هوية

التراث الاستعماري الأبيض للرهاب من المثلية

كان الهنود الحمر يعترفون بخمسة هويات جنسية، الأنثى، الذكر، والعابرين جنسيًا وذوو الروحين
11.8.20
homophobic

في كثير من الأحيان، عن الحديث عن المثلية وحقوق مجتمع الميم، سيتم اتهامك فوراً بأنك "تروج لأفكار غَربية وغريبة" بعيدة عن المجتمع الإسلامي والعربي. ولكن قد تكون الحقيقة مختلفة تماماً. المجتمعات الإسلامية هي واحدة من الكثير من المجتمعات الأصلية التي كانت تتكلم بانفتاح علني عن الحب المثلي بل وتحتفي به، فلم يكن شيئًا مرفوضًا ولا منبوذًا لدرجة أنه كان محور إلهام لكثير من الشعراء.

تشير الدراسات الحديثة إلى أن المثلية الجنسية لم تصبح ضمن قائمة المحظورات إلا بعد الاستعمار البريطاني بشكل خاص، من بين 71 دولة حول العالم تعتبر فيها العلاقات الجنسية المثلية غير قانونية، أكثر من نصفها كانت مستعمرات أو محميات بريطانية سابقة، وفقًا لبحث قدمته الرابطة الدولية للمثليين. إذاً، الأمر ليس صدفة، لنعود قليلاً إلى التاريخ.

إعلان

المثلية الجنسية في العالم الإسلامي قبل الإستعمار
المثلية الجنسية هي توجه جنسي بالانجذاب الشعوري والجنسي إلى أفراد من نفس الجنس. في البداية سنتحدث عن تاريخ المثلية الجنسية في العالم الإسلامي قبل استعمار الغربي، وقد تكون الفترة الأفضل في اتخاذها مثالًا على تسامح العالم الإسلامي مع هذه القضية هي فترة العصر الذهبي الإسلامي، من منتصف القرن الثامن إلى منتصف القرن الثالث عشر، حيث يعتقد وصلت الحضارة الإسلامية آنذاك إلى ذروتها الفكرية والثقافية. كانت المثلية الجنسية جزءً من ثقافة المجتمع وكان يتم التحدث والكتابة عنها علنًا دون قيود، فقد كتب أبو نواس -وهو من أشهر شعراء الدولة العباسية -عن رغباته وعلاقاته المثلية، وكانت كتاباته المثلية منتشرة ومتداولة. في يناير من عام 2001، ترددت أخبار حول قيام وزارة الثقافة المصرية بحرق نحو 6،000 نسخة من أحد دواوين أبو نواس يرجح أن تكون هذه النسخ لديوان "شبق مثلي." (الوزارة نفت ذلك).

بغداد كانت حتى وقت غزو المغول لها وتدميرها، العاصمة الثقافية لمعظم العالم. إذا استطاع نواس وشعره المثلي تمثيل ذروة الثقافة البغدادية، فمن المتوقع أن تكون المجتمعات الإسلامية الأخرى منفتحة تمامًا على المثلية الجنسية. حتى القرن التاسع عشر، تعامل المسلمون وغيرهم من المجتمعات مع المثلية الجنسية كطبيعة فطرية وهوية، ولم يتم تجريم المثلية الجنسية طوال فترة حكم العثمانيين، وكان من حق المثليين الممارسة دون أن يعاقب عليها القانون إلا في حدود معينة تتعلق بالقوة (الاغتصاب).

لاحقاًـ تم اعتبار المثلية الجنسية خطيئة، بناءً على القصة القرآنية لقوم لوط. وهو قوم أدان الله بسببه مدينة بأكملها، فكانوا لا يؤمنون بوجوده ويعبدون الأصنام كما أنهم قاطعي طرق. ويتفق الكثير من المحللين في الوقت الحاضر أن فعل قوم لوط الذي عوقبوا لأجله ليس "اللواط" بل بسبب قطعهم للطريق. وبحسب لودفيك محمد زاهيد، إمام مسجد في فرنسا، فإن هناك حوالي ستين موضعاً في القرآن تم فيها ذكر قوم لوط، "لكن يكن الحديث إطلاقًا عن المثلية الجنسية أو حتى الشذوذ الجنسي. القرآن تحدث فقط عن فاحشة قوم لوط وعن الشهوة."

