رأي

لماذا نخشى كنساء التقدم في العمر؟

لمَ عليّ أن أشعر بالفخر والانتصار لكوني أبدو أصغر سناً؟
26.8.19
مرأة

في عيد ميلادي الأربعين، وبعد انتهاء الاحتفال الصغير الذي أقمته مع صديقاتي المقربات، بدأت أسترجع كيف تحول هذا اليوم الجميل إلى يومٍ أدافع فيه عن عمري. أذكر أن المحادثات بعد التهنئة والتمني بطول العمر لم تخلُ من التساؤلات عن شعوري حول تقدمي في العمر؟ ماذا أفعل كي أبدو أصغر؟

والذي لفت نظري أن المديح كان "لا تقلقي تبدين فعلاً أصغر." تناقشت يومها مع صديقاتي أن هذا النوع من المديح لا يطري النساء في الحقيقة ولو أنه يبدو إيجابياٌ ومشجعاً لكنه يعزز التمييز الجنسي ضد النساء، ويساهم في خلق خوف غير مبرر لديهن بأن العمر يلتهمهن. فضلاً عن ذلك، لمَ عليّ أن أشعر بالفخر والانتصار لكوني أبدو أصغر، وما سبب انتشار هذا الضغط والهوس عند النساء حيث يكاد أن يشكل هذا الموضوع محور كل أحاديثنا ونقاشاتنا؟

إعلان

لمَ لا أشعر بالفخر بإكمالي العقد الرابع من عمري في ظل تصالحي مع خسارتي لنضارة بشرتي وانخفاض جفنيْ عينيّ وظهور الشعر الأبيض في حاجبيّ؟ رهاب الشيخوخة هو أمر تعاني منه معظم النساء في العالم وتشير طبيبة النفس المتخصصة بالأمراض النفسية والعقلية للمرأة ماري بيفر، أن مصطلح Ageism ويعني التمييز ضد كبار السن وتحديداً النساء الذين يخشون التقدم في العمر ويحاربونه بشتى الطرق. وقد يكون دليل على رهاب الشيخوخة (الجيروسكوفوبيا) gerontophilia وهو مصطلح يعني القلق والخوف المفرط من التقدم في العمر والتغيير في الشكل ويتضمن كذلك كراهية كبار السن بحسب تعريف القاموس الطبي.

يبدأ الحديث بين النساء عادة بالسؤال عن الأحوال، وينتقل فوراً للنقاش حول الوزن والعمر. مع إدراج عبارة "تبدين أصغر في العمر" كمديح ذهبي يقال لإدخال البهجة على قلب أي امرأة

تدخل الكثير من النساء في شكل من الصراع النفسي مع أعمارهن وتجدن صعوبة قصوى في الإفصاح عن الرقم الحقيقي ما إن يدخلن الثلاثينيات بل وأحياناً العشرينات. يبدأ الحديث بين النساء عادة بالسؤال عن الأحوال، وينتقل فوراً للنقاش حول الوزن والعمر. مع إدراج عبارة "تبدين أصغر في العمر" كمديح ذهبي يقال لإدخال البهجة على قلب أي امرأة (أتحدث بالطبع هنا بعمومية لإيصال الفكرة). يرجح البعض إلى أن هذه الأنماط السلوكية هي جزء من طبيعة المرأة وسيكولوجيتها، عجباً كيف تغيب الدراسات النفسية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن الساحة حين يتم تقييم وضع المرأة!

ولكن ما هو السبب الذي يدفع بالنساء بشكل خاص، لتجنب عملية طبيعية وحتمية كالتقدم في السن؟ بل ولدفع مبالغ طائلة للقص والشد وحقن الوجه بالسموم والإبر واستعمال مبيضات البشرة؟ وكيف أصبح الهوس بالشكل والمظهر وعقدة الذنب والشعور بالقلة والعجز ظاهرة منتشرة في مجتمعاتنا العربية؟ حاولت البحث في الموضوع، وتوصلت لعدة أسباب وراء الخوف المتزايد من تقدم العمر أهمها:

