صحة نفسية

أحيانًا الاكتئاب يعني عدم الشعور بأي شيء على الإطلاق

لست سعيدًا.. لست حزينًا.. فقط لا شيء
Philip Eil
إعداد Philip Eil
19.2.20
اكتئاب
Photo by Grace Madeline on Unsplash



لم أدرك مُطلقًا كم كانت معرفتي قليلة عن الاكتئاب حتى أصبحت مُكتئبًا. لم أكن أعرف، على سبيل المثال، كيف يمكن للاكتئاب أن يُنقص من شهوتك الجنسية. لم أكن أعرف أن الاكتئاب يهاجم تركيزك، وطاقتك، وقدرتك على إنهاء الأمور. خلال النوبة الأخيرة، واجهت صعوبة في الانتهاء من قراءة مقالات أو مشاهدة الأفلام. انخفض عدد رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلتها. جميع المهمات اليومية شعرت بأنها مهام شاقة.

ولكن ربما الأمر الأكثر غرابة هو فقدان الإحساس العاطفي. لم أعرف معنى الاكتئاب سوى بتلك اللحظة التي نظرت فيها إلى ابنة أخي البالغة من العمر عامين (والتي كنت أعرف أن رؤيتها ستذيب قلبي) لكني لم أشعر بشيء . أو عندما كنت في عزاء أحد الأصدقاء، حيث كانت تحيط بي التنهدات والنحيب، وانتابني شعور بالذنب والفزع، وكنت أتساءل لماذا لا أشعر بالخسارة بشكل أكبر؟

إعلان

خلال هذه الفترة الأخيرة من إصابتي بالاكتئاب، عانيت من هذا النوع من فقدان الشعور لأسابيع. الأخبار السياسية التي كانت تغضبني قبل ذلك، أصبحت لا تعنيني. لم يكن للموسيقى أي تأثير يذكر ولم تعد تثير الذكريات كما في السابق. كانت جميع النكات غير مضحكة. والكتب مملة. كل الطعام غير شهي. شعرت، كما كتب فيليب لوبات في قصيدته بدقة متناهية بـ"فقدان الاحساس" "لا شيء على الإطلاق."

يقول الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، أنه لكي اعتبار شخص بأنه مصاب بـ "اضطراب اكتئابي" (Major Depressive Disorder) فإنهم يحتاجون إلى اختبار الحالة المزاجية لهذا الشخص طوال اليوم، وتقريبًا كل يوم. وكذلك دراسة نسب انخفاض الاهتمام أو المتعة في أداء كل الأنشطة أو معظمها طوال اليوم وتقريبا كل يوم، لمدة أسبوعين. كما يجب على الشخص أيضًا الإبلاغ عن أربعة أعراض إضافية على الأقل مرتبطة بالاكتئاب ومنها نقصًا كبيرًا في الوزن أو زيادة في الوزن أو عدم القدرة على النوم أو النعاس المفرط أو الأرق، الإرهاق أو فقدان الطاقة المتكرر، الشعور بانعدام القيمة أو بالذنب بشكل مفرط، التردد أو قلة القدرة على التركيز، وتكرار التفكير في الموت أو الانتحار.

تقول جينيفر بايني، أستاذة الطب النفسي ومديرة مركز الاضطرابات النفسية للنساء في كلية طب جونز هوبكنز: "إنه لأمر مدهش حقًا، كلما طالت فترة تواجدي في هذا المجال، تنكشف أمامي مظاهر متعددة للاكتئاب." يمكن أن تتنوع هذه المظاهر ما بين الصداع ومشاكل الجهاز الهضمي وأعراض الألم المختلفة، كما يمكن أن يؤدي الاكتئاب إلى تفاقم بعض الحالات المرضية المتواجدة، مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم. تقول بايني: "إذا أخذت نموذج لامرأتين مصابتين، الأولى مُصابة بسرطان الثدي، والثانية مُصابة بالسرطان وتعاني من الاكتئاب، فإن المرأة المصابة بالاكتئاب لديها فرصة أكثر مرتين للوفاة من تلك الأول المصابة بسرطان الثدي."

خلال محادثاتي مع بايني وغيرها من خبراء الطب، بدأت أفهم مدى اتساع وتعدد هذا المرض النفسي. يمكن أن يكون الاكتئاب مرئيًا أو غير مرئي. يمكن أن يستمر لأسابيع أو سنوات أو حتى عقود. يمكن أن يؤثر ذلك على النوم والتركيز والشهية والطاقة والذاكرة والحركة، وكما أعلم جيدًا من محاولة الكتابة أثناء شعوري بالاكتئاب؛ فحتى قدرات الشخص في التعامل مع اللغة تتغير.

إعلان

الجانب المخيف بشكل خاص هو حقيقة أن اليأس والعجز هما في الواقع من أعراض المرض. أخبرني ديفيد شبيغل، أستاذ الطب النفسي والعلوم السلوكية ومدير Center on Stress and Health في كلية الطب جامعة ستانفورد، أن الاكتئاب هو اضطراب عقلي شائع يمكن علاجه، لكن الأشخاص الذين يصيبهم يمكن أن يلوموا أنفسهم على أشياء ليست خطأهم، حيث يقول: "غالبًا ما يشعر الأشخاص المصابون بالاكتئاب بشكل قوي بالذنب تجاه كونهم مكتئبين وعدم القيام بأمور ينبغي عليهم القيام بها،" ويضيف "هذا جزء من المرض، هذا ما يمنعهم من البحث عن مَخرج، أو الحصول على مساعدة من الناس للخروج مما هم فيه."

