موضة

نور الحاج: أصل الجمال في عدم الاكتمال

موضوع الهويّة تيمة أساسيّة في شغلي

إعداد سناء الخوري
2019 05 19, 12:09pm

نور الحاج- تصوير: نصري عطا الله

حين نقول تصميم أزياء، يتبادر إلى ذهننا فورًا عالم من الأضواء: مشاهير على السجادات الحمراء، أصوات كاميرات، عارضات يتزوجن نجوم الرياضة والسينما، وبالطبع فيلم The Devil wears Prada. كلّ هذا مثير للاهتمام، لكنّه لا يشبه لا من قريب ولا من بعيد ما تحكي عنه مصمّمة الأزياء اللبنانية نور الحاج عبر سكايب، من مقرّ إقامتها في لندن، في حديثها مع VICE عربيّة.

تحفّزت ابنة الثلاثين عامًا على تصميم مجموعتها الأخيرة "أرضٌ أقرب إليك" بعد إعلان دونالد ترامب عن نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس العام الماضي. ألهمتها صور أرشيفية لفلسطين ما قبل النكبة: فلاحون، وأطفال، وتجار، وشيوخ، يرتدون أقمشة وملابس اختفت من الاستخدام اليومي، مثلها مثل تقاليد أخرى طمسها العمل الممنهج على إلغاء هويّة أهل الأرض. غرقت الحاج في بحث طويل، خرجت منه بمجموعة من العباءات والأثواب المستوحاة من الأزياء القديمة، ولكن بخطوط وقصات معصرنة.

بعد مسيرة أكاديميّة واعدة في "مدرسة بارسونز للتصميم" (باريس) التي تخرّجت منها عام 2010، تدرّجت نور لدى عدد من المصممين الكبار، بينهم أوسكار دو لا رينتا، وإيلي صعب، ودامير دوما، ثمّ أطلقت علامتها الخاصة عام 2013 واختصّت بتصميم أزياء الرجال. في السنوات الأخيرة، قرّرت أن تجعل من عملها على الملابس منطلقًا لسرد قصصيّ، يحكي إرث الشعوب.

كمعظم الفنانين المعاصرين من جيلها، تنشغل الحاج بالأبعاد المفاهيميّة لفنّها، فتصاميمها هي في الأساس موقف من الهويّة، والتاريخ، والبيئة، تتماهى مع هموم الشباب العرب المقيمين في الخارج، والراغبين بالعودة إلى جذورهم الثقافية. تحدّثنا هنا عن عملها، وعن سعيها لتكون صناعة الموضة أقلّ تلويثًا للبيئة، ولتكون الملابس الخاصة بالرجال أقلّ حدّة وصرامة.

VICE عربية: في مجموعتك الأحدث "أرضٌ أقرب إليك" استندتِ إلى صور أرشيفية من مشروع يزن قبطي "تَخيُّل الُمقدّس" حول أرشيف صور فلسطين ما قبل نكبة 1948. أخبرينا قليلاً عن شغلك على الهوية، وكيف تضيفين جماليات معاصرة لمرجعيات تقليديّة في تصاميمك.
نور الحاج: بدأت رحلتي البحثية حول الملابس التقليديّة وعلاقتها بالهويّة منذ عامين، وما زالت الرحلة مستمرّة، إذ أبحث في كتب، ومجموعات أرشيفيّة، وأحفظ كلّ هذه المعلومات عندي، لاستخدامها في مشاريع لاحقة. إنّه بحث متواصل أستقي منه مواضيع شغلي بأكمله. بالنسبة لمجموعة "أرض أقرب إليك" (ربيع صيف 2019)، فهي محاولة لإبطال مفعول محو الهويّة الفلسطينيّة ما بعد 1948، خصوصًا أنّ المحو امتدّ ليشمل الاستيلاء الثقافي على الأكل والموسيقى وصولًا إلى تفاصيل أخرى في التقاليد اليوميّة، وكأنّها محاولة لطمس آثار شعب بأكمله.

الخطوط في المجموعة مستوحاة بشكل مباشر من قميص طفل في إحدى صور مجموعة "تخيّل المقدّس" ليزن قبطي كما أشرت، وكذلك الأنماط المستخدمة في القماش، مستوحاة من صور قديمة أرشفتها. حاولت إعطاء الملابس التقليديّة بعدًا معاصرًا من خلال نوعية القماش المستخدم، والألوان، والقصات. فالعباءة أو الثوب عندي أقصر، والقماش المستخدم لحياكته أخفّ، ويمكن لبسه مع سروال، بهدف تسهيل الحركة. مثلًا، كان بإمكان فراس (أبو فخر) من "مشروع ليلى" أن يرتدي إحدى القطع على المسرح، وهو يقفز ويعزف الغيتار.