إعلان

تجارة الجمال والشركات والإعلانات الداعمة لها
تغزو مستحضرات التجميل الكثيرة المخصصة تحديداً للنساء الأسواق، وجميع إعلاناتها الترويجية تصوّر المرأة المسنة وتجاعيدها على أنها وضع غير آمن يجب الخلاص منه. وقد بدأت هذه الحملات المكثفة من قِبَل الرأسمالية العالمية وانتشرت في عالمنا منذ سبعينيات القرن العشرين، ونجحت النساء النسويّات اللواتي طالبن بحقوقهن المدنية في نيل حق التصويت ثم الاستقلالية الاقتصادية في الغرب. لكن، وبحسب تحليل الكاتبة النسوية الأمريكية نعومي وولف في كتابها "خرافة الجمال": "بدأ النظام الأبوي بخلق مقاييس جديدة للمرأة لكبح جماح ثورتها والتحكم فيها من جديد، فبعد أن كانت مقاييس المرأة المثالية هي ربة البيت والأم الصالحة، تم إدراج معايير جمال الوجه والجسد ضمن المقاييس الجديدة، وقد سوقت لها بقوة النجمات والممثلات والعارضات ذوات المقاسات المعينة."

تحوي الإعلانات التي تعرض النساء في الشوارع والمجلات رسائل مضمّنة: كيف تبدين أصغر؟ كيف تتخلصين من تجاعيد الوجه؟ كيف تستعيدين شبابك؟ يقابله اهمال وتقصير في إبراز وتمجيد إنجازات المرأة في كل المجالات الفكرية والعلمية والأدبية

بنظري مثّل هذا التقييد الجسدي الجديد بشكله الرأسمالي موجة انتقلت إلى العالم العربي ليشمل البعديْن القديم والجديد، فنرى الكثير من النساء اليوم يصارعن الزمن للبقاء جميلات وصغيرات. إنتشار عمليات التجميل بشكل مفرط مدعومة بإعلام يروج لتلك المقاييس لم يساعد المرأة بتكوين صورة صحيحة عن نفسها وتعاملها مع جسدها. خبيرات وخبراء التجميل وبرامج إعادة تأهيل الشكل (Makeover) وكل أنواع الإعلانات التي تُعرض في الشوارع والمجلات جميعها لديها رسالة مضمّنة واحدة: كيف تبدين أصغر؟ كيف تتخلصين من تجاعيد الوجه؟ كيف تستعيدين شبابك؟ في المقابل، هناك إهمال وتقصير كامل في إبراز وتمجيد إنجازات المرأة في كل المجالات الفكرية والعلمية والأدبية. وكأن أحداً يصرخ في وجهك ليلاً نهاراً "ابقي صغيرة لتكوني جميلة."

وبرغم وجود إعلانات تشجيعية وايجابية لشركات كبيرة مثل دوف واستخدامها لنساء من أعمار وأوزان مختلفة لدعم الصورة الجسدية للأنثى، إلا أن هذه الإعلانات جاءت متأخرة نوعاً ما بعد عقود من التنميط والحد من الفاعلية أمام الصورة السلبية المفروضة والمكثفة من قبل شركات رأسمالية ضخمة تُبَثّ يومياً في جميع وسائل الإعلام، بأن شكل وعمر المرأة هو المفتاح للسعادة.

إعلان

معايير الزواج
لا يَخفى على أحد حملة "محاربة العنوسة" التي روجت لها الأنظمة الأبوية في العالم العربي والإسلامي خلال الخمس سنوات الماضية، والتي ادعت انّ تقدم النساء في العمر هو سبب تضييعها لفرص الزواج، وبالتالي رأت الحل في القبول بأن تكون زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة، معتبرة أن المرأة التي شارفت على الثلاثين هي "عانس" تحتاج للإنقاذ وبدون زواج لن تجد سعادتها وأمنها واستقرارها. هذا في حد ذاته موقف عنصري ضد النساء يرى قيمتها في جسدها، مرتبطة بالمنفعة الجنسية التي تقدمها للرجل، فضلاً عما تتعرض له الفتاة بشكل عام من ضغوطات لتقبل بالزواج من أول متقدم قبل فوات "القطار" كما يسمونه. وبسبب هذه المفاهيم الذكورية، تفاقمت الخروقات الشخصية لجسد المرأة، فهي لا تعتبر كائناً حراً قائماً بذاته بل يُنتظر منها الكمال المتمثل بمقاييس وشروط ذكورية مثل العذرية ومهارات الطبخ، والأهم من هذا كله، الجسد اليافع.