إعلان

إذن، ما الذي جعل المجتمعات الإسلامية تنتقل من الاحتفاء بالهويات الجنسية المختلفة، إلى حظر الحب من نفس الجنس؟ من الصعب تحديد سبب دقيق، ولكن هناك خمس دول مسلمة لا تجرم المثلية الجنسية. كل ما تشترك فيه الدول الخمس -مالي والأردن وإندونيسيا وتركيا وألبانيا -هو أنها لم يستعمرها البريطانيون أبدًا.

الاستعمار البريطاني ورهاب المثلية
في عام 1858، قامت الإمبراطورية العثمانية بإلغاء تجريم المثلية الجنسية (وهي حالة ورثتها تركيا). كان هذا قبل عامين من قيام الراج أو الاستعمار البريطاني بإنشاء قانون العقوبات الهندي، حيث شرع القسم 377 منه حظر المثلية الجنسية في الهند وباكستان وبنغلاديش. كان تأثير قانون العقوبات لعام 1860 عميقًا جدًا في الهند لدرجة أن الهندوس المحافظين ما زالوا يعتبرون المثلية الجنسية غير أخلاقية- على الرغم من أن الهندوسية، على عكس الإسلام أو المسيحية، حيث ليس لديها أي إدانة نصية للحب من نفس الجنس.

قام الاستعماريون البريطانيون في الهند (بتشجيع من الكنيسة في ذلك الوقت) بتصوير المثليين على أنهم ليسوا فقط خطرًا على "الآداب العامة" ولكن أيضًا يشكلون "تهديدًا للسلطة السياسية الاستعمارية." وهكذا سلّح القانون الشرطة بقوة المراقبة المتزايدة للمجتمع، لم يُسمح للرجال بارتداء ملابس نسائية ومجوهرات في الأماكن العامة، وتعرضوا للتهديد بالغرامات والإلقاء في السجن وتم قص شعرهم الطويل.

تقول اينغز هان، مؤلفة كتاب "الاستعمار البريطاني وتجريم المثلية الجنسية" إن القوانين التي جاء بها الاستعمار البريطاني كانت جزئياً نتاج قانون أخلاقي صارم منذ 1860 حيث حدد هذا القانون أن أي نشاط جنسي ليس من أجل الإنجاب يعتبر من المحرمات. وتضيف: "كان لدى الاستعمار البريطاني هذا المفهوم القائل بأن" المشرق" أي الرعايا غير الغربيين، يفرطون في ممارسة الجنس، وهذا هو السبب في أنهم كانوا قلقين من أن الضباط الاستعماريين الشباب الذين يسافرون إلى الخارج سيفسدون بسبب تلك الأفعال الجنسية." وهكذا في عام 1885، أدخلت الحكومة البريطانية قوانين عقوبات جديدة تعاقب جميع السلوكيات الجنسية المثلية. الهند من بين 71 دولة التي ورثت التشريعات التي تحظر الجنس المثلي من الحكم البريطاني وقامت بإلغائها بعد حصولها على الاستقلال.

إعلان

في شهر سبتمبر عام 2018 أصدرت المحكمة العليا في الهند قرارًا تاريخياً بإضفاء الشرعية على الجنس المثلي بالتراضي وإلغاء القسم 377، وهو قانون بريطاني من الحقبة الاستعمارية يحظر "الأفعال غير الطبيعية." وقد أعربت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في ذلك الوقت عن "أسفها" لتاريخ الإمبراطورية البريطانية الطويل من تشريعات رهاب المثلية."

كل شخص لديه روح ذكر وروح أنثى
لم يقتصر الاستعمار الأوروبي لأمريكا الشمالية على القتل والمجازر والاستيلاء على أراضي السكان الأصليين فحسب، بل عمل المستوطنون على سلب حرياتهم وثقافتهم وتاريخهم، وكانت إحدى هذه الجوانب التي خضعت للتغيير والمحو هو التعبير عن التنوع الجندري. بالنسبة لسكان أمريكا الأصليين، كانت ثقافتهم فيما يتعلق بالهوية الجنسية والجندرية متطورة بعقود عن المستوطنين الذين جاءوا كغزاة ومحتلين.

الهنود الحمر كانوا يعترفون بخمسة هويات جنسية، الأنثى، الذكر، والعابرين جنسيًا وذوو الروحين والتي تشمل الذكر ذو الروحين والأنثى ذات الروحين. ويأتي مصطلح two spirit من فكرة أن كل شخص لديه روح ذكر وأنثى داخل جسده أو العكس، فقد كانت هوية الشخص لا يتم الاستدلال عليها من من شكله الظاهري الخارجي فحسب، ولكن يعتمد ذلك على أي من الروحين يكون أكثر هيمنة داخلهما. كان ينظر إلى الأشخاص ذوو الروحين على أنهم هبة من الطبيعة، وبالتالي، قادرون على رؤية العالم من خلال عيون كلا الجنسين- أي كأنثى وذكر معًا.

