جدل

خطاب الكراهية ضد الأجانب في لبنان لصالح من؟

وزير الخارجية اللبناني يقود الحملة ضد السوريين في لبنان بشكل خاص ونشطاء وسياسيون يردون بحملة مضادة لـ"العنصرية"
1.7.19
لبنان

تزايدت في الفترة الأخيرة نبرة الكراهية ضد الأجانب والمغتربين في لبنان وخاصة السوريين، ذلك الخطاب الذي بدأ مع نزوح أعداد كبيرة من الفارين من الجحيم السوري إلى لبنان عقب اندلاع العنف عام 2011، إلا أنه مؤخرًا أصبحت الدعوات لطرد السوريين وعدم تشغيلهم في المحال والوظائف داخل لبنان واستبدالهم بعمال وموظفين لبنانيين تبنتها بعض القوى السياسية، وفي مقابل ذلك انطلقت الدعوات من النشطاء والشباب لنبذ هذا الخطاب والتوعية بخطورته وعقد الوقفات الاحتجاجية للتنديد به.

إعلان

رأى كثير من المتابعين لتصاعد خطاب الكراهية ضد السوريين في لبنان أن خطاب وزير الخارجية اللبناني ورئيس التيار الوطني الحُر، جبران باسيل، رأس الحربة لهذه الحملة، حيث لم يدخر جهدًا في الحديث المتكرر عن هؤلاء وتحميلهم مسؤولية الكثير من المشكلات التي يُعاني منها لبنان، لا سيما الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، وخلال عدة تغريدات له عبر حسابه الرسمي على موقع تويتر كان للنازحين السوريين النصيب الأكبر منها، منها محاولة تقليب المجتمع الدولي ضد هؤلاء قائلاً "كيف يساعد المجتمع الدولي اشخاصاً ببطاقة نزوح وهم يعملون في لبنان ومنازلهم قائمة في سوريا ومناطقهم آمنة؟".

بينما رأى في عمالة السوريين حرماناً للمواطن اللبناني من العمل قائلاً " لا يمكن ان نقبل ان يُحرم اللبناني من عمله وأن يعمل السوري خلافاً للقانون"، فضلاً عن اتهامهم بحيازة الأسلحة داخل مخيمات النزوح.

ذلك الخطاب الذي تلقفه شباب من التيار الوطني الحر، ويشنوا على إثره حملة ضد عمالة السوريين في لبنان دعا إليها التيار عبر موقعه الرسمي تحت عنوان "سوريا آمنة للعودة ولبنان لم يعد يحتمل"، قال إنها تهدف إلى مواجهة العمالة الأجنبية غير الشرعية عن طريق توعية المواطنين اللبنانيين على ما ينص عليه قانون العمل اللبناني بهذا الخصوص، موضحين بأن الوظائف التي يسمح بها القانون للأجانب هي الزراعة والتنظيف وأعمال البناء فقط، وموضحين بأن هذا التحرك ليس تحركًا عنصريًا ضد السوريين؛ وإنما ضد جهات داخلية ودولية تستعمل النازحين كورقة ضغط وتستفيد ماديًا وسياسيًا من بقائهم خارج بلدهم وغير مهتمة بالمصالح اللبنانية.

وخلال مقطع فيديو نشره وزير الخارجية على حسابه الرسمي بموقع تويتر أظهر عشرات الشباب يحملون أعلام التيار أمام أحد المطاعم مرددين هتافات ضد عمل السوريين ومطالبتهم بالعودة إلى بلدهم، بينما عرضت قناة "أو تي في" مقطعًا مصورًا لشباب من التيار قاموا بالمرور على المحال والمطاعم والمنشآت التجارية للدعوة إلى طرد العمال السوريين واستبدالهم بلبنانيين تحت عنوان "بتحب لبنان وظّف لبناني"، كما أظهر المقطع تنمر بعض هؤلاء الشباب ضد عمال سوريين تزامن وجودهم في تلك المحال مع مرور الحملة، قام الشباب خلالها بتوجيه اللوم إلى العمال ومطالبتهم بالعودة إلى بلادهم، والذي قاموا خلالها بنشر ملصقات تدعو لتوظيف اللبنانيين وطرد العمال السوريين، والذي تزامن مع عشرات المنشورات والتغريدات على مواقع التواصل تدعو إلى ذلك وتتفاخر بمواقف وصفها البعض بأنها عنصرية تجاه السوريين.

إعلان

يقول شربل سليم (22 سنة) وأحد المشاركين في الحملة: "كلنا يرى الوضع الاقتصادي في لبنان، وارتفاع معدلات البطالة التي أدى إلى هجرة آلاف اللبنانيين للخارج بحثًا عن فرصة عمل، في الوقت الذي يعمل فيه آلاف أخرين في بلدنا الصغير بالمخالفة لقوانين العمل، وهو ما يجب أن نقف ضده".

