Bedouins_of_Jericho-1

لقطات من فيلم "بدو أريحا" Bedouins of Jericho

نادي الأفلام

بدو غور الأردن بين الهجرة والتهجير

ما يزيد من صعوبة الوضع هو عدم الاعتراف بهم كسكان أصليين نازحين أو كأقلية، سواء من إسرائيل أو من السلطة الفلسطينية
19.4.21

في عام 2014، بدأنا بإجراء بحث حول تجارب اللاجئين الفلسطينيين والسكان الأصليين الأمريكيين، وركزنا بحثنا على أشكال الكفاح الدائر في المخيّمات والمحميات. في الزمن الراهن، لا يعيش في المخيمات والمحميات سوى نسبة قليلة من اللاجئين في فلسطين ومن السكان الأصليين في الولايات المتحدة، إلا أن البقاء فيها والمقاومة الموجودة ضمنها يكشفان جوهر عمليات الاستعمار الاستيطاني تاريخياً وحالياً بشكل لا يمكن إنكاره.

وفي عام 2014 ذاته، أعلنت دولة إسرائيل عن مخطط لترحيل وإعادة إسكان 12500 بدوي يعيشون في المنطقة ج، في خرق صريح للقانون الدولي. ولقد قوبل هذا المقترح بالرفض والاحتجاج. هؤلاء البدو يمثلون شريحة من السكان الأصليين ضمن الشعب الفلسطيني، وكانوا في السابق يعيشون وفق نظام قبلي مرتحلين حول صحراء النقب. يواجه البدو واقع اللجوء والاستقرار في المكان منذ إقامة الدول القومية وترسيم حدود المنطقة، ولكنهم مازالوا متمسكين بمقاومة مخططات الحكومة الإسرائيلية التي تسعى إلى تسكينهم في مخيمات لاجئين أو فيما سيشبه بالفعل محميات السكان الأصليين كما هي عليه اليوم في الولايات المتحدة.

إعلان

لقد تمكنا من زيارة عدة تجمعات بدوية في الضفة الغربية قبل انتشار جائحة كوفيد 19. وذلك لنعرف المزيد عن تجربتهم الخاصة بالمقارنة مع المواقع الأخرى التي كنا نوثقها طيلة السنوات الستة الماضية..

المنطقة الممتدة بين مدينتي أريحا والقدس العتيقتين جميلة رغم تواضعها، مكونة من منحدرات سهلية عريضة تتبدل ألوانها ببطء ودون انتظام بين الأخضر وطيف واسع من درجات البني والذهبي المتآلفة في طبيعة البادية. يخال للمتوجِّه شرقاً نحو أريحا أنّها نقطة التقاء بلاد الشام بسهولها الخصبة ومدنها التجارية وشبه الجزيرة العربية بصحاريها الشاسعة.

ولكن اليوم، تغيب هذه المعالم الجغرافية عن البال عند تحديد المنطقة، ويمكن بدلاً عن ذلك تعريفها بالأراضِ الواقعة بين شرق القدس المضموم إلى إسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية. للتنقل في غور الأردن حالياً، يجب خوض المنطقة ج من الضفة الغربية المحتلة الشبيهة بقصص الخيال العلمي، فهي منطقة مدججة بالعسكر، تنتصب فيها المستوطنات الإسرائيلية بجوار التجمعات الفلسطينية البدوية الصغيرة مباشرة، وفي هذه الأخيرة، تتناثر المساكن العشوائية في المساحات الفارغة، ويحيط بها الطريق السريع الذي شُقَّ للمستوطنين حصراً.

Bedouins_of_Jericho-4.jpg

يوجد حالياً حوالي 40 ألف بدوي في الأراضي الفلسطينية المحتلة من إسرائيل. أكثر من 70% منهم يعيشون في المنطقة ج. علماً أن المنطقة ج تعادل 60% من أراضي الضفة الغربية، إلّا أنها خاضعة كلياً للسيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية. وفي وقت كتابة هذه السطور، يعيش أكثر من 400 إسرائيلي في المنطقة ج من الضفة ضمن ما يزيد عن 100 مستوطنة غير شرعية. 

