منوعات

كيف ساهم "الفك المفترس" في حماية أسماك القرش من الانقراض؟

سبب الفيلم موجة رعب عالمية من أسماك القرش، تبعتها حملات محمومة لقتلها أينما كانت
25.9.18
الصورة من موقع IMDb

يرتبط الصيف دومًا بزيارة الشواطئ هربًا من حرارة الجو، في نشاط عائلي أو رياضي قلما توجد بلدًا لا ترتكن إليه كنشاط رئيس خلال العطلات الصيفية، لكنه أصبح بفضل سلسلة أفلام Jaws أو ما يُعرف تجاريًا بـ"الفك المفترس"، موسمًا سينمائيًا مضمون الربح لأساطين الصناعة، بعد أن حصد الجزء الأول من الثلاثية ما يفوق 450 مليون دولار عند عرضه عام 1975، مدشنًا بذلك مصطلح Summer Blockbuster - أو أفلام الصيف التي تحقق إيرادات ضخمة، بعد أن حجز مقعده ضمن قائمة أنجح الأفلام الجماهيرية في تاريخ السينما الأمريكية والعالمية.

إعلان

بعيدًا عن الجانبين النقدي والتجاري، نجحت أفلام "الفك المفترس" في خلق صورة مرعبة وغير واقعية في الحقيقة عن أسماك القرش، للدرجة التي بات معها الكثيرون حول العالم مصابون برهاب من ارتياد الشواطئ، خشية لقاءهم بإحدى أسماك القرش الأبيض الكبير، التي اعتمدت حبكة الفيلم والرواية الأصلية المنقول عنها، على شيطنتها بعد إصابتها بجنون دفعها للهجوم على البشر، على عكس ما يعرفه عنها علماء الأحياء البحرية، وساعد نجاح الفيلم عالميًا على نقل هذه الصورة وترسيخها في معظم أرجاء الأرض.

Jaws وإرساء قواعد جديدة في السينما
سلسلة أفلام Jaws أو "الفك المفترس" من إخراج الأمريكي الشهير ستيفن سبيلبرج، عن رواية للكاتب الأمريكي بيتر بنشلي، والتي كُتبت قبل سنة فقط من إنتاج الفيلم. وكان ذكاءً من استديوهات يونيفرسال في سرعة شرائها وتحويلها إلى فيلم سينمائي أدر عليهم الكثير من المكاسب، وكتب شهرة "سبيلبرج" في تاريخ السينما العالمية. لم أكن قد سمعت من قبل عن الفيلم في أوائل الألفية الجديدة. كنت أشاهد فيلم "جزيرة الشيطان" إخراج نادر جلال، وأتذكر أنني رأيت مشهدًا فيه سمكة قرش تحاول مهاجمة أحد أبطال الفيلم - أحمد راتب تقريبًا- فينقذه عادل إمام، عندها قال والدي إنها محاولة للاستفادة من النجاح المُدوّي لفيلم "الفك المفترس"، رغم أن الفيلم المصري أُنتج بعد الأمريكي بخمسة عشر عامًا. كانت المرة الأولى التي اسمع بها اسم "الفك المفترس".

يحكي الفيلم قصة قرش أبيض ضخم يُهاجم المُصطافين، ويحاول ضابط شرطة وصائد أسماك، قرش محترف، وعالم أحياء بحرية صيد سمكة القرش المُروّعة للمصيفين، وهو ما خلق الدراما والإثارة والتشويق الذين اشتُهر الفيلم بهم، حيث اعتُبر أحد أكثر الأفلام المُشوّقة والمُثيرة في التاريخ، مما دفع الاستوديو الشهير إلى طرح 3 أجزاء سيئة للفيلم لم ينجح إحداها في كسب حب الجماهير ولا النُقّاد. وبعد ما يقرب من عقدين من معرفتي به، اكتب الآن عنه، ليس باعتباره أحد أنجح الأفلام في تاريخ السينما فيما يخص الإيرادات والشهرة تحديدًا، لكن باعتباره أيضًا من الأفلام المؤثرة في رؤية البشر لكائن بحري مثل القرش الأبيض بصورة غير حقيقية، ما رفع نسبة صيد أسماك القرش الأبيض وقتلها حتى أصبحت أحد الكائنات المُهددة بالإنقراض خلال سنوات.