وانتشرت في الآونة الأخيرة لافتات على مداخل المطاعم والمحال التجارية مكتوب عليها "مطلوب موظفين لبنانيين"، وبالمرور على أحد تلك المطاعم الصغيرة قال سليم صاحب المطعم: "جاء أفراد من البلدية وقاموا بتعليق هذه الورقة ولكن لم يأتِ فرد لبناني واحد للسؤال عن عمل، وطول السنوات الماضية لم يأتيني أي شاب لبناني يُريد العمل كعامل في المطعم وإنما يُريدون العمل كمديرين أو على أقل تقدير مسؤولي صندوق (كاشير)، وبراتب يُعادل ضعفي أو ثلاثة أضعاف ما يتحصل عليه السوري وهو ما لا يحتمله مطعمي الصغير".

ورداً على تلك الهجمة، نظّم العشرات من النشطاء والصحفيون والحقوقيون وقفة احتجاجية في حديقة سمير قصير بوسط بيروت تحت شعار "لبنانيون ضد الكراهية" أدانوا فيها تصريحات الوزير باسيل والحملة ضد السوريين في لبنان مُحذرين من تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية في لبنان.

يقول أدهم الحسنية (32 سنة)، ناشط سياسي وأحد الداعين لوقف خطاب الكراهية "أن الحملة الموجهة ضد السوريين في لبنان سببها الرئيسي فشل الإدارة والدولة اللبنانية بكل أجهزتها في إدارة ملف اللجوء وأزمة اليد العاملة الأجنبية في لبنان غير المنظمة والموجودة من قبل الأزمة السورية وبعدها، وتراكم الفشل هذا أدى بالقوى السياسية إلى اللجوء إلى خطاب عنصري فاشي رجعي للتغطية على هذا الفشل، خاصة وأن أرضية هذا الخطاب جاهزة سواء طائفية أو الوطنية المبالغ فيها الخالية من القيم الإنسانية".

وأضاف الحسينية: "مثل هذه الدعوات التي تلاقي رواج بلعبها على الحس الغرائزي للأفراد ودغدغة المشاعر الوطنية تخلق توتر كبير بين المجتمع المضيف والمجتمع اللاجئ وقد تؤدي إلى أعمال عنف بين الطرفين، كمان أنها ستؤدي على المدى البعيد لتكريس خطاب اليمين المتطرف في المجتمع والدفع لمواجهة الناس لبعضهم بدلاً من مواجهة السلطة وأدواتها".

وعن سبب انضمامه للحملة المضادة لخطاب الكراهية قال الحسنية: "قررت المشاركة في حملة ضد خطاب الكراهية لأنه واجب علينا كأفراد بهذا المجتمع نحمل أفكار تقدمية أن نواجه دعوات الكره تلك الخالية من أية مسؤولية إنسانية أو اجتماعية لنقول بأن المجتمع ليس لون واحد وأن هذا خطاب عنصري وخطاب رجعي وخطاب يخلو من الإنسانية والقيم ويخلو من أي شيء يجعل المجتمع متقدم أو متطور أو متقبل للتنوع وضد الأخر، ويجب أن يظل هناك من يواجه هذا الخطاب ويحذر من مخاطره، وهو ما كان له أثر واضح وأصبح الحديث ضد الكراهية الآن متفشي بين الناس، وصار الجميع يبدأ كلامه بـ (أنا ضد العنصرية) لخوفهم من وصم العنصرية والتي أصبحت وصمة عار على كل مستخدميها وهو جيد بمرحلة ما".

كما أطلق العشرات من الصحافيّين والكتّاب والناشطين والفنّانين والحقوقيّين والمثقّفين بياناً بعنوان "بيان عن العنصرية في بلدنا" استنكروا فيه من الحملة التي يتعرض لها المواطنون والمواطنات السوريين في لبنان، معبرين عما وصفوه بـ "القرف من الهيستريا العنصرية التي يديرها وزير الخارجية جبران باسيل، ومحذرين من أن هذه الحملة تسمّم المناخ الداخليّ برمّته، والذي وصفوه بـ "المُبتلى أصلاً بطائفيّة يبالغ في شحذ شفرتها وفي استنفار غرائزيّتها زعماءٌ شعبويّون يتقدّمهم باسيل نفسه".

ونشر معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية بالجامعة الأمريكية في بيروت إحصائية لتصحيح الأرقام المغلوطة عن أعداد السوريين في لبنان موضحًا أن نسبة اللاجئين السوريين في لبنان هي 24.7% من إجمالي عدد سكان لبنان وليس 40% كما يتداوله السياسيين، وأن 86% من الشباب الذين في سن العمل يقومون بأعمال البناء والزراعة والخدمات الأخرى ولا ينافسون على وظائف اللبنانيين كما هو شائع.