ثورة

ضريبة الواتساب في لبنان: الشعرة التي قصمت ظهر الشعب

17 أكتوبر سيبقى في أذهان اللبنانيين هو التاريخ الذي زعزع استقرار الدولة، فصَمت الحكّام، للمرة الأولى منذ سنوات، وعلا صوت الشعب

إعداد لونا صفوان; تصوير غوى أبي حيدر
2019 10 18, 3:46pm


نعم نعم ... أعلم، إنها ليست مجرّد ثورة واتساب، ولكن للعنوان أسباب عديدة. فقد طفح كيل المواطن اللبناني بعد سنوات من إعطاء الأحزاب والسلطة فرصاً كثيرة للإصلاح. أزمة نفايات هنا، محسوبيات هناك، غلاء في أسعار المحروقات، إضراب للأفران، أزمة الليرة اللبنانية، بطالة وصلت لأكثر من 35%، وزارات لا تقدّم الحد الأدنى من الخدمات للمواطن الذي يقوم بتسديد الضرائب المتوجبة عليه دون كلل أو ملل. كل هذا وكان ختامها مسك مع قرار وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير، تطبيق زيادة ضريبية ورسوم خاصة على المواطنين خلال استخدامهم اتصالات تطبيق واتساب. هو قرارٌ عاد وتراجع عنه الوزير بعد أقل من 24 ساعة على طرحه، لأن الشارع أطاح بالقرار والمشروع المقترح- وربما قريباً الوزير نفسه.

إذاً، هي الشعرة التي قَصمت ظهر البعير، كما وصفها الناشطون الذين خرجوا إلى شوارع بيروت. ساعة الصفر قد حانت في لبنان، فالتظاهرة الصغيرة التي انطلقت من شوارع وسط بيروت التجاري ضد الضريبة، توسعت خلال ساعات لتشمل عدداً من مناطق لبنان، دون أعلام ودون شعارات، فقط أصوات المتظاهرين الذين خرجوا يحملهن الأمل بوطن أفضل، رافعين شعارات عديدة منها "الشعب يريد إسقاط النظام." "إرحلوا عنا. "برا برا برا، نواب اطلعوا برا." "من كبيرن لزغيرن .. كلن بدنا نشيلن."

1571412964995-l11
الصور من المظاهرات في ساحة رياض الصلح اليوم، بيروت.

هذه ليست التظاهرات الأولى التي تشهدها لبنان الطبقة الحاكمة. ولكن الأمور تبدو مختلفة هذه المرة. ليل أمس الخميس لم يكن كغيره في لبنان، كرة الثلج كبرت، واتسعت، وشملت فئات اجتماعية ومناطق لم يكن يحلم اللبنانيون بأن تشملها يوم تظاهرات موحدة.

الصور كانت تشبه أحلامنا الوردية عن ثورة في لبنان توحّد الجميع

بعكس سابقاتها، اخترقت التظاهرات الحواجز الأمنية مرات عديدة، والأعداد تنامت وتزايدت، والمتظاهرون الذين بدأوا بالتوافد إلى الساحات عند الساعة السابعة مساء تقريباً، صمدوا حتى الساعة الرابعة صباحاً، قبل أن تبدأ موجة القمع والعنف وعمليات ملاحقتهم من القوى الأمنية. توجه بعض المحتجين خلال التظاهرات إلى شوارع وسط بيروت لينتزعوا ما استطاعوا انتزاعه من حواجز وسواتر حديدية، أغلقوا الطرقات في مشهدية كنا نحلم بأن تتحقق في يوم ما في لبنان. فعلاً الصور كانت تشبه أحلامنا الوردية عن ثورة في لبنان توحّد الجميع.

بيروت لم تكن الوحيدة، فمع بدء اكتظاظ ساحة رياض الصلح وسط بيروت بالمتظاهرين، انتشرت أخبار عن قيام شبان بقطع عدد من طرقات لبنان الحيوية، وما هي إلا ساعات قليلة حتى انقسمت شاشات الأخبار لتنقل لنا الصورة: ها هم المتظاهرون في وسط بيروت يحاولون اقتحام ساحة رياض الصلح مقابل السراي الحكومي، فيما يتزايد أعداد الثائرين في طرابلس وجبيل والجنوب. الشاشات المحلية باتت تشبه -منذ ليل الأمس- شاشات القنوات العالمية التي نقلت خلال السنوات الماضية تظاهرات العالم العربي- وحده لبنان كانت غائباً عنها حينها.

