اسراء غريب

إسراء غريب. تصميم: مريم علي العميرة

جرائم قتل النساء

تحدي الأبوية والعدالة البديلة عبر الإنترنت في حادثة مقتل إسراء غريب

لن نُسامح في أرواح نساء كثيرات لم يُحققن النجاة، فقُتلن
2.9.19

ظهرت قصة الشابة الفلسطينية إسراء غريب للعلن الثلاثاء الماضي، بعد انتشار تغريدات عن لسان صديقتها تروي أنها قُتلت بأيدي أفراد أسرتها، بسبب فيديو قصير على انستغرام وسنابشات، تظهر فيه إسراء مع شاب تقدم لخطبتها. ظهرت بعدها تسجيلات صوتية لإسراء -لا نعرف مصدرها - تتحدث في واحد منها إلى ابنة عمها وتلومها على الوشاية بها لأهلها، وتحريف الفيديو الذي نشرته على انستغرام ضدها. وكان هناك تسجيلات أخرى من داخل المُستشفى، يُقال أن إحدى الممرضات سجلتها أثناء تعرُّض إسراء للضرب. تصرخ وتطلب المُساعدة، ولا أحد ينقذها. فكما يبدو من التقارير المتداولة أن الأب والأخوة ادّعوا أنها "مسكونة" وأنهم يُخرجون منها الجن، ومنعوا الطبيب من الدخول إليها، حتى أخذوها مرة أخرى إلى المنزل، وتكاتفوا عليها حتى الموت.

إعلان

بعد انتشار قصة إسراء، انتشرت وسومات تُطالب بالعدالة لها، وتُطالب بمحاكمة القتلة. نساء غاضبات من جميع البلدان العربية، يٌغردن، ويسردن قصصهن مع العنف الأسري، ويلتففن حول مطلب وحيد: "العدالة لإسراء غريب." لعب الإنترنت هنا دورًا أساسيًا في التضامن بين هؤلاء النساء. تضامن عابر للحدود المكانية والزمانية، تسبب في اشتعال مواقع التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية. لقد ساهمت هذه المواقع في التواصل بين هؤلاء النساء، مُشاركة تجاربهن، وسماعها، والشعور بالربط بينها وبين تجاربهن الشخصية، وهو ما يُعتبر تحديًا لمحاولات دفن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء، وتواطؤ الحكومات المحلية في هذه الانتهاكات بتجاهلها، أو حتى بارتكابها. ويعتبر أيضًا وقوداً لحراك نسوي رقمي مستمر، لنساء يجمعهن هدف رفع الستار عن العنف ضد النساء الذي يصل إلى القتل، والحبس، والإجبار على الزواج، والحرمان من التعليم.

تضامن رقمي ضد النظام الأبوي
هذا التضامن وهذا الغضب لنساء تعيش في ظروف متشابهة، يعرفنّ جيدًا ما يعنيه "شرف العائلة." في نظام العائلة الأبوي، يأتي الرجال في مرتبة أعلى من النساء. يُصوَّرون بأنهم حُرّاس الأخلاق والقيم، وحافظي الشرف. يتمثل الشرف في النساء؛ في مظهرهن الخارجي، في سلوكياتهن، في حرية حركتهن، وفي أجسامهن. بتقييد هذه الأشياء، يعتقد الرجال أنهم يحمون الشرف. في نظام العائلة، يُجبر الرجال على ذلك. فأي خيار آخر أمامهم، سيُقابل بالوصم الاجتماعي، ويُنعتون بأنهم "ليسوا رجالًا."

هكذا تعمل المنظومة الأبوية. هكذا يشعر الرجال أنهم رجالًا. هكذا يشعرون بأنهم ذوي سيطرة ونفوذ على "شيء ما".. تدفع ثمنه النساء. انتشار هذه الفكرة عن أن النساء وأجسامهن هن رمز للشرف، ورمز لاستقرار نظام العائلة، ورمز لسيطرة ذويهم من الرجال، زاد من العبء الذي تحمله النساء في البلدان العربية. وكما هو الوضع مع نساء كثيرات في المنطقة، مفهوم الشرف مازال مستقرًا بين فخوذهن، كذلك تقييد حركاتهن بالأخص في الأماكن العامة. يصبح التركيز مع ما تفعله النساء ودلالاته هوسًا.

