Nobody-born-blind-has-ever-been-diagnosed-with-schizophrenia_LK
COLLAGE BY LIA KANTROWITZ. IMAGES VIA SHUTTERSTOCK

صحة

الأشخاص الذين ولدوا فاقدي البصر محميون من الإصابة بانفصام الشخصية

قد تساعدنا التفسيرات المحتملة في فهم هذه العلاقة بشكل أفضل
Shayla Love
إعداد Shayla Love
14.6.20

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE US

هو أمر غريب، يتم الاشارة له إليه مرارًا وتكرارًا، يرافقه شعور بالذهول والحيرة: لماذا لم يتم تشخيص أي شخص ولد فاقداً للبصر بانفصام الشخصية schizophrenia؟ على مدار الستين عامًا الماضية، ظل العلماء حول العالم يحاولون فهم هذا اللغز. لقد حللوا ودرسوا ومشطوا عنابر مستشفيات الأمراض النفسية والمؤسسات التي تعالج المكفوفين، في محاولة لإيجاد أي حالة بدون أن نجاح.

في عام 2018، شملت دراسة بقيادة الباحث فيرا مورجان في جامعة غرب أستراليا ما يقرب من نصف مليون طفل ولدوا بين 1980 و 2001 ولم يجدوا أي حالة انفصام شخصية لأي شخص كفيف. توم بولاك، وهو طبيب نفسي وباحث في كلية كينجز لندن، يقول أنه أيضاً قام بفحص مستشفى الصحة العقلية حيث يعمل، ولم يتمكن من العثور على مريض كفيف واحد يعاني من انفصام الشخصية.

إعلان

تشير هذه النتائج إلى أن شيئًا ما يتعلق بالأشخاص الذين ولدوا فاقدي البصر، محميون من الإصابة بالـ شيزوفرينيا. وهذا أمر مثير للدهشة، لأن فقد البصر غالبًا ما ينتج عن العدوى أو صدمة الدماغ أو الطفرة الجينية - جميع العوامل التي ترتبط بشكل مستقل بزيادة خطر الاضطرابات الذهانية، كما أن فقدان البصر لاحقاً في الحياة يرتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بالانفصام والأعراض الذهانية. حتى في الأشخاص الأصحاء، يمكن أن يؤدي حجب البصر لبضعة أيام فقط إلى الهلوسات. كما أن هناك رابطة بين تشوهات الرؤية وانفصام الشخصية حيث تم العثور على تشوهات بصرية قبل أن يعاني الشخص من أي أعراض ذهانية.

يوجد عدد لا يحصى من النظريات حول هذه العلاقة - من المرونة العصبية لدماغ فاقد البصر إلى كيفية لعب الرؤية دورًا مهمًا في بناء نموذجنا للعالم (وما يحدث عندما تسوء هذه العملية). يعتقد بعض الباحثين أن الروابط بين الرؤية والأعراض الذهانية تشير إلى وجود علاقة جديدة يمكن اكتشافها في هذا الشأن، وقد تساعد بايجاد أدلة حول أسباب الـشيزوفرينيا، وكيفية التنبؤ بمن يصاب به، وكيف يمكن معالجته؟

هناك صلة تم التأكيد عليها منذ مدة طويلة بين فقدان البصر والهلوسة، منها متلازمة تشارلز بونيه Charles Bonnet syndrome التي تم وصفها لأول مرة في عام 1760، حيث يعاني الأشخاص المصابون بفقدان البصر من هلوسة بصرية متكررة ومعقدة (تصورات بصرية خيالية). هذه الهلوسات لا تعني بالضرورة مرضاً عقلياً، على الرغم من أن الأشخاص المصابين بالانفصام قد أظهروا بانتظام أنهم يعانون أيضًا من مشاكل في البصر. كما أن وجود حركات العين غير العادية، ومشاكل في شبكية العين، ومعدلات الوميض غير المعتادة، وغيرها من الانحرافات البصرية تجعل من المرجح أن يتم تشخيص الشخص بالـشيزوفرينيا. وقد وجدت إحدى الدراسات أن مشاكل الرؤية هذه تبدأ قبل أن يعاني الشخص من أولى النوبات الذهانية، وليس بعدها.