هناك قائمة طويلة من الأسباب أو الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى الاكتئاب، مثل؛ فقدان شخص عزيز أو وظيفة؛ التعرض لمواقف تسبب الفشل أو الخزي أو الإذلال، المشاكل المالية والقلق، إساءة المعاملة والاعتداء على الأطفال، العنف المنزلي

ويمكن أن تكون أسباب المرض متنوعة مثل الأعراض المرتبطة بها، فقد أخبرتني نادين كاسلو، وهي أستاذة في الطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة إيموري، أن الاكتئاب عند البعض قد يكون جينيًا وراثيًا، بينما يعاني الآخرون منه كرد فعل على الضغط والإجهاد الخارجي. طبعاً، هناك قائمة طويلة من الأسباب أو الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى الاكتئاب، مثل؛ فقدان شخص عزيز أو وظيفة؛ التعرض لمواقف تسبب الفشل أو الخزي أو الإذلال، المشاكل المالية والقلق، إساءة المعاملة والاعتداء على الأطفال، العنف المنزلي.

يقول المؤلف البريطاني مات هايج في تغريدة له بأن: "الجميع مرتاحون طالما أننا نتحدث عن المرض النفسي في صيغة الماضي." وأعترف أنه من الأسهل بالنسبة لي أن أكتب هذه المقالة بعد نوبة الاكتئاب التي مررت بها مؤخراً. عندما أشارك هذا الشعور مع أشخاص أعرفهم، يمكنني أن أقول بصراحة، "أشعر بتحسن كبير الآن." وبهذا أوفر على كلينا حوار غير مريح. لكن كوني خارج لعنة الاكتئاب (على الأقل في الوقت الحالي؛ ليس لدي أدنى شك في أنني سأعود إليه في وقت ما) يتيح لي أيضًا منظورًا صحافيًا مثيرًا للاهتمام.

اللحظات الكاشفة الأخرى التي تلت ذلك، تشبه عودة الأجهزة المنزلية للعمل من جديد بعد انقطاع التيار الكهربائي: البكاء أثناء مشاهدة الأفلام العاطفية، أو الانفجار بالضحك عند سماع مُزحة

هناك نقطة جديرة بالإثارة - وأنا أقول هذا كشخص غير متدين في الغالب - وهي أن المشاعر شيء مدهش ومقدس. أنت تدرك هذا عندما تفقد تلك المشاعر. لا أعتقد أنني شعرت بالسعادة في أي وقت مضى مثلما حدث في الأيام الأخيرة عندما شعرت بالغضب بعد أن قرأت عن بعض الفظائع السياسية، لم أشعر منذ شهور بهذا النشاط والتأجج نحو الشعور بالغضب، لقد شعرت بالاستياء- وكان شيئاً جميلاً أن أشعر بذلك. اللحظات الكاشفة الأخرى التي تلت ذلك، تشبه عودة الأجهزة المنزلية للعمل من جديد بعد انقطاع التيار الكهربائي: البكاء أثناء مشاهدة الأفلام العاطفية، أو الانفجار بالضحك عند سماع مُزحة. قبل بضعة أسابيع، عدت إلى المنزل بعد قضاء مشوار، وبقيت في سيارتي لأستمتع بأغنية قديمة.

لكن حتى وإن كنت خرجت من لعنة الاكتئاب الأخيرة التي أصابتني، لكني ما زلت على وعي بالأشخاص الذين ما زالوا داخلها. أنا أعرف ماذا يعني أن تبتسم لصورة وتشعر بأنك تكذب. أنا أعلم ماذا يعني الشعور بالتعاسة لعدم قدرتك على الشعور بالحزن. أعلم ماذا يعني ان تبحث في الإنترنت عن مقطع فيديو أو مقالة أو كتاب يوضح ما يحدث داخل عقلك الذي يبدو محطمًا. من خلال فهم ذلك يمكن للأصدقاء والعائلة تقديم المساعدة لأحبائهم. من المحتمل أن تعرف شخصًا يعاني من الاكتئاب أو سيصاب به في مرحلة ما. وبالتالي فمن المهم أن تنتبه للشخص الذي يعاني من قلة النشاط الاجتماعي بشكل تدريجي. كن واعيا لزميل العمل الذي ظهر عليه أعراض هذا المرض، "أو الذين يبدو كما لو أن النور انطفئ من أعينهم" تحقق من هذا الأمر معهم. تواصل معهم واتصل بهم، وقم بزيارتهم.

في النهاية، يخبرني شبيغل: "من السهل إصلاح دراجة أو سيارة، لكن عقلك مُعقد، لذا، احصل على المساعدة إذا لم تشعر أن عقلك يعمل بالشكل المناسب."

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE US