"عبيد ما بعد الألفية": مشاهدات وذكريات عن آخر معاقل العبودية في مصر
رسوم عبد الله أحمد
مجتمع

"عبودية ما بعد الألفية": مشاهدات وذكريات عن آخر معاقل العبيد في مصر

"كنا معًا في ذات المدرسة، نلعب في الساحة نفسها ونُعاقب من المعلمين أنفسهم، وفي الليل يأتي مع والده إلى بيتنا منكسرًا يقدم لي المشروبات قائلاً: (تفضل يا سيدي)"
13.8.18

كان عمري حوالي عشرة سنوات، أتذكر تلك الأيام جيدا أثناء عُرس أحد أعمامي، للمرة الأولى ألاحظ "دهب" (اسم مستعار) وهو يتحرك بخفة وسط الحضور، يخدم الجميع وعلى وجهه ابتسامة مرهقة تشي بالتعب الذي كابده طوال حياته، ومثل أي طفل يقتله الفضول في المناسبات الخاصة كان بداخلي شغف لمعرفة الجميع خاصة هذا العجوز الذي ينادي جدي: "يا سيدي أحمد" ثم بعد قليل سألني عن اسمي وصار يناديني به مسبوقًا بـ"يا سيدي"، بحثت وسط الجمع الكبير عن أصغر أعمامي (يكبرني بنحو 10 سنوات)، كان دليلي في هذه الأيام في الأسئلة الصعبة وكنت دائما أجد إجاباتها عنده بسهولة، أجاب سؤالي بلا اكتراث: "دا دهب من (عبيد) بني رماد".

إعلان

شاءت أقداري أن أترك "جهينة" في محافظة سوهاج الجنوبية وأنتقل مع عائلتي إلى مدينة أخرى، كان ذلك في منتصف تسعينيات القرن الماضي، لكن ظلت في ذاكرتي أطياف العبيد بـ"جلاليبهم الرثة" وعظام وجوههم البارزة، هم وأطفالهم يمرون بخفة وسط الجموع يخدمون الضيوف حاملين صواني المأكولات والمشروبات بمهارة. ظلت تلك الصور ماثلة في ذهني تدفعني للكتابة أحيانًا، وأحيان أخرى إلى تأمل وجود مثل هذا المشهد وقد أطل علينا القرن الواحد العشرين، وفي حديث قريب مع أحد الأصدقاء من جهينة سألته عن موضوع العبيد، حكى بعض المواقف ثم اختتم كلامه: "كنا معًا في ذات المدرسة، نلعب في الساحة نفسها ونُعاقب من المعلمين أنفسهم، وفي الليل يأتي مع والده إلى بيتنا منكسرًا يقدم لي المشروبات قائلاً: (تفضل يا سيدي)"

أطلال العبودية
ربما بدا للبعض الحديث عن وجود بقايا للعبودية في جنوب مصر ضرب من الخيال، يصعب على العقل تصديقه في ظل إلغاء هذه الممارسة الكريهة قبل نحو 150 عامًا على يد الخديوي إسماعيل في القرن التاسع عشر، لكن الحقيقة أن لهذا التوصيف وجود - وإن كان ضئيلاً الآن في 2018 - في الصعيد، خاصة في محافظتي أسيوط وسوهاج، وأيضًا في محافظة الشرقية الواقعة شرقي القاهرة، وتعد تلك المحافظات الثلاث آخر معاقل (العبودية) في مصر، حيث تمتلك بعض العائلات الكبرى ما يطلق عليه محليًا وصف "العبيد"، هذا التوصيف يُعد مخالفًا للقانون ولمبادئ العالم المتحضر، لكن في تلك البيئة شديدة المحافظة يعلو العرف المجتمعي في بعض الأحيان على التشريعات الحكومية.

تاريخيًا ينحدر من سنضطر إلى أن نُطلق عليهم وصف "العبيد" في صعيد مصر، من أصول أفريقية توارثتهم العائلات مع أبنائهم عبر عشرات السنين. عندما قررت الكتابة عن هذا الملف، تحدثت إلى العم محروس أبو عياد، جنوبي على مشارف السبعين من العمر، يمتاز بذاكرة حديدية ويحفظ العديد من أبيات الشعر العربي القديم الذي يُلقيه أحيانًا في مجالس الكبار، والأهم أنه عاصر الزمن الذي كان فيه انتشار العبيد شيئًا طبيعيًا، قال إن الأمر كان بسيطًا في القرن التاسع عشر، حال أراد المرء امتلاك شخص آخر يسمى في المخيلة الجمعية عبدًا، فما عليه سوى التضحية ببعض الأموال في سبيل تلك الوجاهة الاجتماعية التي يحوزها أولئك الرجال الجبارون الذين يجري خدمهم حول دوابهم أثناء تحركهم من مكان إلى آخر في مجتمع محلي متخم بالنعرات القبلية، وهذا ما فعله بالضبط شخص يدعى الحاج أبو اليزيد "اسم مستعار" عمدة عائلة ثرية في ذلك الوقت، تنحدر من تجمع قبلي أكبر يسمى "بني رماد"، بأن استقدم عبدين "مرسال ومرجان"، إلى مركز جهينة في سوهاج.