إعلان

اعتبرت عائلة إسراء غريب أن ظهورها في مقطع الفيديو الذي نشرته على حسابها، تدنيسًا لما يُسمى "شرف العائلة". بالنسبة إليهم، لم تلتزم إسراء بالنمط الأخلاقي المفروض على النساء، واعتبروه تحديًا لسلطتهم عليها كامرأة وشابة صغيرة. لم يحمِها التزامها بالحجاب، أو بالتعرّف على الشاب الذي ستتزوجه عن طريق الأسرة. فهناك دائمًا سبب لانتهاك أجسام النساء، مهما التزمنّ بالأنماط الاجتماعية.

الإنترنت وعدالة اجتماعية بديلة للنساء
لعل تشابه تجاربنا كنساء من المنطقة العربية فيما يخص الشرف والعائلة، يدفعنا دفعًا للتضامن. فبعد خروج القصة للإنترنت، غضبت النساء من فلسطين، الأردن، مصر، اليمن، السعودية، الجزائر، ليبيا، تونس، والمغرب وأطلقنّ وسم #كلنا_إسراء_غريب، محاولات تسليط الضوء على قصتها كجريمة قتل عمد تستوجب العقاب الجنائي. وقامت بعضهن بتحميل رسومات وتصميمات بصورة إسراء مُدمج بها الوسومات على "فيسبوك" لتستخدمها المتضامنات وتنتشر قصتها ويُطالبنّ جميعًا بالعدالة.

بعض الوسومات على "تويتر" استهدفت الحكومة الكندية لتمنع رجوع أخيها (المتهم بأنه شارك في القتل) مرة أخرى لاستكمال دراسته في كندا. تكاتفت أخريات في الرد على الفيديوهات التي نشرتها الأسرة لتبرير مقتل الشابة. بعض الوسومات خاطبت هيئة الأمم المتحدة، بعد تغريدة نشرتها المغنية الإماراتية اليمنية بلقيس فتحي، تُدين قتل إسراء وتقترح حبس النساء داخل المنزل لتأديبهن. قامت هيئة الأمم المتحدة بحذف مقطع للمغنية من قناتها على موقع يوتيوب. وبذلك، حققت مجهودات النساء جزءًا من العدالة البديلة التي يرجونها لـ إسراء غريب. ولكن حتى اللحظة السلطة الفلسطينية لم تكترث لأمر الشابة، ولم تُصدر بيانًا تُخاطب فيه جموع الغاضبات/ين.

في هذا يا إسراء نحن مُتشابهات. السلطات المحلية في بلادنا تعتبر أجسامنا ملكية خاصة للعائلة، ولا تتدخل، فتحرم الرجال من آخر ما تبقى من رجولتهم الهشة والخاضعة للأنظمة الحاكمة. هكذا هي الصفقة إذن. تحتكر السلطة المجال السياسي، وتُعطي للرجال المجال الاجتماعي. هكذا يتجاهل مُشرعينا حاجتنا إلى قوانين للحد من العنف الأسري. هكذا يعطونهم سُلطة وهمية، ويتفرّدون بسلطاتهم الحاكمة على الجميع.

لكننا لن نتعاطف مع سذاجتهم، وجهلهم. ولن نُسامح في أرواح نساء كثيرات لم يُحققن النجاة، فقُتلن. وأخريات تم حبسهن بالمنزل، لا يصلهن ضوء الشمس، ولا يتصلن بالعالم الخارجي. ستعلو أصواتنا ونُطالب بعدالة غير التي يعرفونها. عدالة تضمن لنا حيوات كريمة وتحفظ كرامتنا وحقوقنا في أجسامنا. إن كانت عدالة القوانين لا تجد سبيلها إلينا، فسنجد نحن سُبلنا إليها، بالغضب وبأصواتنا العالية التي يحاولون إخراسها هنا وهناك. ولنا في النسويات السعوديات عِبرة ومثال يُحتذى به، بعد رفع الولاية على سفر النساء خارج المملكة بفضل جهودهن، حتى لو مازلنّ خلف القضبان. العدالة الإجرائية التي لا ترانا، سنُجبرها أن ترانا، وأن تسمعنا، وأن تأخذنا في الاعتبار. لروحك السلام. ولكِ العدالة أينما كنتِ.