لم يكن الأوروبيون البيض فقط هم من حاولوا إخفاء أي أثر لتنوع الهويات، فقد دمر الرهبان الإسبان معظم مخطوطات الآزتك للقضاء على المعتقدات والتاريخ الأصلي للسكان الأصليين. والأزتيك، الذين حكموا ما يعرف اليوم بالمكسيك من عام 1430 إلى 1521، كانوا أيضاً يعترفون بجميع الهويات الجنسية، وواحد من أحد مزودجي الروح الأكثر شهرة في تاريخهم هو Osh-Tisch وهو محارب من شعوب لاكوتا، ولد ذكرًا، لكنه اختار أن يعيش حياته كأنثى.

إعلان

في الثقافات الأمريكية الأصلية، كان يقدر جنس الفرد بناءً على مساهماته في القبيلة بدلاً من الذكورة أو الأنوثة. ولم يعمل الآباء على تحديد جنسًا معينًا للأطفال أيضًا، فحتى ملابسهم كانت تميل إلى أن تكون محايدة بين الجنسين. لم تكن هناك أفكار أو مُثُل حول من تحب ومن تشعر بالانجذاب إليه، كان ببساطة فعلاً طبيعياً يحدث دون حكم أو تردد.

ولكن سرعان ما جلبت التأثيرات الدينية التي جاءت مع المستعمرين البيض تحيزًا خطيرًا ضد "التنوع الجندري" فبعد سيطرة الأوروبيين تم تنفيذ "إبادة جماعية" بالسكان الأصليين، فيما كان يتم إلقاء ذوو الروحين في حفر لكلاب وحشية جائعة. تم فرض عليهم اتباع أدوار الجنسين الموحدة، من حيث اللباس والشعر والشكل العام، وتم فرض قوانين الزواج الأوروبية الأمريكية، مما يعني منع زيجات نفس الجنس التي كانت شائعة بين القبائل في جميع أنحاء أمريكا الشمالية. لم يكن أمام الكثير منهم إلا أن يعيشوا في الخفاء خوفًا من أن يتم اكتشافهم، أو إنهاء حياتهم بالانتحار، وهذا بالفعل ما لجأ إليه الكثيرون منهم.

قوانين المثلية الجنسية في البلدان الإسلامية الحديثة
لنعد إلى العالم العربي والإسلامي، تزامن صعود الأصولية الإسلامية في ثمانينيات القرن العشرين مع صعود حركة حقوق المثليين في أمريكا وأوروبا، مما أدى إلى تصعيد الاختلافات الثقافية. بمجرد أن أصبحت المثلية الجنسية مرتبطة بالغرب، كان السياسيون في الدول العربية والإسلامية قادرين على التلاعب بالمشاعر المعادية للمثليين من أجل مكاسبهم الشخصية. اليوم، تصل عقوبة المثلية إلى الإعدام في خمس دول هي قطر واليمن والسعودية، إضافة إلى نيجيريا وإيران. في العديد من الدول الإسلامية الأخرى، يُعاقب على المثلية الجنسية بالسجن والغرامات والعقاب البدني. في تركيا، الأردن ومصر، لا يحظر القانون الاتصال الجنسي مع أشخاص من نفس الجنس، ومع ذلك، يتم عقاب المثليين ضمن قضايا تتعلق "بالأخلاق والفجور."

تدين معظم منظمات حقوق الإنسان الدولية، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، القوانين التي تجعل العلاقات المثلية بين البالغين المتراضين جريمة. ومنذ عام 1994، قضت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أيضًا بأن مثل هذه القوانين تنتهك الحق في الخصوصية المضمون في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومع ذلك تصر معظم الدول الإسلامية على أن هذه القوانين ضرورية للحفاظ على الأخلاق والفضيلة.

قد لا يتفق الكثير مع هذا الطرح، فهي قضية شائكة ولكنها تحاكي حقب زمنية متتالية، استنادًا إلى أسس تاريخية واقعية. على الرغم من مرورها بعدة مراحل على مر التاريخ، ولكن المثلية الجنسية التي تعد إحدى المحرمات اليوم، كانت أمرًا طبيعيًا عاديًا ومقبولًا قبل أن يفرض الاستعمار سيطرته العسكرية وسلطته الثقافية القمعية وينشر رهاب المثلية في العالم.