إعلان

ومن نسل هذين الشخصين تحديدًا "مرسال ومرجان" بدأ الوجود الفعلي لظاهرة العبيد في "جهينة"، ذلك المركز النائي "في حضن الجبل"، الذي يعرف عنه تاريخيًا بين أبناء جنوب مصر بتغليب النعرات العائلية والحفاظ على الأعراف والموروثات القبائلية مثلما يحافظ المرء على دينه أحيانًا.

1532429254155-slavery-001

حامد، اسم مستعار لمدرس لغة عربية في إحدى مدارس جهينة الثانوية، أخبرني أكثر عن العمدة أبو اليزيد العبيد إلى جهينة، إذ كان معروف عنه الجبروت والتجبر، ومن الأحاديث المنتشرة عنه أنه إذا ترك عباءته في مجلس وسط الرجال وانصرف وجب على الحضور عدم مغادرة المكان حتى يعود ولو غاب عنهم ليلة كاملة، ومن يتجرأ على الانصراف يُجلد أمام منزل العمدة، وكان شخصًا قاسيًا إذ كان ينصرف للنوم ويترك عباءته مع جمع من الرجال ضيوفه في "المندرة" حتى الصباح.

شخص بهذه الأوصاف المستبدة - حسب حامد - كان عليه أن يكتسب مهابة أكثر وسط أقرانه من "عُمّد" العائلات الأخرى، بأن يأتي بشيء غريب عن الثقافة المحلية المنتشرة آنذاك، ولما كان موضوع العبيد منعدمًا حتى تلك الفترة في مركز "جهينة"، فقد اعتبر "أبو اليزيد" شراء عبدين أمرًا مهمًا لترسيخ قيمته العائلية، فضلاً عن أن المال المطلوب متوفر وبكثرة، فلماذا لا؟

عبيد العائلة
تصرفات العمدة أبو اليزيد الهوجاء ومن تبعوه في قيادة عائلته، كما أوضح من تحدثنا معهم في جهينة، أهدرت الكثير من الثروات والموارد وانتهى الأمر إلى بيع كل ممتلكات العائلة ومنها "العبيد"، فاجتمعت باقي عائلات "ربع بني رماد" للتدارس في الأمر وانتهى الاجتماع بتوزيع من بقي منهم على العائلات القادرة على سد احتياجاتهم "مأكل ومشرب وسكن وزواج" حتى لا تستولي العائلات المنافسة على "عبيدنا"، بنفس المنطق القبلي. وكان بين العائلات في تلك الفترة خصومات ثأرية وخلافات بين العائلات تؤدي في بعض الأحيان إلى تحول المركز إلى ساحة حرب، لذلك كان الحفاظ على العبيد يشبه الحفاظ على الشرف العائلي.

إعلان

بعد هذا الاجتماع انتشر العبيد بين عائلات "بني رماد"، وصار لكل عائلة عبدًا يخصها وكانت مهمته مع أبنائه الخدمة في أفراح العائلة والمآتم، أحدهم يوزع المأكولات والمشروبات والثاني يصب الماء للرجال أثناء غسل أياديهم والثالث يقف حاملاً منشفة، وبعد انتهاء العرس أو العزاء يحمل العبيد "الدكك"، وهي مقاعد خشبية منتشرة في صعيد مصر تسع أكثر من فرد، إلى أصحابها في القرية كما جمعها قبل حضور المهنئين أو المعزين، أما نساؤهم فكان عليهن الخدمة ومساعدة ربات المنازل في الأعمال المنزلية اليومية وطبعًا في الأيام ذات الطابع الخاص مثل تجهيز طعام الولائم في الأفراح وفضلًا عن الندب والعديد في المآتم.

سكن العبيد في تجمعات على أطراف مساكن العائلات التي استعبدتهم، وكان على العائلة أن تزوج أبناء عبيدها عندما يحين سن الزواج من امرأة من نفس توصيفهم الاجتماعي ولا يحق للعبد بأي حال من الأحوال مجرد التفكير في الارتباط بسيدة حرة.