شيطنة القرش الأبيض
أعلم تمامًا أن محاكمة فيلم سينمائي أو رواية تحمل الكثير من الخيال على أن معلومات خاطئة هو أمر شديد السذاجة، حيث تعتمد الصناعة بالأساس على الإبداع والخيال، لكن ما فعله الفيلم في الوعي الجمعي يستحق النظر، حيث تحولت أسماك القرش الأبيض تحديدًا بعدها إلى كائنات مكروهة وتعامل معها الصيّادون على أنها من أعداء البشرية، لذلك أقاموا ضدها ما يشبه حملة صيد جماعية، وقتلوا منها أعدادًا كبيرة، مما دفع الكثير من المنظمات العاملة في مجال حقوق الحيوان أن تنتبه وتبدأ في حملات توعية لحمايتها من الانقرض..

إعلان

"إذا علمت ما أعلمه اليوم عن أسماك القرش الأبيض، فلن أكتب رواية كهذه أبدًا"، قالها بيتر بنشلي مؤلف رواية Jaws في مقال منشور على موقع بي بي سي، حيث ندم "بنشلي" تمامًا على نشر الرواية، وكرّس جزءًا كبيرًا من حياته في الدفاع عن أسماك القرش الأبيض، ومحاولة شرح أنه فصيلة لا تهاجم البشر لمجرد الهجوم، وقال ذلك في العديد من المحاضرات وضمن أفلام وثائقية. أما زوجته "ويندي" فشاركت في العديد من مجموعات إنقاذ وحماية أسماك القرش الأبيض، حتى يتمكن من التخلّص من الشعور بالذنب تجاه كائنات أصبحت مُهددة بالإنقراض بسببه، أو هكذا يشعر.

الأخطاء العلمية للسلسلة
يقدم الفيلم - والرواية- القرش الأبيض على أنه أكل لحوم البشر، استنادًا على نظرية قديمة تتحدث عن "القرش الأحمر"، وهو مصطلح يُطلق على القرش الوحيد الذي يجوب المحيطات والبحار ويُطوّر شهوة للتغذية على البشر، وهو أمر عارٍ تمامًا عن الصحة. يقول بيتر كليملي، وهو خبير أسماك القرش بجامعة كاليفورنيا، إن القرش الأبيض لا يهاجم البشر عن قصد، وإنما يحدث الأمر نتيجة خطأ أو خلل أو حادثة، مما يُفسّر فكرة قتل القرش الأبيض لما يقرب من 6 بشر سنويًا فقط، فيما يقتل الفيل ما يقرب من 500 شخص، ولا يُعتبر عدوًا للبشر حتى الآن.

أضاف "كليملي"أن أسماك القرش الأبيض ليست شريرة بالفطرة، مثلها مثل الكائنات المفترسة تحتاج إلى الغذاء فقط، والبشر بالأساس ليسوا الوجبة المفضلة لها، حيث تفضل أسماك القرش الأبيض تناول الكائنات التي تحتوي على نسبة دهون عالية جدًا مما يُفيد عضلاتها، وهو ما يفتقده البشر بشدة، ويحظى به صغير الفقمة، الذي يُعتبر الوجبة المفضلة للقرش الأبيض، ويحتوي جسده على نسبة دهون تفوق تلك الموجودة في البشر بنحو 50% على الأقل. لا يُنكر "كليملي" مهاجمة بعض أسماك القرش الأبيض للبشر أحيانًا، لكن الهجوم يقع - كما ذكرت سابقًا- عن طريق الخطأ، نتيجة تغيّر بيئة السمك ووجوده في بيئة مختلفة بسبب وجود مُخلّفات بشرية في بيئته الطبيعية دفعته إلى تغييرها رُغمًا عنه.