الفكرة التي نحاول أن ندرسها هي أن هناك شيء مختلف في تمثيل واستقرار العالم الداخلي في المكفوفين خلقيًاً. هذا الاستقرار، بطريقة ما، يحميهم من الأخطاء والاستدلالات الزائفة التي تحصل مع المصابين بالفصام والاضطرابات الذهانية

ولكن هذه العلاقة تتلاشى تماماً بين الأشخاص الذين يولدون بلا بصر. لدى بولاك وفيل كورليت، أستاذ مشارك في الطب النفسي وعلم النفس في جامعة ييل، نظرية حول هذا السبب - تم نشرها في أواخر العام الماضي في مجلة Schizophrenia Bulletin. الفرضية تقول بأن واحدة من أهم وظائف دماغنا هي عمل تنبؤات حول العالم. في حالة فقدان البصر، ما يحدث هو أنه بدلاً من إدراك العالم من حولنا في الوقت الحقيقي، تقوم أدمغتنا بإنشاء نموذج لما هو موجود هناك، والتنبؤ ومحاكاة ما نختبره، ثم مقارنة توقعاتنا بما يحدث بالفعل -باستخدام أي أخطاء لتحديث أو تغيير النموذج في أذهاننا. ويقول بولاك أن البصر يقدم لنا الكثير من المعلومات حول العالم من حولنا، ويساعد على الربط بين الإشارات الحسية الأخرى، مثل الصوت واللمس. ما يعني أنه في حال لم تتمكن من رؤية أي شيء، فلن تقوم ببناء تلك التمثيلات الخاطئة للعالم من حولك.

هذا الربط قد يساعد هذا الباحثين على شرح العلاقة ما بين الرؤية والمعالجة الحسية في وقت مبكر للأشخاص المصابين بالـشيزوفرينيا. في دراسة عام 2006 أجرتها إيلين ووكر في جامعة إيموري، تم دراسة الأفلام المنزلية للأشخاص الذين تم تشخيص إصابتهم بالـشيزوفرينيا عندما كانوا أطفالًا. كان الكثير من الأطفال غير قادرين على التصرف بتوازن في مقاطع الفيديو، مثل قيامهم بإسقاط الكرة بشكل متكرر أثناء الالتقاط، أو التعثر. وهو ما يقترح أن هناك نوعًا من الانفصال مع طريقة استشعارهم وتفاعلهم مع العالم. الأطفال الذين ينتهي بهم الأمر بالإصابة بالـ شيزوفرينيا، سواء لديهم تاريخ عائلي أو بدونه، كان لديهم مشاكل أكثر في بصرهم مقارنة بالأطفال الذين يصابون بأمراض غير ذهانية أو أمراض نفسية أخرى.

إعلان

في حال الشخص الذي ولد فاقداً للبصر، فإن المدخلات البصرية التي تساعد في تشكيل نموذجه للعالم، غير موجودة، مما يعني أن عليهم أن يبنوه بحواسهم الأخرى - وهو ما قد يقدم نموذجاً للعالم من حولهم يمكن أن يكون أكثر استقرارًا. ويشير بولاك: "الفكرة التي نحاول أن ندرسها هي أن هناك شيء مختلف في تمثيل واستقرار العالم الداخلي في المكفوفين خلقيًاً. هذا الاستقرار، بطريقة ما، يحميهم من الأخطاء والاستدلالات الزائفة التي تحصل مع المصابين بالـشيزوفرينيا والاضطرابات الذهانية."

الهلوسات والأوهام والسلوك لدى الأشخاص المصابين بالـشيزوفرينيا معروفة جيدًا. لكن ستيف سيلفرستاين، الطبيب النفسي بجامعة روتشستر، يشير إلى إنه وآخرون ينظرون إلى هذه الأعراض على أنها آثار جانبية، وليست السبب المباشر. في الواقع، يمكن أن تكون الـشيزوفرينيا أكثر تجذرا في العجز المعرفي - الاضطرابات في الإدراك أو الانتباه أو الذاكرة أو اللغة أو التعلم. في عام 2010 قرأ سيلفرشتاين كتاب Blind Vision – وهو كتاب للعالميْن زايرا كاتانيو وتوماسو فيكي، حول القدرات المعرفية وتجارب المكفوفين: "لقد أدهشني عدد التعويضات التي يبدو أن الدماغ يقوم بها، أو المهارات التي يطورها المكفوفين، يبدو أنها عكس ما تجده في الـشيزوفرينيا." سيلفرشتاين يعتقد أن فقدان البصر يقوي الدماغ بطرق مختلفة - وبنفس الطرق التي يضعف بها عندما يصاب شخص بالـشيزوفرينيا.