عند التحول السياسي من الامبراطورية العثمانية إلى الدول القومية التي تشكل حالياً الشرق الأوسط، تأثّرت مجتمعات المنطقة بدرجات متفاوتة. ولا شك في أنَّ البدو الرحل هم أكثر من تضرَّر من هذا التحول. لقد احتلت إسرائيل صحراء النقب أثناء نكبة 1948 وأجبرت السكان الأصليين البدو على النزوح والتشرذم في عدة بلدان مجاورة. وهكذا اضطر من كانوا يرتحلون في السابق تلبية لمتطلبات الطبيعة إلى النزوح قسراً، مراراً وتكراراً، وفقاً لرغبات سلطات الاحتلال، وذلك منذ 1948 مروراً بتهجير عام 1967 وحتى يومنا الحالي. خلال هذه العملية، انتقل بدو فلسطين أيضاً من ترحال البداوة الحر إلى نزوح اللجوء المؤلم. 85% من البدو في الضفة المحتلة هم لاجئون من الأراضي التي أصبحت إسرائيلية اليوم ولو أن غالبيتهم العظمى رفضت الانتقال إلى مخيمات اللاجئين بغية الحفاظ على أسلوب حياتهم التقليدي.

إعلان

 إنّ التجمعات التي يعيش فيها البدو اليوم تشكل بحد ذاتها محاولة من الإسرائيليين لفرض الجمود والثبات على نمط حياة البدو القائم على الحركة والترحال. فإقرار تبعية الأراضي قسراً يعني ربط مجتمع محدد بمكان محدد، وهو ما يسهل على حكومة الاحتلال السيطرة والمراقبة في آن واحد. والتجمع هو أشبه بأسرة كبيرة تحاول الحفاظ على حياة مشتركة ضمن الحدود الحالية.

ولهذه لتجمعات ترتيب بسيط ومتشابه عموماً، فكل منها يتألف من مساكن متركزة في ناحية وجامع أو مدرسة في الناحية الأخرى، بالإضافة إلى فضاء في المركز لاستقبال الضيوف والأهم أراض لتربية الماعز والأغنام، نظراً إلى أن الماشية تشكل محور حياة البدو وعماد اقتصادهم. وتساهم تجمعات البدو فعلياً بقدر كبير من الإنتاج الغذائي على الصعيد الوطني الفلسطيني، وخسارة هذا الإنتاج قد يؤدي غالباً إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي لجميع الفلسطينيين وزيادة الحاجة لاستيراد الغذاء من إسرائيل.

Bedouins_of_Jericho-6.jpg

كان على البدو باستمرار مواجهة قرارات صعبة سواء كشعب أو كقبائل منفردة عند نزوحهم من مكان إلى آخر. أكثر من مرة توجب عليهم الاختيار بين أسلوب حياة سهل قد يؤدي بهم إلى الفقر والهشاشة، وبين بداوة مساوم عليها تسمح لهم بتأمين كفاف عيشهم، وفي كل مرة فضّل معظمهم الخيار الثاني، متمسكين بما تبقى من أسلوب حياتهم التقليدي. ولكن حتى هذه المساومة معرضة للخطر، فالمخطط الإسرائيلي الأخير يقضي بجمع معظم البدو المقيمين في التجمعات المختلفة في الضفة المحتلة وتخصيص حوالي نصف دونم لكل أسرة، ثم حشرهم فيما سيصبح محمية بدوية ضخمة، في منطقة تسمى النويعمة في ضواحي أريحا. ويبدو الهدف من هذه العملية واضحاً للبدو أنفسهم، فقد قال لنا أحد أعيان البدو: "لن تستطيع تربية الأغنام أو ممارسة حياتنا التقليدية وسنضطر إلى كسب قوتنا كعمال مياومة، وهذا بالنسبة لنا مرفوض."

تذكّر فكرة تخصيص الأرض المشتركة هذه بقانون "دوز" الذي تبناه الكونغرس الأميركي عام 1887 بهدف فرض نظام ملكية خاصة محل نظام الملكية الجماعية للأرض الذي كان جارياً، حيث تم تقسيم الأرض وتخصيص حصة منها لكل أسرة، وبيعت الأراضي الفائضة عن القسمة في السوق المفتوح. لم تتسبب هذه الإجراءات بتقليص الأراضي التابعة للسكان الأصلين فحسب، بل أدت تدريجياُ إلى القضاء على النظام السيادي القبلي نفسه، وعلى استقلالية القرار وعلى البنية الاجتماعية. في حينها، كما هو الحال اليوم، خدم هذا التخصيص مصالح المستوطنين، إما لاحتلال وتخصيص أراضٍ كانت ملكاً للسكان الأصليين في السابق واستخراج الثروات الطبيعية منها، أو لإقامة بنى تحتية للسكان الحضريين.