1558266868766-yazan
صورة الطفل من مجموعة "تخيّل المقدّس" ليزن قبطي.

الموضوع الذي تنطلقين منه موضوع سياسي، ألا ينعكس ذلك سلبًا على التسويق للمجموعة؟
موضوع الهويّة تيمة أساسيّة في شغلي، سواء في هذه المجموعة، أو المجموعات الأخرى، وهو موضوع يعني لي الكثير، ولا أحبّ المرور جانبه مرور الكرام. وفي حالة محو الهويّة الفلسطينية، أرى أنّ الموضوع إنساني، قبل أن يكون سياسيًا. هناك تيمة أخرى أساسيّة، تعطي علامتي شخصيّتها، وهي الحفاظ على الاستدامة. تربيت على الاهتمام بالبيئة، على ألا نرمي شيئًا، وألا نستهلك أكثر من اللازم. ولأن صناعة الموضة هي ثاني أكبر صناعة ملوّثِة في العالم، أعمل على انتقاء كافة أقمشة مجموعاتي من مصانع تقفل أبوابها في إيطاليا وإسبانيا، بانتظار أن أجد وسيلة لاستخدام أقمشة عربيّة بكلفة معقولة. كما أسعى حاليًّا لتقليص استخدام البلاستيك في الطلبيات، عبر البحث عن بلاستيك قابل للتحلّل.

على فكرة لستُ الوحيدة التي تعمل في هذا الاتجاه، فهناك مصمّمون وفنانون شباب في العالم العربي، يحاولون مقاربة المفاهيم ذاتها، سواء في الموسيقى أو الأزياء أو غيرها، ويزاوجون بين التقاليد والفنون المعاصرة، ويدفعون نحو التنوّع في التمثيل. في لندن مصمّمون من أصول مختلفة، يعودون إلى جذورهم، يستوحون منها، ويتخيّلونها بطابع معاصر. عملي متناسق مع هذا التيار الذي بدأ قبل عشر سنوات ويمتدّ، وهذا ما أرى أنّه يعطي شغلي معنىً.

1557918083585-Nour-Hage-SS19-3
من مجموعة "أرض أقرب اليك" تصوير: نصري عطا الله
1557918099769-Nour-Hage-SS19-4

لماذا اخترت الخوض في مجال تصميم الأزياء للرجال؟
تدرّجت في "مدرسة بارسونز للتصميم" كمصمّمة لأزياء النساء، وحين بدأت مشواري المهني، تدرّبت على يد المصمّم الكرواتي -الألماني دامير دوما، المختصّ بتصميم أزياء الرجال. اكتشفت لديه عالمًا جديدًا، وأحببت الفكرة، وقرّرت حين أطلقت علامتي الخاصّة في بيروت عام 2013، أن تكون للرجال. ولكن قبل بضعة أعوام، كانت السوق صغيرة جدًّا على قطاع أزياء الرجال، خصوصًا بالنسبة للجماليّات التي أعتمدها في شغلي، فكانت مجموعتي الأولى من أزياء النساء. قبل حوالي ثلاث سنوات، انتقلت إلى لندن، وجدت أن الوقت بات مناسبًا كي أنفذ ما أطمح إليه وأصمم للرجال. لا أرى الأمر تحديًا، بقدر ما هو شيء طبيعي بالنسبة لي، فهذا هو الشغل الذي أحبّه، والذي يتناسب مع نمط الأزياء البسيط والخام الذي أصمّمه. أزياء الرجال لها مستقبل الآن، كما أنّ سوقها تكبر بسرعة أكثر من سوق أزياء النساء.

1557918180850-Nour-Hage-SS19-6
تصوير: نصري عطا الله

تعقّبت مجموعتك على إنستغرام، شعرت أنّها دعوة لنحبّ الشباب الذين يرتدون هذه الأثواب، كأنّهم يمثلون رجلًا جديدًا، أو يقدمون الرجولة بطريقة مختلفة عن السائد، أو كأنّ الأزياء فيها سلاسة جندريّة ما. من كان ملهمك؟
ليس هناك ملهم واحد، الأولويّة في أيّ مجموعة كما قلت لك هي للمفاهيم والأفكار التي أريد التعبير عنها. خلال فترة اختمار الفكرة الأولية لعلامتي، التقيت بمصمّم الأحذية الإماراتي سلطان الدرمكي، وهو صديق مقرّب، يمكن القول إنّه كان ملهمي في المرحلة الأولى. لكن عمومًا، أحبّ ملابس الرجال العرب، وما تشي به من فخر عند ارتدائها، وأردت أن أترجم ذلك.

