شباب

هل فقد الشباب العرب إيمانهم بالرأسمالية؟

كل ما أعرفه هو أنهم أغرقونا بأفلام تبيع ما يسمى بـ"الحلم الأمريكي" وعندما وصلنا هناك اكتشفنا أننا وسط كابوس
1.6.20
capitalism socialism

بين من يرى أن الرأسمالية بدأت بالانهيار وأنها لم تتكيف قط والأزمات التي مر بها العالم في السنوات الماضية، ومن يؤمن بأن هذا النظام هو الحل لجميع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها العالم، هناك فئة أخرى تضع ثقتها في نظام جديد يخدم مصالح الشعوب بالدرجة الأولى بالتعاون مع الحكومات والقطاعات العامة، ولا شك أن الأزمة الصحية المرتبطة بفيروس كورونا عززت هذه الثقة.

في الوقت الذي تدافع فيه الرأسمالية على السوق الحرة وترى أن المؤسسات الخاصة هي التي تضمن تراكم الإنتاج وإعادة استثمار الأرباح، وبالتالي النهوض باقتصاد المجتمع؛ تدافع الاشتراكية من جهة أخرى على المساواة الاقتصادية وعلى ضرورة توزيع وسائل الإنتاج والموارد على الجميع إيمانًا منها بأن الأرباح تعود للمجتمع وعلى الحكومة التدخل لتوفير هذا الحق. مهما تعددت الآراء واختلفت، تبقى الغاية الوحيدة التي يتفق عليها الجميع هي التغلب على التوترات والاضطرابات التي تضرب الشعوب من كل حدب وصوب مع ضمان السعادة والعيش الكريم لكل شخص. سألنا مجموعة من الشباب العرب عن آرائهم حول الرأسمالية والاشتراكية في عالم ما بعد فيروس كورونا، وكانت هذه أجوبتهم.

النظام المصرفي اللبناني سرق أموالي
"بسبب الحوادث التي طالت النظام المصرفي اللبناني في الأسابيع الماضية، فَقَد جُل شباب جيلي -إن لم أقل جيلي بأكمله- ثقته بهذا النظام الذي سرق بطريقة أو بأخرى، أموال الشعب. أنا حاليًا عالق في بلجيكا بسبب فيروس كورونا لما يقرب الثلاثة أشهر الآن، دون إمكانية الوصول لأموالي التي قضيت العشر سنوات الماضية في جمعها وادخارها، لذا فالمشاكل التي نواجهها اليوم عظيمة. الشيء الوحيد الذي أستطيع قوله بخصوص الرأسمالية هو أنها جعلت جيلي يعاني من مخاوف وجودية رهيبة بعد تعرفنا على منتجات أصبحت الحياة تعتمد عليها بشكل أساسي دون إمكانية الاقتراب منها. لقد أَرَونا الفرايد تشيكن عندما عانينا من الجوع، وبمجرد اقترابنا منه أخذوه. نحن جيل فقد ثقته في جميع الأنظمة ويتطلع لنظام جديد يخدم ازدهارنا. كل ما أعرفه هو أنهم أغرقونا بأفلام تبيع ما يسمى بـ"الحلم الأمريكي" وعندما وصلنا هناك اكتشفنا أننا وسط كابوس." -فراس، 28 عامًا لا ثقة في الرأسمالية
"إذا كان السؤال يقتصر على الثقة، فالثقة مفقودة في الرأسمالية منذ الأزل. أجد أن النظام الرأسمالي العالمي هو الذي يجعل المنطقة العربية تتخبط تحت الهيمنة الاقتصادية والعسكرية للدول الرائدة في هذا النظام، بمعنى أن هذه الدول العربية المتواضعة تصبح مثل الأسواق وتبدأ ببرم اتفاقيات تقطع الطريق أمام الدول التي تسعى إلى الاعتماد على نفسها. توجد فعلًا العديد من الاختلالات على مستوى السياسات الداخلية والعقليات الفردية الداخلية، ولكن النظام الرأسمالي يعزز هذه الرجعية." -نزار، 23 عامًا النظام الاشتراكي مصدر معظم المشاكل
"ثقتي في النظام الرأسمالي والسوق الحر، النظام الوحيد الذي أثبت نجاحه وفعاليته في حفظ الملكية الخاصة، والتوزيع الفعال للموارد النادرة التي لها استخدامات متعددة، والرفع من جودة حياة ملايين الناس عبر التاريخ والعالم، لم تتزعزع. عكس الاشتراكية، سواء بمفهومها الكلاسيكي كما طبقت في دول المعسكر الشرقي القرن الماضي وأدّت لنتائج كارثية، أو بمفهومها المعاصر تحت اسم الديمقراطية الاجتماعية كما يوجد في الدولة الأوروبية الغربية حاليًا. كلاهما يتميزان بتخطيط مركزي، وضرائب مرتفعة، وتدخل مفرط للحكومة في الاقتصاد عن طريق وضع ترسانة من القوانين والعراقيل البيروقراطية التي تحبط روح المقاولة والتجارة والإبداع للشباب والمواطنين بصفة عامة. الاشتراكية قد تبدو من الظاهر على أنها الحل لمشاكلنا الاقتصادية المعاصرة، لكنها في الواقع مصدر معظم المشاكل." -ياسين، 27 عامًا

