مصر
مرأة

الإجهاض في البلدان العربية: مشرّعون يرفضون ونساء يدفعن الثمن

يذكُر المُشرعون بوضوح أن رضا النساء عن إتمام الإجهاض غير ذي أهمية، وهو ما ينفي عنهن أهليتهن القانونية
28.9.19

في اليوم العالمي للإجهاض 28 سبتمبر من كل عام، نسأل كنساء: متى يُسمح لنا تقرير مصائرنا ويُعترف بأحقيتنا في أجسامنا؟ تختلف جنسية المُشرّعين في منطقتنا، ويتفقون على تجريم الإجهاض بنصوص قانونية واضحة. في هذا المقال، أستعرض بعض الظروف المحيطة بالإجهاض في بعض البلدان العربية، وتأثيرها على النساء الساعيات للإجهاض، تصل إلى المخاطرة بالحياة.

مصر
يُجرم الإجهاض في المواد 260 إلى 264 من قانون العقوبات المصري. تُعاقب بالحبس و/أو الغرامة كل امرأة سعت أو نقذت الإجهاض في المادة 262. كما يُعاقب الأطباء والصيادلة الذين يساعدون في الإجهاض سواء جراحيًا أو دوائيًا. رغم أن حبوب تحفيز الإجهاض ليست عقاقير مُخدّرة، إلا أنها غير مُتاحة في الصيدليات، خوفًا من الاتهام بتسهيل الإجهاض أمام القانون. يتم بيعها في السوق السوداء بأسعار مُضاعفة.

إعلان

يُباح الإجهاض فقط في حال شكّل الحمل خطرًا على حياة المرأة، ويتطلب ذلك تقارير من هيئات حكومية. ويظل مُجرمًّا حتى في حالات الاغتصاب وما يُعرف بـ"زنا المحارم." هناك أيضًا بعض الفتاوى الدينية التي تُجرم الإجهاض، والتي تُستخدم لإدانة المُجهضات واتهامهن بمخالفة الشريعة. فهناك اعتقاد سائد أن الحد من عمليات الإجهاض، يُقلل من ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، ويغفل أن حتى المتزوجات لا يستطعن إجراء الإجهاض بأمان طبي وقانوني. تقول أسماء (إسم مستعار) من محافظة كفر الشيخ أن رغم حصولها على تقارير طبية تُفيد بأن الحمل خطرًا على حياتها، ورغم كونها متزوجة، امتنع أطباء كُثر عن إجراء الجراحة، لاعتقادهم بأن الإجهاض حرام شرعًا.

يحضر مفهوم "الشرف" ليُقيّد كل امرأة ليبية أو لبنانيّة أو سوريّة أُجبرت على الإجهاض، وأعطى القانون مخرجًا لمَن تسبب في إجهاضها

لبنان وسوريا
يُجرّم الإجهاض في المواد 539 إلى 546 من قانون العقوبات اللبنانيّ. وتجرّم المادة 541 أن تجهض المرأة نفسها، إلا في حالات الدفاع عن "الشرف" كما تنص المادة 545. تقول مي (اسم مستعار)، لبنانيّة أجهضت جراحيًا مرة، ودوائيًا مرتين، أن الإجهاض في لبنان سهل الحصول عليه رغم تجريمه، ويقبل أطباء بإجرائه، لكنه مكلف ماليًا، حيث تذكر أن عملية إجهاضها تكلفت ما يُعادل 500 دولار أمريكي عام 2004. أما الدواء فقد أمنته لها صديقتها الصيدلانية. وتقول أن التجربة مؤلمة في الإجهاض الدوائي لأنها اضطرت للتعامل المباشر مع الدم، مما سبب لها ألمًا نفسيًا بجانب الألم البدني الذي عانته جرّاء تأخرها في الإجهاض انتظارًا للدواء.

في سوريا، يُجرم الإجهاض عملًا بالمواد من 525 إلى 532 من قانون العقوبات. كما تجرم المادة 527 أن تُجهض امرأة نفسها وتُعاقب بالحبس أو الغرامة. أباحت المادة 531 الإعفاء من العقوبة إن أجهضت امرأة نفسها لتدافع عن "شرفها" كما يُعفى من العقوبة أي شخص مُتسبب في إجهاض امرأة من عائلته وقريباته أيضًا بدافع الحفاظ على "الشرف" حتى لو كان الإجهاض بالقوّة والإجبار للحامل. لم يذكُر المُشرّع السوريّ أي استثناءات أخرى لإباحة الإجهاض، بما في ذلك الاغتصاب و"زنا المحارم."

