مرأة

ماذا يعني أن تكوني "سترونج اندبندنت وومن"؟

تضايقني ازدواجية المجتمع فيما يتعلق باستقلال المرأة، فهو يشجع استقلالها في النواحي التي تصب في مصلحته
5.8.18
استقلالنا كنساء

منذ فترة وعبارة "سترونج اندبندنت وومن" -امرأة قوية مستقلة- تثير سخرية كثيرين، ويبدو لهم مصطلح "استقلال المرأة" مضحكًا حينًا، أو ينبئ بـ"انحلال أخلاقي" ما حينًا آخر. السبب الأساسي في هذا أن لا أحد يفهم قضية استقلالنا كنساء أصلًا، ولا لماذا نخوض في سبيله الكثير من الكفاح والتعب، ونتحمل هجومًا وتشويهًا غير عقلانيين، وأحكامًا ظالمة. بصفتي "سترونج اندبندنت وومن" أحب أن أشرح كيف أعيش، وما يعنيه أن أكون قويةً ومستقلة.

استقلالنا قضية واحدة
مارست استقلالي بشكلٍ تلقائي منذ طفولتي، وبالنسبة إليَّ كان هو الشكل الطبيعي للحياة. كنت أهتم بكل ما يخصني دون تدخل من أحد، أمارس الهوايات التي أحبها وأخرج للنزهة وقتما أحب، وطالما استغربت صديقاتي اللاتي يُمنعن من أبسط الأنشطة لأنهن "بنات" ويبذلن الكثير من التذلل والتمثيل والخدع السينمائية لإقناع عائلاتهن بأي شيء، ثم يفعلنه تحت الحراسة وهن يبكين لضيق الوقت المخصص لهن. حين كبرت بدأت تضايقني ازدواجية المجتمع فيما يتعلق باستقلال المرأة، فهو يشجع استقلالها في النواحي التي تصب في مصلحته، مثل إدارتها للبيت واضطلاعها بالأعمال المنزلية وحدها، واعتمادها على نفسها في رعاية أهلها ووظيفتها دون أي مساعدة أو شكوى، ويستفيد بهذا كل رجل تخدمه أمه ثم أخته ثم زوجته ثم ابنته على مدار حياته. تحمل هذه المسؤوليات اليومية درجة مهمة جدًّا من الاستقلالية لا يتمتع بها أغلب الرجال، الذين يموتون جوعًا لو عاشوا وحدهم يومين، وتتحول بيوتهم إلى حظيرة فوضوية. ولكن إذا رغبت المرأة في استكمال طريق استقلالها لآخره، لتتحكم في حياتها وأموالها ومصيرها والشكل الذي تريده لمستقبلها، بل وحتى المظهر المناسب لشخصيتها، ينقلب الكل عليها ويطاردها بعبارات تُسفِّه منها، ويطالبها بالبقاء في المنزل، وبمنتهى الوقاحة يسأل: "ماذا تريدين من وظيفتك أصلًا؟

لا أفعل ما تتخيله
يعتقد البعض أن استقلال المرأة هو بوابة المجون، وأن كل مستقلة -بالتأكيد- تروي عطشها بالخمر، وتلتهم المخدرات على الإفطار، وتنفق أموالها على المكياج والملابس لتصبح فنانة إغراء. صورة كوميدية جدًّا لا تمت للواقع بأي صلة. الاستقلال ما هو إلا حياة عادية كحياة أي فتاة أخرى، الفارق الوحيد أنني أتحمل كل مسؤولياتي كأي شخص ناضج آخر، أهتم بمنزلي ونفسي وأعمل بجد، وأدفع فواتيري وإيجاري وأؤثث بيتي، وأساند عائلتي ماديًّا، بجانب الادخار لأجل السفر ثم سنوات التقاعد. باختصار: هو كل ما تفعله أنت في حياتك اليومية دون أن يصدر عليك الآخرون أحكامًا ويسيؤون الظن بلا مبرر.

إعلان

لا أريد ترك منزل عائلتي
من أكثر النقاط التي يظن البعض أنهم "ينسفون" بها قضية الاستقلال، هي تسويقهم لأن كل مستقلة تريد ترك منزل عائلتها والعيش وحدها، متصورين آلاف الأسباب المريضة خلف هذا. بالفعل هناك مستقلات يعشن بعيدًا عن العائلة، إمَّا للدراسة أو العمل في محافظات وبلاد أخرى، أو هربًا من العنف المنزلي والزوجي، لكن ترك المنزل ليس خطوة أساسية في الاستقلال؛ فالكثير من المستقلات يعشن مع عائلاتهن دون مشكلة، ويتحملن مسؤولية الأسرة جزئيًّا أو كليًّا وفقًا للظروف، لأن استقلال المرأة بالأساس متعلق بإدارتها لحياتها واختيار طريقة عيشها دون تدخل من أحد، ودون إكراه أو مساومة على أبسط حقوقها، وليس بأين تعيش ومع من.