إعلان

وخلال هذه العملية قُضي على الاقتصاد التقليدي واستبدل استقلال المجموعة بتقسيم للأراض، وأُجبر شعب فخور ومكتف ذاتياً على الاتكال على اقتصاد الدولة الاستيطانية والاستعمارية التي هجّرته بادئ ذي بدء. يعرف البدو جيداً أن مخطط النويعمة سيؤدي إلى نتائج مشابهة، ويتسبب بلا شك في انهيار البنية القبلية ودمجهم قسراً في النسيج الحضري المُفقر بحيث لا يبقى لديهم أي خيار سوى كسب قوتهم كعمال مياومة للمستوطنين الإسرائيليين.

Bedouins_of_Jericho-3.jpg

عدا عن أنّ البنى التحتية للمستوطنات بحد ذاتها تهدد حياة البدو. فلقد رأينا طريقاً سريعاً، يخدم المستوطنين حصراً بالقرب من تجمع الخان الأحمر، وهو يجبر الأطفال الذين يسكنون في هذا التجمع على قطع الطريق السريع عند ذهابهم إلى المدرسة، متسبباً بالتالي بإيقاع العديد من القتلى والمصابين. عدا عن أشكال حادة من عدم المساواة في البنى التحتية، فالمستوطنات غير الشرعية المبنية حديثاً تُزود بالماء والكهرباء، فيما يمنع كل منهما بشكل ممنهج على تجمعات البدو الموجودة في المنطقة منذ عقود. وبالتوازي مع ذلك، تتم مصادرة واحتجاز الأغنام التي تدخل أرضاً عسكرية أو للمستوطنين، وقد تُرد إليهم لاحقاً مقابل غرامة مالية ضخمة أو لا ترد على الإطلاق. ولكل هذه التكتيكات صدى في الولايات المتحدة، حيث استخدمتها الحكومة والمستوطنون أنفسهم على حد السواء كوسيلة لطرد السكان الأصليين. ولقد صعقنا لتشابه القصص التي سمعناها في الضفة وتلك التي روتها لنا في السابق عائلات "ديني" التي تقيم حالياً في "بلاك ميسا" في محمية نافاجو في جنوب غرب الولايات المتحدة.  

وأخيراً، هناك ما يدعوه البدو بـ"الحرب النفسية" التي يشنها المستوطنون والجيش سعياً لتحطيم روح الجماعة لدى البدو وطردهم من أراضيهم. وهي تتضمن هدم التجمعات، ورش أراضيهم ومبانيهم بمياه الصرف الصحي، واستهداف نساء البدو تحديداً، مستخدمين العنف ضد المرأة كطريقة لإهانة أفراد هذه التجمعات. وهذا ما حدث على سبيل المثال مع ابنة شيخ الخان الأحمر التي قالت لنا إنها تعرضت لضرب مبرح من قبل الجيش الإسرائيلي.  

ما يزيد من صعوبة وضع البدو الموجودين في المناطق المحتلة هو عدم الاعتراف بهم كسكان أصليين نازحين أو كأقلية، سواء من إسرائيل أو من السلطة الفلسطينية. بمعنى أنه لم يتم الاعتراف بهم سياسياً كمجموعة خاصة ضمن المجتمع الفلسطيني، ما يصعب عليهم المطالبة بالحقوق الواجب منحها لهم كونهم لاجئين وسكان أصليين في آن واحد.   

إن وجود مجتمعات البدو بحد ذاته يشكل تحدياً خاصاً ومباشراً للاحتلال، ليس لأنهم يسكنون أرضاً تريدها إسرائيل لتوسيع مستوطناتها فحسب، بل ولأن أسلوب حياتهم ومجتمعهم وعلاقتهم بالأرض وسبل توفيرهم للعيش تتناقض مع النموذج التنموي والشركاتي الذي تود إسرائيل تصديره إلى المنطقة وإخضاع البدو له بالقوة. ولكن قال لنا شيخ تجمع بدوي بالقرب من أريحا:" لن نغادر، لن نغادر مهما كان الثمن."

يمكنكم مشاهدة فيلم "بدو أريحا" كاملاً هنا.