1571413030257-l5

أسباب التظاهرات لم تكن سبباً أو اثنين، بل هي نتيجة أشهر من الاختناق والبطالة والحقد على الدولة، تحديداً بعد أقل من 48 ساعة على اندلاع الحرائق الأخيرة التي غزت غابات لبنان أثبتت للمواطن أن الدولة فعلاً غائبة، ومخادعة، عن سابق إصرار وتصميم. ماذا نفعل في هذه الساحات؟ تختلف الإجابات، فبعض المتظاهرين يعرف

جيداً أسباب نزوله: الغلاء المعيشي، وعود السلطة الزائفة، الإضرابات المتكررة في القطاعات الاقتصادية، الخدمات السيئة، تجاهل الدولة مسؤولياتها وآخرها حادثة عدم صيانة الطائرات المروحية المختصة بالسيطرة على الحرائق، وهو أمر تسبب بإنفلات الأمور من يد الدولة وعدم قدرتها على السيطرة على الحرائق ما اضطر لبنان للاستعانة بالدولة المحيطة.

1571413971488-l13

آخرون يريدون ببساطة التخلص من النظام كاملاً في لبنان، كما يقول مواطن لبناني خلال مقابلة على إحدى القنوات الإخبارية المحلية "أنا أتظاهر اليوم، لكي أصحح الخطأ الذي ارتكبته في الانتخابات النيابية الأخيرة." أما عن مطالب التظاهرة الشاملة فتداول ناشطون لائحة بالمطالب الأكثر أهمية التي تكررت على مسامع المشاركين: إسقاط حكومة الضرائب وتشكيل حكومة طوارئ مصغرة من خارج قوى الحكومة الحالية تتبنى الإصلاحات الاقتصادية التالية: إلغاء الضرائب الجائرة والعشوائية التي تضرب القدرة المعيشة للناس. فرض ضرائب تصاعدية على رؤوس الأموال . فرض الغرامات العالية والتصاعدية على محتلي الأملاك العامة البحرية إلى حين استعادتها. إعادة مخصصات النواب السابقين إلى 50% وإلغاء معاشات عائلات الرؤساء السابقين. تجريم تدخل القوى السياسية بالسلطات الأمنية والقضائية ومنع أي عنف مع المتظاهرين السلميين ومحاسبة المخالفين محاسبة علنية.

1571413111796-l12

لطالما شكّل لبنان بالنسبة لنا، ولي شخصياً، خيبة أمل علي الصعيد المطلبي، حيث أننا وجدنا نفسنا في مناسبات عديدة نهرع إلى الشارع للتظاهر والمطالبة بحقوقنا، لتخمد همّة المتظاهرين (وهمّتنا) بعد ساعات فنستسلم ونعود منحني الرؤوس إلى منازلنا، نتأفف ونبكي على وطن لن تنجح اعتصاماتنا بتوحيد مواطنيه. إلا أن تحركات الشعب اللبناني مختلفة هذه المرة، فعلى سبيل التغيير لا يوجد قادة للحراك، لا خطابات، لا أعلام حزبية ولا وعود سياسية، ربما هي عشوائية -مخيفة في مكان ما لأن المجهول مخيف- ولأن السلطة تريد تخويفنا من المجهول، مما قد يحصل إن سقط النظام فعلاً.

ولكن المجهول يحمل بريق أمل أصدق من حكّام دولتنا اليوم. قد يكون حراك 17 أكتوبر هو الأقوى، قد نحقق كل المطالب أو بعضها، وقد يعود المتظاهرون أيضاً خائبين، لأنن اعتدنا على الخيبات في لبنان، ولكن 17 أكتوبر (بنجاح ثورته أو فشلها) سيبقى في أذهان اللبنانيين هو التاريخ الذي زعزع استقرار الدولة، بكافة أركانها، فصمت الحكّام، للمرة الأولى منذ سنوات، وعلا صوت الشعب.