أود أن أقول إن هناك على الأرجح حوالي 20 طريقة تجعل الأشخاص الذين يولدون مكفوفين أفضل في المتوسط من عموم السكان

لنأخذ هذا المثال، هناك شيء يسمى الانتباه الانتقائي عندما يتعلق الأمر بحاسة السمع، وهي القدرة على البقاء منتبهًا لمصدر واحد للمعلومات السمعية -على سبيل المثال، عندما تكون في حفلة وتستمع إلى شخص واحد دون السماح للأصوات من بقية الغرفة والتي قد تشتت انتباهك. يختبر الباحثون الانتباه الانتقائي من خلال تشغيل ضجيج واحد في أذنك اليسرى وضوضاء مختلفة في يمينك، ويطلبون منك الانتباه إلى واحدة وليس الأخرى.

يشير سيلفرشتاين إلى إن الأشخاص المصابين بالـشيزوفرينيا أظهروا مشاكل في الانتباه الانتقائي، في حين أن الأشخاص الذين ولدوا مكفوفين كانوا أفضل في هذه المهمة من الأشخاص المبصرين. عند مقارنتهم بالأشخاص المبصرين، فإن المكفوفين خلقيًا أفضل في سماع نغمات الصوت المختلفة، والتفرقة بين النغمات، وتحديد مصدر الأصوات. الأشخاص المصابون بالـشيزوفرينيا هم عكس ذلك اماماً، فهم عادة ما يواجهون صعوبة في الاستماع، وعدم القدرة على معرفة مصدر الأصوات بشكل صحيح يمكن أن يؤدي إلى يعتقد الشخص أن صوته قادم من مكان آخر، ويساهم في التفكير الوهمي.

إنها قائمة مقنعة تطول وتطول: المكفوفين أفضل من المبصرين في وقت رد الفعل لكل من الصوت واللمس. فيما يظهر مرضى الـشيزوفرينيا عجزًا في هذه المناطق. لدى المكفوفين ذكريات عمل أفضل، فيما يمكن أن يعاني الأشخاص المصابون بالـشيزوفرينيا من ضعف في الذاكرة. ويضيف سيلفرشتاين: "أود أن أقول إن هناك على الأرجح حوالي 20 طريقة تجعل الأشخاص الذين يولدون مكفوفين أفضل في المتوسط من عموم السكان."

إن التفسير الملموس لماذا يحمي فقدان البصر الخلقي من الـشيزوفرينيا لا يزال غير واضحاِ تماماً- سواء كان هذا مرتبطاً بكيفية تخيل العالم، أو وجود دماغ أكثر اتصالا، أو الاعتماد على حواس أخرى. ولكن يبدو أن فقدان البصر الخلقي لا يحمي من أي مرض عقلي آخر، فقد تم الإبلاغ عن أن المكفوفين خلقيًا يعانون من اضطرابات الأكل ورهاب العناكب - يمكن أن يعاني الشخص من هذه الاضطرابات دون أن يرى عنكبوتًا. وإذا ولد الشخص كفيفاً وأصماً، فقد يعاني من مخاطر أعلى للذهان أو الهوس.

ويشير سيلفرشتاين أنه من غير الواضح لماذا حيت يتم إضافة الصمم إلى هذه التركيبة تضيع الحماية التي يبدو أن فقدان البصر يوفرها. وكتب سيلفرشتاين في ورقة بحثية عام 2013: "أحد الاحتمالات هو أن فقدان البصر بحد ذاته يمثل تحديًا يمكن التغلب عليه للتعامل مع البيئة، وبالتالي يعزز التغيرات الحسية الإدراكية والمعرفية التي تؤدي إلى مستوى عالٍ من الأداء. من ناحية أخرى، قد يؤدي الصمم وفقدان البصر إلى تقييد فرصة التفاعل البيئي بشكل خطير لدرجة أنه يعيق تطوير استراتيجيات التكيف المعرفي."

وينهي سيلفرشتاين بالقول: "في هذه المرحلة، لا أعتقد أنني سأذهب إلى حد القول أن دراسة العلاقة بين فقدان البصر والـشيزوفرينيا هي واعدة، ولكنها مثيرة للاهتمام، لأن فقدان البصر هو الشيء الوحيد الذي يبدو أنه يقي من انفصام الشخصية. أعتقد أن هناك شيئًا ما هنا، ويجب البحث في هذا الأمر أكثر."