شخصيًّا، أحظى بحياة طبيعية في منزل عائلتي، لهذا لم أفكر نهائيًّا في الاستقلال بمنزل منفصل، لأنه لا مبرر لاختيار الوحدة في وجود أسرة تتقبلني كما أنا، ولا تؤذيني لمجرد أني مختلفة فكريًّا وفي نمط الحياة. ولكن ماذا لو لم أكن محظوظة بهذه البيئة اللطيفة؟ بالتأكيد كنت سأستقل بحياتي كما تفعل كثيرات إنقاذًا لأنفسهن ولأطفالهن من آباء قساة يستعملون العنف والتعذيب وسيلةً للسيطرة، وحينها يكون من الوقاحة اتهامهن باللا أخلاقية لأنهن يسعين للعيش بأمان وهدوء.

أخاف الصراصير ولا أفتح برطمان الصلصة.. ما المشكلة؟
"سترونج إندبندنت وومن حتى يأتي الصرصار.. ههههههه"، هذه واحدة من النكات البلهاء التي يخترعها البعض للسخرية من أي سترونج اندبندنت وومن، يسخرون من كونها "قوية مستقلة" وفي نفس الوقت تخاف الحشرات أو تعجز عن فتح برطمان الصلصة أو تبكي لأنها انفصلت عن حبيبها مثلًا. أعتقد أن السبب يرجع لربط استقلال المرأة وبين "الاسترجال" البعض يفترض أننا نتخلص من أنوثتنا مع استقلالنا، ونكتسب عضلات مصارع، ونكره كل الرجال. مرة أخرى.. استقلالنا كنساء موقف شخصي من الحياة، وطريقة نختارها لإدارة أمورنا لا أكثر. بالتالي فأنا أنزعج من الصرصور، وتخذلني يدي عن فتح زجاجة البيبسي فأطلب مساعدة أخي ليفتحها لي، لا تعارض بين كل هذا. الأمر لا يختلف عنك كرجل قوي وفي نفس الوقت لا تستطيع سلق بيضة دون إحداث حريق.

متاعبي تختلف عما تتوقع
كمستقلة، لي متاعب لا يتخيلها السادة المنظِّرون على أسلوب حياتي، مثلًا.. راتبي الذي يتأخر غالبًا فأجد نفسي مهددة بعدم دفع التزاماتي المادية، فأدخر ما يكفي احتياطًا شهرًا بعد شهر. أمَّا وعكاتي الصحية عندما أكون وحدي بالمنزل فهي كابوسي الأعظم، لأن أي نجدة أطلبها تصل بعد ساعات، خلالها يفترسني تفكيري أني لو مت الآن فلن يشعر بي أحد. بجانب هذا أعاني من تخطيطي المستمر للمستقبل، خصوصًا في بلدٍ مضطرب اقتصاديًّا، تتنزل عليَّ قراراته كالمصائب لتنسف كل استقرار اجتماعي أحصل عليه. لقد خسرت كل ما أملك في قرار تعويم الجنيه المصري في نوفمبر 2016، ومنذ ذلك الحين أعاني من وسواس الاستقرار وتأسيس حياة آمنة قدر الإمكان، وتفكيري بخصوص تحقيق هذا يشبه لوحة سيريالية.

الأسوأ من هذا هو معاملة الآخرين لي كأني لا أتعب، والأعباء التي توضع عليَّ باستمرار، ماديًّا ونفسيًّا وعاطفيًّا، وكأن الاستقلال صك يؤكد أني منزوعة الإحساس ولا بأس من طحني. لو وضعنا هذا في إطار يشمل التحرش اليومي، والمواصلات غير الآدمية، وظروف الحياة العسيرة، لأمكننا رؤية الحد الأدنى من حياة ومعاناة كل سترونج اندبندنت وومن في مصر.

الرد الجاهز علينا هو "اجلسن في المنزل" ولكن المشكلة ليست في خروجنا للحياة، المشكلة أن الحياة نفسها تعادينا، وترفض أن تعاملنا بشكلٍ طبيعي يحترم إنسانيتنا أولًا. ما تعانيه المرأة المستقلة يشبه ما يعانيه أي رجل مستقل أو عامل أو يعول عائلة، الفرق الوحيد أن المجتمع يصمنا ويضطهدنا لمجرد أننا نساء، يعمي عينيه عن تفاصيل كثيرة تستنزفنا، ويركز على الخيالات الحمقاء التي يظنها بشأننا، وأسهل الحلول التي يقدمها أن يقصينا من الصورة أصلًا، بدلًا من تقبلنا.

من وجهة نظري، النساء يتمتعن بشخصيات أكثر استقلالًا من الرجال في مجتمعنا، لكنه استقلال محدود بمدى استغلالنا، وإذا حاولنا أن نبني حياةً وشخصيةً لأنفسنا نُحارب بكل قوة وقسوة. نحن قادرات على إدارة حياتنا بشكل ممتاز، لا نغرق "في شبر مية" لو عشنا وحدنا، ندبر كل الظروف الصالحة للحياة بأبسط الإمكانيات ونسعد بها، لهذا حين ينادي البعض بأن أجلس في المنزل كطفلة تنتظر عطف الآخرين، ابتسم باستخفاف وأوقن أنه لا يعرف نشوة أن يكون موجودًا، إنسانًا كاملًا مسيطرًا على تفاصيل حياته، لأن قضية الاستقلال -أصلًا- قضية وجود.