رأي

السودان.. صلاة في محراب الميدان

قلتُ لنفسي: يارب في السودان ياخدوا بالهم ومايقعوش في نفس الفخ. ثم ابتسمت قائلًا: السودانيين أنصح مننا!
14.4.19
السودان

السودان/ الصور من شترستوك

في مصر، عندما كُنا صغارًا في مرحلة الدراسة قبل الجامعية، رسخت كتب التاريخ الحكومية صورًا ثابتة عن العالم لن تتغير طالما ظلت قراءتنا لنفس المصادر وبنفس النظرة. كان من بين هذه الصور صورة السودان وأهلها عند المصريين. أتذكر جيدًا أن من ضمن الحكايات المأثورة لكل جيلي عن مرحلة التاريخ في مصر الحديثة، كيف أن محمد علي باشا قام بإنشاء أول جيش نظامي عن طريق الجنود المصريين الذين كانوا على قدر العزم. لم يتوقف سرد الحكاية عند حد اختيار المصريين الأكفاء بل وصل إلى مقارنته بالسودانيين، كيف ذلك؟ روت لنا هذه الكتب التلقينية أن محمد علي كان يفكر في الاستعانة بالسودانيين لبناء جيشه لكنهم كانوا كسالى، مما جعل الباشا الألباني يصرف النظر عن السودانيين ويستعين بأبناء مصر. أروي لكم هذه الحكاية لأنها ليست سوى أسطورة مازالت تتردد بين الكثير من المصريين عندما يأتي الحديث عن أهل السودان، وكأن المصريين هم تجسيد لمملكة النحل في العمل والنشاط.

إعلان

أربعة أشهر، منذ ديسمبر الماضي وقد بدأت مظاهرات السودان ضد حكم عمر البشير وزبانيته، وقبل أسابيع بدأت المظاهرات في الجزائر ضد تولي بوتفليقة الحكم وترشحه لفترة رئاسية جديدة وهو قعيد لا يحرك أنملة. لم تتزحزح هذه الرؤية بعيدًا عن عقول عدد منا في مصر حول ما يحدث في السودان، فقد قرأتُ تغريدات لعدد من النشطاء المصريين يتحدثون عن سرعة الجزائريين في الإزاحة ببوتفليقة، في حين أن السودانيين لم يفعلوا، لماذا؟ الكسل بالطبع! تمييز سلبي غير مفهومة أسبابه سوى في سياق الفوقية التي يعاني منها المجتمع المصري في نظرته لبقية الدول العربية. فدول الخليج كانوا حفاة عراة والمصريون نقلوا لهم العلم والحضارة، ومنطقة المغرب الكبير/العربي ليسوا عرباً فهم يتحدثون الفرنسية أكثر من العربية، أما السودان فهي أصلًا جزء من مصر الكبرى، وبطبيعة الحال فمصر هي أم الدنيا ومركزها الذي يلهم العالم، فثورة 25 يناير أنارت العالم.. وكأنها أول الثورات وآخرها.

ولكن إذا نظرنا اليوم لما يحدث في مصر والسودان والجزائر، فسوف نرى:

  • الإطاحة برأس النظام العسكري الحاكم في السودان، وهو نظام حكم أكثر تعقيدًا من معظم النظم العربية لأنه يجمع ما بين الديني والعسكري، فعمر البشير ونظامه يجمعان أسوأ ما في ديكتاتوريات العالم (عسكر/إخوان معاً). ومع صباح كل يوم جديد يُطاح بشخص جديد من أركان النظام مثل عوض بن عوف وزير دفاع البشير والذي تولى المجلس العسكري لمدة 24 ساعة، كذلك الإطاحة بصلاح قوش رئيس جهاز المخابرات السودانية.
  • الإطاحة بعبد العزير بوتفليقة، والإعلان عن ميعاد إقامة انتخابات رئاسية، خلال الشهور القادمة، ثم رفض عدد كبير من القضاة الإشراف عليها، في ظل تولي رئيس مجلس الأمة للرئاسة بشكل مؤقت.
  • أما في مصر، فقد إقترب ميعاد استفتاء للتعديلات الدستورية التي يعمل عليها مجلس النواب في مصر، حيث إن مدة الرئاسة تُعدل لـ 6 سنوات بدلًا من 4 سنوات بأثر رجعي. كما أن هناك مادة انتقالية تسمح للرئيس الحالي أن يترشح بعد انتهاء مدته الثانية. مما يعني أن تطبيق هذا المادة سيجعل الرئيس يحصل على عامين إضافيين عن المدة الأولى من الرئاسة والتي انتهت عام 2018، ثم عامين على المدة الحالية التي تنتهي في 2022 مما يعني أنه يستطيع البقاء في منصبه حتى 2026 وذلك قبل أن يستفيد من المادة الانتقالية التي تجعله يترشح مرة أو مرتين لمدة 12 سنة مما يعني احتمالية البقاء في السلطة حتى عام 2038.

إعلان

المسألة لا تحتاج لأي خبرة استراتيجية في رؤية الأوضاع السياسية في البلدان الثلاثة، فمصر لن تكون سوريا أو العراق كما قال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي وسوف تكون "أم الدنيا وقد الدنيا". أما السودان والجزائر فليس أمامهم سوى النفس الطويل والبقاء في الميادين حتى يصل للسلطة حاكم مدني ليس لديه أي مواءمات مع النظام العسكري الحاكم.