يُفضل سمك القرش الأبيض العيش في السواحل المنتشرة على أطراف الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا واليابان وبعض البحار في تشيلي، ويمكن رؤيتهم في سواحل البحر الأحمر والمتوسط لكن بنسبة أقل. وبالطبع، إذا كان أحد البشر يسبح في مكانٍ ما وعلم بوجود سمكة يبلغ طولها من 4 إلى 6 أمتار وتزن ما يفوق الـ 1000 كيلوجرام فسيُصاب بالرعب الشديد، وهذا حقه تمامًا، وسوف يحاول أيضًا الخروج من البحر في أسرع وقت، لكن هذا ينطبق على جميع أنواع الكائنات البحرية الكبيرة كذلك.

بعض النظريات تقول إن السبب في مهاجمة أسماك القرش للبشر هي أنها تحسبها خطأً فقمات، وهو أمر ساذج كما يقول علماء مركز ReefQuest لأبحاث القروش، لأن القروش تُعتبر أحد أذكى وأقوى الكائنات البحرية على الإطلاق، ولديهم من الحواس وجودتها ما يكفيهم لتحديد ما إذا كان هذا فقمة أم شيء آخر. لكنهم قالوا إيضًا إن القرش الأبيض - تحديدًا- يمكنه عمل ما يُسمى بـ "اختبار العض - Test Bite"، فيعُض بأسنانه الأشياء التي تتحرك أمامه حتى يتمكن من معرفة ماهيتها، ما يُشبه اللمس للبشر بمعنى أصح، لكن عضته القوية هذه قد تتسبب في تمزيق جسد شخص بالغ، أو على الأقل إصابته بجراح بليغة، وهو ما يجعلها مرعبة مع ما رسخه الفيلم حولها بطبيعة الحال، لكنها لا تفعل هذا لأنها تُعادي البشر وتفترسهم يوميًا وعلى أُسس مُنتظمة.

الجانب المُشرق للفيلم
على الجانب الآخر، توضّح سورجا فوردام، رئيسة جمعية الدفاع عن أسماك القرش الدولية - Shark Advocates International، أن الفيلم ساهم بشكلٍ إيجابي في زيادة الاهتمام والوعي أيضًا بكائنات مثل القرش الأبيض، حيث أصبح لهم ما يشبه المُحبّين والمريدين، وتحولت وجهة نظرهم من اعتبار القرش كائنًا شريرًا إلى اعتبارها كائنًا عاديًا يشبه جميع الكائنات المفترسة الأخرى الموجودة في العالم، والتي لم تطالها الشيطنة كما حدث مع أسماك القرش الأبيض. ساهم الفيلم أيضًا في زيادة أعداد علماء الأحياء البحرية المهتمين بدراسة كائنات البحار والمحيطات وأنواعها، مما ساهم أيضًا في زيادة معرفتنا ووعينا بكائنات تشاركنا الحياة على الكوكب دون علمٍ منّا.

في النهاية، وبعد مرور 43 عامًا على صُدور الفيلم و44 على طرح الرواية، زاد الوعي في فهم ظروف أحد أذكى وأقوى الكائنات المفترسة على كوكب الأرض، وزادت أعداد المُطالبين بمزيد من الإجراءات للحفاظ عليها من الإنقراض، وعلى الرغم من وجود الكثير من البشر الذين يهابونها ويجدون صعوبة في رؤيتهم بصورة طيبة، أصبحوا أكثر تفهمًا لوجودهم وأكثر دفاعًا أيضًا عن حقهم في الوجود، وهو ما أسعد بيتر بنشلي -صاحب الرواية- كثيرًا وأراحه إلى حدٍ ما وخفف عنه وطأة الشعور بالذنب قبل وفاته عام 2006.