مرة أخرى بكل تفاصيلها، الأحلام والكوابيس التي تداهم الشخص والمتعلقة بالحدث (الأخيرة علامة مؤكدة أنك تعاني من كرب ما بعد الصدمة)، نوبات غضب مفاجئة، ردات فعل جسدية غير متوقعة.

إعلان

وإهمال هذه الحالة قد يؤدي بالإنسان إلى الآتي: أفكار سلبية عن نفسه وعن الآخرين، اليأس من المستقبل، ضعف في الذاكرة، توتر في العلاقات الوثيقة والمقربة، الشعور بالذعر والتوهم بإن هناك خطر دائم، نوبات هلع تنتاب الشخص كلما وضع في موقف به عنصر مشابه لأحد عناصر الحدث الصادم، فمثلا من يعاني من كرب ما بعد الصدمة بعد حادث سيارة، تجده يعاني من نوبات هلع كلما ركب سيارة. صعوبة في التركيز، الشعور بالذنب والعار، الشعور بالخذلان.

وماذا بعد وصلة النكد هذه؟
الغرض من استعراض هذه الآلام أن تتعرف عليها أو على بعضها، وتتوجه في أقرب فرصة إلى متخصص للقيام بعلاجك، إلا أن التأمل هو أحد العلاجات المفيدة جدًا للتغلب على تلك الحالات. لا يمكنك بالطبع الاعتماد على التأمل فقط دون اللجوء لمتخصص والقيام بجلسات علاجية. إلا أن أغلب المختصين ينصحون مرضاهم بممارسة رياضة التأمل كأحد النشاطات العلاجية. نقول عنها رياضة لإنها رياضة، ليست ذهنية فقد، وإنما بدنية أيضا، بالرغم من بساطتها.

كيف نقوم بالتأمل؟
بالطبع هناك من وصل للتمرس على التأمل حتى أنه يمكنه أن يجلس لساعات في جلسة تأمل واحدة، إلا أن ذلك شديد الصعوبة بالنسبة للمتبدئين كما بالنسبة للمنشغلين.

يبدأ التأمل بتنظيم النفس ثم محاولة إفراغ الذهن:

حاول أن تجلس في مكان به إضاءة طبيعية، بعيدا عن الضوضاء قدر المستطاع، ولتحاول أن تفعل ذلك في الفجر أو في ساعة من ساعات الليل المتأخرة، حيث تكون طاقة الكون نقية، وتقل الحركة البشرية، ومن ثم الضوضاء.

ابدأ في تنظيم نفسك، شهيق وزفير، يمكنك بعدها التركيز على الآتي: إما أن تركز على نفسك في دخوله وخروجه، تستمع إلى النفس، وتراقبه وهو يدخل ويخرج (يفضل إغماض العين في حالة مراقبة التنفس)، أو تضع أمامك شمعة، أو وردة، ثم تركز بصرك على الشمعة أو الوردة، وتتأملها، تأمل النار الصادرة من الشمعة، وألوانها وحركتها، أو تأمل الوردة وأوراقها، ألوانها، وتكوينها. لا تحاول أن تجهد ذهنك بأي عمليات عقلية، كأن تعد أوراق الوردة مثلا.

إعلان

يمكنك تشغيل موسيقى هادئة ورتيبة كي تساعدك على التركيز، ولابد أن تكون بصوت خافت. لا يمكنك تشغيل صوت يدفعك للتفكير في محتواه.

في تلك الأثناء ستمر أفكارًا سلبية أو إيجابية وذكريات ومنبهات بمهام ومسؤوليات، دعها تمر، لا تقاومها ولا تستوقفها ولا تفكر فيها ولا تستغرق فيها ولا تحاول دفعها بعيدا، فقط دعها تمر. سيأتي من بعدها فكرة أخرى، دعها تمر بسلام، وكأنها شخص مار يريد أن يعطلك فتشير له من بعيد ملوحا تاركا إياه يستكمل طريقه في سلام. كل ذلك وأنت حريص على تنظيم نفسك، شهيق وزفير.

وجب التنويه أنه عليك ن تكون مرتاحًا في جلستك. بالطبع يفضل أن تجلس عاقدًا ساقيك فاردًا ظهرك مريحًا ذراعيك على ركبتيك، لكن إن لم تتمكن من ذلك، فيكفي أن تجلس على كرسي مريح، أو حتى تتمدد على أريكة مريحة، واستمر في تنظيم النفس.

في البداية حاول الاستمرار في ذلك قدر استطاعتك، لا تنشغل بحساب الوقت، بعد أن تنتهي انظر في الساعة لتعلم كم استغرق الأمر من الوقت. لكن لا تضع ساعة أمامك حتى لا تنشغل بالمدة التي تمارس فيها التأمل.

بالطبع إن كنت في مكان يوجد فيه بحر، فحبذا لو جلست على البحر واستمعت لصوت الأمواج، وركزت بصرك على اللون الأزرق للبحر وحركته وانعكاسات الشمس على صفحته. أو لو أنك جلست في حديقة وركزت بصرك على فرع شجرة، أو على ورقة شجر.

بعد أن تتدرب على تفريغ عقلك من كل الشؤون الحياتية، ستتعلم بعد ذلك كيف تطلق العنان لعقلك ليتعامل مع الأفكار التي تمر بها

طرق أخرى
هناك طريقة متابعة النفس، وهي طريقة مناسبة للمبتدئين. يمكن بعد ذلك ممارسة التأمل من خلال المانترا، أو تكرار كلمة مريحة لك، إما جهرا، أو خفوتا، أو صمتا، كالذي يقوم به السادة الصوفية في جلسات الذكر والحضرات. المانترا تختارها أنت، ويمكن أن تكون أي كلمة مريحة، لكن نقدم لك اقتراحات ببعض الكلمات التي تعطي طاقة إيجابية مثل: حب، الله، لطيف، ود أو ودود… إلخ.

بعد أن تتدرب على تفريغ عقلك من كل الشؤون الحياتية، ستتعلم بعد ذلك كيف تطلق العنان لعقلك ليعمل وحده ويتعامل مع الأفكار التي تمر بها، وذلك عبر فتح عقلك للواردات التي تمر به دون أن تبذل أن جهدًا في التعامل معها أو التوقف عندها.

نصائح للتأمل
لا تدخن قبل ولا أثناء ولا بعد التأمل بفترة معقولة. حيث أن ذلك يمكن أن يضر بجهازك التنفسي.
لا تمارس التأمل عقب تعاطي الكحول أو المخدرات.
لا تعود فجأة إلى نشاطك الحياتي بعد جلسة التأمل، ولكن انتظر قليلا وانظر حولك في هدوء وتأمل ما حولك.

وكما قلنا، فإن التأمل عامل علاجي مهم ومساعد في عملية العلاج النفسي والعضوي، لكنه ليس "العلاج"، وعليك في كل الأحوال اللجوء لمختص في حال مواجهة مرض عضوي أو نفسي.