إعلان

ليبيا والجزائر
تزداد الأوضاع سوء في ليبيا التي تُجرم الإجهاض بالمواد 390 إلى 395 من قانون العقوبات. تقول عشتار محمد، صحفية ليبية مهتمة بشؤون السجينات الليبيات، أن ثبوت السعي للإجهاض أو إتمامه هو جريمة تُعاقب عليها النساء، حيث يتم إيداعهن في السجون، ومؤخرًا يتعرّضن لعقوبة الجَلد. بعضهن يُنجبن في السجون، ويؤخذ الأطفال إلى دور رعاية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، وقد يتم عرضهم للتبني دون الرجوع للأم. تُسرد عشتار قصة منى (اسم مستعار) والتي أنجبت في السجن، وتم عرض طفلها للتبني ولم تستطع الوصول له أبدًا. في المادة 394 من قانون العقوبات الليبي كما في نظيريه اللبناني والسوري، تُخفف عقوبة إجهاض النساء بالإكراه من عائلاتهن إن كانت "لصيانة العرض." يحضر هنا مفهوم "الشرف" ليُقيّد كل امرأة ليبية أو لبنانيّة أو سوريّة أُجبرت على الإجهاض، وأعطى القانون مخرجًا لمَن تسبب في إجهاضها. تتعارض هذه المادة مع المادة رقم 392 والتي تُجرّم بشكل صريح أن تُجهض امرأة نفسها لأي سبب.

في الجزائر، يُجرّم الإجهاض وفقًا للمواد من 304 إلى 309 من قانون العقوبات الجزائري وتذكُر المواد بوضوح أن رضا المُجهضة من عدمه غير هام أو مطلوب لتخفيف العقوبة على مَن سهّل لها الإجهاض أو أجبرها عليه. تنُص المادة 309 على حبس أو تغريم كل امرأة تسعى لإجهاض نفسها. تقول حياة مجبار، ناشطة نسوية جزائرية، أن تجريم الإجهاض أدّى إلى غياب الإشراف الطبي عن المُجهضات اللواتي يستخدمن حبوب تحفيز الإجهاض في المنزل، وتلجأ بعضهن إلى عيادات خاصة تُقدم خدمات الإجهاض في السر وبأسعار مُكلفة تُقارب ستمائة دولار أمريكي، أو السفر لبلدان مجاورة لإتمامه. في عام 2017 طُرح قانون صحة جديد على البرلمان الجزائري وتضمن مواد تُبيح الإجهاض. لكنه هوجم من قبل الأحزاب الدينية والجماعات الإسلامية الذين اعتبروه بابًا لفساد أخلاق المجتمع الجزائري. لم يتم إقرار القانون حتى اليوم.

تقول كريمة نادر، ناشطة نسوية مغربية أن الساعيات للإجهاض يلجأن إلى عيادات سريّة تتطلب أسعار خيالية، وأن بسبب الظروف الاقتصادية تلجأ أغلبهن إلى الخلطات البلدية التي قد تتسبب في نزيف ومضاعفات صحية

المغرب
يتشابه هذا القانون مع قانون تم طرحه على البرلمان المغربي يُعيد النظر في تجريم الإجهاض بمواد قانون العقوبات 449 إلى 458 والمنصوص فيها على إتاحة الإجهاض فقط لإنقاذ حياة الحامل. أتاح مشروع القانون الإجهاض في حالات الاغتصاب، وزنا المحارم." انتقدت مجموعات تقدمية تجاهله لحالات تستوجب الإجهاض مثل النساء بلا مأوى، أو في حال ممارسة الجنس مع قاصرات والتي تُعد جريمة اغتصاب. هاجمته المجموعات المُحافظة، ولم يتم تفعيله أو العمل به.

تقول كريمة نادر، ناشطة نسوية مغربية أن الساعيات للإجهاض يلجأن إلى عيادات سريّة تتطلب أسعار خيالية، وأن بسبب الظروف الاقتصادية تلجأ أغلبهن إلى الخلطات البلدية التي قد تتسبب في نزيف ومضاعفات صحية. كما يلجأن إلى عيادات أقل تكلفةً تُجري الإجهاض بطرق غير آمنة طبيًا وتتسبب في وفاة المُجهضات أو إصابتهن بالعدوى. يُجرم قانون العقوبات المغربي كل امرأة سعت للإجهاض أو أتممته بالحبس و/أو الغرامة في المادة 454.

إعلان

يُذكر أن السلطات المغربية اعتقلت الناشطة والصحافية هاجر الريسوني بتهمة الإجهاض غير القانوني، في أواخر أغسطس 2019. دشنت ناشطات مغربيات حملة "خارجة على القانون" إثر اعتقال هاجر، يُعلنّ فيها خروجهن عن قوانين تجريم العلاقات الجنسية دون زواج، ورفضهن لتجريم الإجهاض.