شرطة جسدية اجتماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تختزل النساء في الجسد -الأداة بوجود وصاية عامة على تفاصيل حياتها وجسدها وكلامها وسلوكها، بحيث يصبح جسدها العامل الأساسي لنيل الاحترام أو عدمه

الشرطة الجسدية
تضج البرامج والأخبار الفنية والاجتماعية على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بأخبار النساء اللواتي ينتقدهن المجتمع لزيادةٍ في الوزن أو لارتدائهن ثياباً لا توافق الصورة الذكورية المفروضة عليها. شرطة جسدية اجتماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تختزل النساء في الجسد - الأداة بوجود وصاية عامة على تفاصيل حياتها وجسدها وكلامها وسلوكها، بحيث يصبح جسدها العامل الأساسي لنيل الاحترام أو عدمه، للتقدير أو التعهير. ومن هنا بدأت عملية التقييم والنصح والمراقبة، حتى وصلت المرأة بعد كل هذه الممارسات نفسياً، بوعي أو بدونه، إلى تطبيق هذه الشروط، مقتنعة بأنها في خطر دائم، ووجب عليها تحقيق المستحيل للحفاظ على شبابها الأبدي.

غياب التمثيل الإيجابي
المرأة التي تصرح بعمرها الحقيقي وتحارب مقاييس الجمال وتفتخر بتجاعيدها مثال نادر جداً في مجتمعاتنا وخاصة إعلامنا. بل وعلى العكس تماما،ً يتم تحقيرهن بالعادة، مثلاً مهاجمة الدكتورة نوال السعداوي في عدة مقابلات لأنها لا ترغب بصبغ شعرها الأبيض وتبدو كبيرة في السن، بالإضافة إلى المقارنة المثيرة للسخرية بين عمر هيفاء وهبي وعمر ميريام فارس في برنامج مع طوني. حتى على وسائل التواصل الاجتماعي، غالبٌا ما تصادفنا عبارات مقيتة لكل النساء الكبيرات في العمر بوصفهن كـ "عجوز شمطاء" "ختيارة عايفة حالها" "متصابية" أو "على حفة قبرها" -طبعاً، هذه الصفات نفسها لا يتم وصف الرجال بها، وكأن الرجال لا يكبرون ولا يموتون.

ينفق العالم 247 مليار دولار سنوياً على مستحضرات مقاومة التجاعيد والتقدم في العمر

لا شك أن هناك عدد متزايد من النساء اللواتي يفتخرن ويُصرحن بعمرهن الحقيقي، ولكن ما زالت العقلية السائدة في امتناع النساء عن البوح بعمرهن الحقيقي شائعة ومتفشية- وحتى التي تبوح عن عمرها تقابَل باستغراب كبير وكأنها تأتي فعلاً غريباً وغير اعتيادي. الخوف من التقدم في العمر ليس أمراً سهلاً علينا جميعاً، فبحسب سيسيليا اولورثي المؤسسة لمجموعة أوكسفورد للبحوث، فإن العالم ينفق 247 مليار دولار سنوياً على مستحضرات مقاومة التجاعيد والتقدم في العمر. ولكن هوس الصورة الخارجية يسلبنا هويتنا الحقيقية ووعينا الذاتي، أنها تخدعنا وتسرقنا من المساهمة في تحسين العالم ككل، فلو استخدم هذا المال في محاربة الفقر وإنقاذ الأطفال من الموت، "فسنحقق ذلك وأيضا سيبقى فائض 37 مليار لإنقاذ البشرية من الكوارث حول العالم،" كما تشير سيسيليا، كما أن إدراكنا لهويتنا الحقيقية أمر بالغ الأهمية لسعادتنا.

هوس الجمال متعب ومرهق ولا ينتهي أبداً. وقد كنت ضحية هذه الصورة عندما ناهزت الثلاثين من عمري، وأرهقتني مادياًَ ونفسياً وفعلًا لم أشعر بالجمال الذي كنت أرغب به بل كنت كثقب أسود في المجرة مهما وضع فيه لا يمتلئ. وأيقنت بعد سنوات وعدة محاولات فاشلة أن الجمال يبدأ بالتطوير الفكري وينطلق من الداخل للخارج وليس من الخارج للداخل.