مهمة أخرى كان على العبيد أن يؤدوها إلى "أسيادهم" وتتمثل في السفر إلى الأبناء المغتربين للدراسة في محافظات أخرى أو العاصمة للإقامة معهم وخدمتهم ليتفرغوا لدراستهم، وكانت تلك من المهام المحببة إلى قلوبهم بسبب تعرفهم على ثقافات جديدة ومجتمعات لا يشاهدونها إلا عبر شاشات التيلفزيون، وبسبب أنهم حالما وُجدوا في مجتمعات أخرى شعروا بالحرية وتحرروا من فكرة كونهم عبيدًا أو مستعبدين، دون أن يكون لهم اختيار أو قرار؛ لذلك راود بعضهم فكرة السفر والهجرة إلى الدلتا.

سكن العبيد في تجمعات على أطراف مساكن العائلات التي استعبدتهم، وكان على العائلة أن تزوج أبناء عبيدها عندما يحين سن الزواج من امرأة من نفس توصيفهم الاجتماعي أي "عبدة" مثلهم، من نفس المدينة أو من مدينة أخرى، ولا يحق للعبد بأي حال من الأحوال مجرد التفكير في الارتباط بسيدة حرة، كان هذا الأمر مستبعدًا تمامًا لأن ضريبته ستكون حتمًا الموت قتلًا على رؤوس الأشهاد.

إعلان

لم يكن لهم دخل ثابت، وتنوع ما يحصلون عليه بين أموال قليلة يمنحها لهم صاحب العرس أو المأتم الذين خدموا فيه، وكان أفضل أيامهم هو موسم الحصاد، حيث يمرون على العائلات التي تمتلكهم ويحصلون على مكافآت عينية من "القمح والذرة وغيرها" لزوم الخبز طوال العام، وفي حال مرض أحدهم كان على العائلة أن تتكفل بمصروفات علاجه هو أو امرأته أو أحد أبنائه.

حسن معاملة "العبيد" كان من الأمور المهمة التي يحرص عليها جميع رجال العائلة، لأنه حال احتاج "العبد" أموالًا ولم ينل ما يريد من أفراد العائلة التي تستعبده، يلجأ إلى آخرين من عائلات أخرى منافسة، وتلك كانت من الأشياء المعيبة في حق العائلة التي يخدمها، لذلك كان "العبد" عندما يشتكي من أحدهم بأنه منع عنه شيئًا ما كان يواجه ذلك الشخص التعنيف من كل رجال العائلة حتى لا يعود إلى فعلته مرة أخرى، لا لأن "العبد" يستحق ذلك من وجهة نظرهم، بل حتى لا يهين العائلة أمام أقرانها أو منافسيها.

ثأر العبيد: المال أو الفضيحة
ويُروى أن أحد العبيد كان يوزع القهوة في مأتم للعائلة التي تمتلكه، وكان أحد الحضور من رجال العائلة معروفًا ببخله وجذوره العائلية العريقة في الوقت ذاته، وكان من المعتاد أن يتجاهل العبد الرجال الذين يضنون عليه بالمال أو العطايا في وقت الحصاد، بأن لا يمنحهم فنجان قهوة، وكان المشهد حينها يبدو مخجلًا بشدة للسيد الذي "لا يملى عين العبد".

وتقول الحكاية إنه لما اقترب العبد بصينية القهوة شعر الجميع بانزعاج الرجل السيد وارتباكه وكذلك شعر العبد بالطبع، لكن العبد كان حصيفَا إذ لم يتجاهله ولم يصب له القهوة أيضًا، اختار حلا وسطًا لا يريق ماء وجه السيد ولا يدفعه للتخلي عن ثأره في الوقت نفسه، فمنحه الكوب فارغًا، عندها أبشر وجه الرجل وظهرت على محيّاه علامات الرضا لأن الجميع لم يلحظوا كون الكوب ممتلئًا أو فارغًا، وكان معتادًا أن يرجع السيد الفنجان فارغًا وبداخله خمسة قروش "شلن"، وكانت المفاجأة - رغم بخل الرجل - بأن رد الفنجان وبداخله جنيه كامل - كان الجنيه يحمل قيمة كبيرة في ذلك الوقت - فما كان من العبد إلا أن هتف سعيدًا وسط العزاء "الله أكبر".