شخصيًّا لا أتعمّد أن تكون أزيائي سلسة جندرية، وهي بالأساس مصمّمة للرجال. البعض يقولون لي أنّ فيها طابعًا أنثويًّا، أنا لا أسميه هكذا، أقول إنّه طابع ناعم. اعتدنا أن نرى ملابس الرجال جامدة، حادّة، ومنظّمة، واعتاد الرجال أن يرتدوا ملابس غير مريحة. ما أحاول فعله هو إضفاء بعض النعومة على الأقمشة والقصات التي يرتديها الرجال. والدي طبيب في الخامسة والستين من عمره، ويرتدي تصاميمي. هناك الكثير من الشباب الآسيويين والعرب المقيمون في أوروبا وأميركا، يتماهون مع العلامة ومع خياراتها ومع رؤيتها للعالم، منفتحون على كافة الثقافات، ولديهم حشرية تجاه التقاليد، لذلك يحبون هذا النوع من اللباس.

هل تحيكين قطعك بنفسك؟
أحب أن أعمل بيدي، أحبّ الشغل بالخيط والابرة كثيرًا، كانت هذه هوايتي منذ كنت في الخامسة من عمري، حين كنت أحيك الملابس للدمى، حتى أحضر لي أهلي آلة خياطة خاصة بي. رغم ذلك الاهتمام، لم أفكّر يومًا أنّي سأصبح مصمّمة أزياء، ولم أكن أهتمّ كصديقاتي بأسماء عارضات الأزياء، أو بمجلات الموضة السائدة؛ لكن خلال السنة التأسيسيّة الأولى في الجامعة، اكتشفت فنون التصميم على أنواعها، واخترت التخصّص بالأزياء لأني وجدتها متماشية مع اهتمامي وشغفي.

الآن بدأت علامتي تكبر، ولم يعد لديّ الوقت لتنفيذ كلّ شيء يدويًّا. أتعاون لحياكة القطع مع مصنع صغير في بيت الشعار (شمال بيروت)، يديره جو فاخوري، وهو خيّاط تدرّب في إيطاليا وفرنسا منذ عقود. أتعلّم منه تقنيات الكار والصنعة، كما أجد التعاون معه متناسبًا مع الخطوط العريضة لعلامتي، لأنّه يتعامل بشكل محترم مع موظفيه، ويدفع لهم أجورًا عادلة.

في عملك انشغال بهويّة المنطقة، لكنّه يحمل كذلك بعدًا عالميًّا. هل استوحيت من مصممين معيّنين؟
كأي مصمّمة تأثرتُ برؤى مصممين آخرين ودوافعهم، أبرزهم دامير دوما المصمّم الذي تدرّجت على يده، والياباني يوجي ياموموتو. كانت والدة ياموموتو خيّاطة، وكان يمضي وقتًا طويلًا في مشغلها، ويلاحظ النساء منزعجات بالكعب العالي. وعندما أصبح مصمّمًا معروفًا، كان أوّل من يُلبِس عارضاته أحذية مسطحة. يعتمد ياموموتو فلسفة يابانية اعتمدتها أيضًا، وهي الوابي سابي، وتعني "إيجاد الجمال في عدم الكمال" أو "الاكتفاء بعدم الاكتمال." وهذا ما أعمل عليه في قطعي، إذ أترك للقماش مجالاً ليتغيّر، ويتحرّك كما يريد، ما يزيد من قيمة القطع مع الوقت.

شخصيًّا لست ممن يحبون اتباع السائد وليس هدفي أن أكون "ترند." في طفولتي كنت ارتاد مدرسة بلباس موحّد، لذلك أعمل على ابتكار قطع متفرّدة غير مستنسخة. الـ"ترند" أو الموضة السائدة، هو ما ترتدينه اليوم، ولن يكون قابلًا للاستخدام السنة المقبلة أو التي تليها، ما يعني أنّنا نستهلكه كشيء مؤقت، وذلك يتنافى أساسًا مع طموحي لجعل قطاع الموضة أكثر استدامة واحترامًا للبيئة.

يمكنكم مشاهدة المزيد من تصاميم نور الحاج على موقعها.