لا أخفيكم سرًا، عندما قرأت الخبر الخاص باستيلاء الجيش السوداني على مقر الإذاعة والتليفزيون وذلك من أجل إلقاء بيان مهم، دمعتْ عيناي، وتذكرتُ يوم 11 فبراير 2011 عندما كُنا في الميادين في انتظار البُشرى التي خرج بها عمر سليمان، مُعلناً تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن منصبه. رحلنا جميعاً وتركنا الميادين، ودمعت أعيننا عندما قام أحد أعضاء المجلس العسكري بتقديم التحية العسكرية لشهداء الثورة. تملكتني هذه السذاجة وقلتُ لنفسي: يارب في السودان ياخدوا بالهم ومايقعوش في نفس الفخ. ثم ابتسمت بنفس القدر من السذاجة بعد أن أضفتُ إليها بعضاً من البلاهة قائلًا: السودانيين أنصح مننا!

سذاجتنا تجسدت في اتخاذ سياسة النفس القصير نهجاً، وتركنا المجال للأخطبوط حتى أعاد فرد أذرعته مرة أخرى وطوق رقابنا جميعاً

سذاجتنا في مصر لم تكن في ترك الميادين فقط، بل في التفاوض مع النظام الحاكم بعد أن غير رأسه فقط وترك باقي أعضاءه في نفس الأماكن. سذاجتنا تجسدت في تصديق كل من يطل برأسه علينا معتبرًا نفسه خبير ومحلل استراتيجي وهو أصلًا رجل عسكري لا علاقة له بالسياسة. سذاجتنا تجسدت في اتخاذ سياسة النفس القصير نهجاً، وتركنا المجال للأخطبوط حتى أعاد فرد أذرعته مرة أخرى وطوق رقابنا جميعاً. مع هذه السذاجة، تسيطر عليّ حالة متناقضة من الشعور الشديد بالسعادة أن إخوتي في السودان قد نفضوا رداء الصمت من على ظهورهم/ن ولم يَهَبْ أحد أن تقتله رصاصات ميليشيات البشير، لكن في نفس الوقت الحزن على ما نحن عليه في مصر.

رِدّة، هي الكلمة التي تحضر في ذهني الآن لوصف ما يحدث فيها. ثمانِ سنوات مرت على ثورة 25 يناير 2011، وفي أوج ثورة الجزائر والسودان، المصريون مطالبون بالمشاركة في تعديلات دستورية! نعم، لقد ألهمتْ مصر ثورتي السودان والجزائر كي يتجنبوا ماحدث فيها بعد 2013، فقد صارت مصر أمثولة للتعلم من أخطاء ثورتها.

إعلان

في حين علمتنا الثورة في السودان خلال الشهور الأربعة الماضية أن الإعلام التقليدي والجديد (السوشيال ميديا) لم يكونا هما عامل الحسم في الأحداث كما ظننا في باقي الثورات العربية. لقد كسرت ثورة السودان هذا الصنم الذي ُبني حول وسائل السوشيال ميديا ومدى أثرها الثوري على مجريات الأحداث، كذلك دور الإعلام التقليدي (صحف وراديو وتليفزيون) ودعمه للثورة هناك وتوصيله صورة ما يحدث للجمهور.

أدعو لهم ألا تسرقهم لحظات الشهرة والوقوف أمام الكاميرات والانخداع بمناصب زائفة، تبعدنا عن الشارع، فندخل في دهاليز السياسة التي تُصنع في الغرف المغلقة، وننسى ما كنا في الشارع من أجله

لقد أصيب العالم بالصم والبكم والعمى منذ شهر ديسمبر عندما بدأت المظاهرات، وكأن السودان غير موجود على خريطة العالم، مثله مثل اليمن. لم يلتفت الإعلام التقليدي لما يحدث في السودان، سواء عربياً أو عالمياً إلا خلال الأيام الأخيرة قبل الإطاحة بالبشير، وهذا أمر مثير للغضب بل الكفر بكل الأكاذيب التي تروجها المؤسسات الإعلامية عن النزاهة وسرعة نقل الخبر والشفافية. هراء لا طائل منه، فنحن نعلم جيدًا أن هذه المؤسسات هي حلقة في جسد نظام عالمي كبير تحكمه القواعد الرأسمالية والمصالح السياسية الكبرى التي لا تهتم بالشعوب، إلا في حال اختراق صوت هذه الشعوب لجدران قلعة السلطان وبطانته، وهذا أيضاً لا يحدث، ولنا في سوريا والحرب على اليمن عظة.

أستيقظُ كل يوم وأُمنّي النفس أن يبقى السودانيين والسودانيات في الميادين، وألا يدب الشقاق بينهم/ن في أي لحظة، وإن ظهر خلاف بينهم جمعتهم الثورة والرغبة في تحقيق العدل. أدعو لهم ألا تسرقهم لحظات الشهرة والوقوف أمام الكاميرات والانخداع بمناصب زائفة نصنعها لأنفسنا، تبعدنا عن الشارع وكل مايحدث فيه، فندخل في دهاليز السياسة التي تُصنع في الغرف المغلقة، وننسى ما كنا في الشارع من أجله.