كانت العائلات الكبرى تتحصل على العبيد خلال القرن التاسع عشر بـ"الشراء من تجار النخاسة الذين كانوا يخطفونهم من ذويهم، أو يجلبونهم بالشراء من أفريقيا؛ ليبيعونهم لسادة العائلات واسعة النفوذ والثراء

يُلاحظ الباحث الراحل حسام تمام، في دراسة معنونة بـ"بقايا العبيد في مصر"، بأن "العبيد" على بؤس حالهم كانوا يميلون إلى إطلاق أسماء تحمل معاني الفرح والتفاؤل على أبنائهم. ويشير تمام إلى أن العائلات الكبرى كانت تتحصل على العبيد في القرن التاسع عشر بـ"الشراء من تجار النخاسة الذين كانوا يخطفونهم من ذويهم، أو يجلبونهم بالشراء من دول وسط أفريقيا ويبيعونهم لسادة العائلات واسعة النفوذ والثراء، كما جاء معظمهم عن طريق حملات محمد علي في جنوب السودان".

ويُفرّق المستشرق البريطاني إدوارد لين في كتابه "المصريون المحدثون.. شمائلهم وعاداتهم"، بين الخدم العبيد والخدم من غير العبيد، بقوله: "كثيرا ما يرفع الخادم الكلفة مع سيده، فيضحك ويمزح معه، وفي بعض الأحوال يخضع كل الخضوع ويظهر له كل الاحترام، ويتقبل كل ما يوقعه عليه من العقوبة بهدوء الأطفال.. ويراعي السيد، الخادم العبد أكثر من الخادم الحر، ويحيا العبد حياة توافق طبيعته الكسولة، ويمكنه إذا كان غير راض عن عمله أن يجبر سيده على بيعه".

الهجرة إلى الحرية
كيف يتحرر العبد؟ السؤال يبدو عبثيًا في ظل غياب التعليم، لذلك بقى الحال كما هو عليه في جهينة حتى زمن الناصرية ومجانية التعليم، بسبب الأمية وما يترتب عليها من جهل والاعتقاد بأنه لا عالم آخر خلف تلك الأسوار، لذلك فضّل الكثير من العبيد في جهينة الركون إلى خدمة "الأسياد" بطاعة وتسليم، لكن فيما بعد بسبب تعلم الأبناء بدأ العديد منهم في التطلع إلى الانعتاق والتحرر، فضلاً عن انهيار نفوذ العائلات التي تمتلكهم.

وكان للسفر فضل كبير على جانب كبير منهم في مسألة التحرر، إذ كما أشرنا سابقَا، شاهد "العبيد" عالم آخر غير الذي ولدوا وعاشوا فيه، ما دفعهم إلى التفكير في الحرية والمساواة مع غيرهم، وحال فشلوا هم في التحرر، دفعوا أبنائهم إلى السفر ونيل الحرية. وقد سافر العديد من العبيد إلى الدلتا والإسكندرية واستقروا هناك وحاولوا تأسيس حياة أسرية بالزواج من بنات المدن التي هاجروا إليها، ونجح بعضهم في ذلك عبر إخفاء أصولهم الحقيقية عن أصهارهم، وفي حالات أخرى اكتشف الأصهار الحقيقة بعد الزواج، وانتهت كثير من تلك الزيجات بالطلاق، فما زال البعض في مصر ينظر إلى هذه الأمور نظرة مغرقة في الرجعية.

أحوال بقايا العبيد
ظل وضع العبيد قائمًا بصيغته التي أوضحتها سابقًا حتى حدثت الطفرة في التعليم، حينها بدأ ما يمكن تسميته التسرب الفعلي إلى الحرية، وحدث هذا بنعومة وبطء شديدين وهو الأمر الذي كفل انتقالهم إلى الضفة الأخرى من المجتمع دون مشاكل تذكر أو مشاحنات مع الأسياد السابقين، والآن بقت جيوب صغيرة للعبودية، وحكي لي أحد أعمامي في مكالمة قريبة عن أن أحد العبيد مازال حتى الآن يؤدي مهامه السابقة دون أي تغيير، حتى أنه يذهب كل عام صيفًا إلى الإسكندرية ومرسى مطروح ليقتات من المهاجرين من أبناء العائلة التي تملكه "تاريخيًا"، فيما فضلت الأكثرية التنعم بحياة الحرية في محافظات أخرى أو في جهينة نفسها، عبر العمل في المصالح الحكومية كسعاة أو في مهن بسيطة لا تتطلب مهارات تذكر غير الطاعة أو القوة البدينة أحيانًا.

(تم تعديل المقال وحذف عبارة تتضمن الإشارة لدول باعتبارها مصدر الأشخاص الذين وقعوا تحت العبودية في بعض مناطق مصر)