الاهتمام أكثر بالديمقراطية والرفاه العام
"من الجلي أنه في ظل النظام الاقتصادي الحالي، تصبح حياة شريحة عريضة من السكان مهددة مع كل أزمة بسبب التفاوتات الاجتماعية. علينا بالفعل التقدم نحو مجتمع أكثر عدلًا لا يهدف للربح وإنما للهناء والرفاه العام مع احترام البيئة والموارد الطبيعية. بالتالي، نحن بحاجة إلى نظام اقتصادي جديد أقرب إلى قيم الاشتراكية ومتجذر في النظام الديمقراطي. أنا لست بخبيرة اقتصادية ولكن عمومًا توجد مجموعة من التدابير التي يمكن اعتمادها والتي تفسر فكرتي أكثر: مثلًا النهوض بالولوج إلى الخدمات المهمة كالصحة والتعليم اللذان يجب ضمان جودتهما ومجانيتهما، والعمل على نظام ضريبي عادل يسمح بالتوزيع العادل للثروات. كما لا يجب إهمال حكامة الشركات والمؤسسات والتركيز على توفير جميع ظروف العمل المناسبة للعامِل وإشراكه في صناعة القرارات بدل البحث عن الربح بأي ثمن. هذه ما هي إلّا أمثلة قليلة والتي بدونها لا يمكن لأي مجتمع أن يتطور نحو درب التقدم." -عفاف، 31 عامًا

نظام جديد يلوح في الأفق
مع كل يوم يمر في هذه الأزمة تثبت الرأسمالية أنها نظام هش وقابل للانهيار في سرعة مثيرة للدهشة لأسباب واهية. ومع ذلك لم يتغير النظام في مجمله، حتى بعد أزمة 2009-2008، وظلت الهوة تتسع بين الفقراء والأغنياء. حين تتركز أغلب ثروات الأرض في يد 1% من سكانها فقط، فلا بد لهذه المهزلة وما يعقبها من تبعات ساحقة للأغلبيات المقهورة أن تنتهي. أظن أن الوقت قد حان لنظام اقتصادي جديد لا أدرك ماهيته، فأنا لست من أنصار الاشتراكية أو الشيوعية ولست خبيرًا اقتصاديًا. الأكيد أنه مع هذا الكم من الفساد والفقر الفادح حول العالم، حانت نهاية الرأسمالية لصالح نظام جديد لا ندري عنه شيئًا، بل على الأرجح سيتشكل حسب مقتضيات الأمور بعد انتهاء ذروة أزمة كورونا بالشكل الذي نشهده، علي الأرجح بعد الوصول إلى لقاح وبدء تحول الفيروس إلى ذكرى من الماضي بالتدريج. حينئذ ستظهر معالم النظام الاقتصادي الجديد الذي يتبلور الآن بشكل لا يستطيع قراءته سوى الخبراء، وقد لا يستطيعون قراءته بدقة كذلك." -إبراهيم، 26 عامًا الموازنة بين الرأسمالية والاشتراكية هي الحل
"ربما كانت الرأسمالية تمثل الحل الأنسب في العقود الأخيرة، لكن الأزمة الصحية والإقتصادية التي نمر منها اليوم أثبتت بوضوح أنها قابلة للتدمير بسهولة. لولا تدخل الدول لانهار العالم بأسره، ولما بقي لنا أي شيء لترميمه أو إصلاحه. لن أقول أنني أصبحت أتجه نحو الاشتراكية، هذا لأنني كنت دائمًا أؤمن بقوة باقتصاد متوازن يجمع بين الرأسمالية والاشتراكية. أرى أن الأزمة الحالية ما هي إلا مثال حي لمعتقدي بأن الكثير من الاشتراكية أو الكثير من الرأسمالية لم يكن الحل أبدًا. اليوم تلعب أنظمة الصحة العمومية والمنظمات الحكومية والحكومات دورًا رئيسيًا في احتواء الأزمة. ومع ذلك يقدم القطاع الخاص هو الآخر الدعم اللازم الذي لولاه لما تمكن القطاع العام من الاستمرار بعمله." -أميمة، 26 عامًا نموذج الدول الاسكندنافية كمثال
"عندما شرعت في القراءة عن التاريخ وربطه بالأحداث التي نعيشها اليوم، بدأت ألمس مجموعة من التناقضات. وبعد اطلاعي أكثر على النظامين الرأسمالي والاشتراكي والحرب الباردة التي ميزت القرن العشرين والعديد من العناصر التاريخية الأخرى، فهمت أن السبب وراء هذه التناقضات الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها في العالم هو النظام الرأسمالي، باعتبار أنه يهدف إلى الربح بالدرجة الأولى من طرف لوبيات تتمثل في أقليات تحتكر الثروات العالمية وتتحكم في سياسات العالم بأسره. الأزمة التي نعيشها اليوم، وتراكم الأزمات في السنوات الماضية، تثبت بقوة فشل النموذج الرأسمالي. لذلك أعتبر أن النظام الاشتراكي هو الباب، رغم أنه ليس الحل الكامل، فهو الآخر أثبت فشله سنة 1989 بعد انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، لكن على الأقل هذه الدول الرأسمالية، بما فيها الدول الليبيرالية، استفادت من النظام الاشتراكي وحاولت المزج بين النموذجين مثل ما قامت به فرنسا. أنا أجد نفسي في النظام الاشتراكي، ليس بالشكل الذي كان عليه في زمن الاتحاد السوفياتي، ولكن كما تعتمده الدول الاسكندنافية التي حاولت المزج بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي لتخرج بنطام جديد وهو الديمقراطية الاجتماعية." -عز العرب، 26 عامًا