الكويت والإمارات العربية المتحدة
في الكويت، يُباح الإجهاض في حالات الخطر على حياة المرأة وفقًا للمادة 175 من قانون الجزاء الكويتي الذي يُجرم الإجهاض في مواده 174 إلى 177. تُجرِّم المادة 176 إجهاض المرأة لنفسها، ولا استثناء في حالات الاغتصاب، أو "زنا المحارم." أما في الإمارات فيُجرَّم الإجهاض في المادة 340 الباب السابع من قانون العقوبات الاتحادي، ويُعدّ جريمة في حق "انسان." أعطى المشرّع الإماراتي للإجهاض بُعدًا آخر باعتباره اعتداء على حق حياة وسلامة جسدية. يُسمح بالإجهاض لإنقاذ حياة الحامل أو كان الجنين مشوهًا، ويتطلب ذلك تقارير طبية رسمية، على أن يكون عمر الحمل أقل من 120 يوم. تتعارض هذه الإباحة المشروطة للإجهاض مع مزاعم المُشرع أن التجريم مبنى على تصوّر الحق في الحياة. ويجعلنا نتساءل إن كان المشرّع الإماراتي يسلب ما يُسميه "حق الحياة" من أجنة ثبت أنها مشوّهة، أو أنهم سيكونون من أصحاب الهمم بعد الولادة. ليكون بذلك الأطفال "المسموح لهم/ن بالحياة" هم/هن ما تراهم/ن الحكومة الإماراتية "أصحاء ويستحقون الحياة."

تقول فاطمة (إسم مستعار) تونسية أجهضت قبل سنوات، أنها حُرمت من حرية اختيار الاستمرار في الحمل بسبب الوصم الاجتماعي الذي يُلاحق الأمهات العزباوات وأطفالهن الذين يوصمون بكلمة "ابن/بنت حرام"

تونس
تعتبر تونس البلد الوحيد في منطقة شمال أفريقيا الذي يُبيح الإجهاض. ينُص الفصل 214 من المجلة الجزائية التونسية على إباحة الإجهاض قبل مرور ثلاثة أشهر على الحمل، أو بعد مرورها إن كان هناك خطرًا على حياة الحامل. يُجري الإجهاض طبيب مختص وفي مستشفى مُرخّص قانونًا. تقول لينا بن أحمد، أخصائية تخدير تونسية، أن الإجهاض في تونس يُعامل معاملة الجراحات الصغيرة. تتوجه النساء للمصّحات ويتم فحصهن لإجراءات السلامة الطبية. تستطرد أن سؤال المُجهضة إن كانت متزوجة أو لا، غير ضروري أو مهني.

يظل المشرع مُنكرًا لحقوق النساء الجنسية والإنجابية، حين يُبيح الإجهاض فقط إن كان الحمل خطر على حياة الحامل. كأنهم يقولون لنا أن ممارسة الجنس ومنع الحمل مسؤولية ندفع ثمنها من أجسامنا، وبمفردنا

تعتبر تونس ملاذ لنساء كثيرات من شمال أفريقيا، يملكن المال للسفر والإقامة. أما الجراحة نفسها فثمنها زهيد. تُسافر نساء من ليبيا والجزائر والمغرب إلى تونس بغرض الحصول على الإجهاض الآمن. ورغم تقنين الإجهاض، إلا أن التونسيات يُعانين من الوصم لو قررت إحداهن استكمال الحمل. تقول فاطمة (إسم مستعار) تونسية أجهضت قبل سنوات، أنها حُرمت من حرية اختيار الاستمرار في الحمل بسبب الوصم الاجتماعي الذي يُلاحق الأمهات العزباوات وأطفالهن الذين يوصمون بكلمة "ابن/بنت حرام."

الإجهاض كأداة سيطرة على أجسام النساء
نستخلص من هذه التشريعات والظروف غير الآمنة لإجراء الإجهاض في البلدان العربية، أن الإجهاض يتم استخدامه كأداة للتحكم في أجسام النساء. فهذه التشريعات تُجرم بشكل واضح أن تُجهض امرأة نفسها. وتُجبر العديدات على استكمال حمل غير مرغوب، كعقاب لممارستهن الجنس، حتى لو كنّ متزوجات. يذكُر المُشرعون بوضوح أن رضا النساء عن إتمام الإجهاض غير ذي أهمية، وهو ما ينفي عنهن أهليتهن القانونية.

ظن المشرّعون أن تجريم الإجهاض سيُقلل عدد المُجهضات. لكنه تسبب أن تكون ظروف إتمامه غير إنسانية، خطيرة طبيًا، وتُهدد الحياة، ووضع الكثيرات في أزمات ابتزاز مالي وجنسي من الأطباء وبائعي أدوية تحفيز الإجهاض. يظل المشرع مُنكرًا لحقوق النساء الجنسية والإنجابية، حين يُبيح الإجهاض فقط إن كان الحمل خطر على حياة الحامل. كأنهم يقولون لنا أن وظيفتنا كنساء هي الإنجاب تحت أي ظرف، وأن ممارسة الجنس ومنع الحمل مسؤولية ندفع ثمنها من أجسامنا، وبمفردنا.