matus-kovacovsky-eIvLuyDjCQI-unsplash (1)
Photo by Matúš Kovačovský on Unsplash


مقال رأي

شهادات اعتداء جنسي ضد مخرج مصري: توقيت الشهادات لا ينفي صحتها

بالتزامن مع انطلاق فيلمه الأخير "عنها"، يواجه إسلام عزازي اتهامات بالتحرش والاعتداء الجنسي والاغتصاب لعدد من النساء
14.12.20

يواجه المخرج المصري إسلام عزازي اتهامات بالتحرش والاعتداء الجنسي والاغتصاب لعدد من النساء. انطلقت الشهادات ضد عزازي منذ أسبوع تقريبًا، وبالتزامن مع انطلاق فيلمه الأخير "عنها" الذي ينافس في مهرجان القاهرة السينمائي لهذا العام. لم تصمد إدارة المهرجان طويلًا أمام ضغطٍ عام ومطالبات بتوضيح موقف المهرجان من مخرج الفيلم بعد تواتر شهادات ضده بممارسته عنف جنسي على مدار سنوات، فأصدرت إدارة المهرجان بيانًا دبلوماسيًا –أو متواطئًا- توضّح فيه رفضها للعنف ضد النساء وفي نفس الوقت تُشير إلى أن الفيلم والمخرج لن يتم استبعادهما من المنافسة إلا في حالة ثبوت تلك الاتهامات. ليتزايد الضغط والغضب ويزداد معهما تواتر الشهادات الواردة ضد عزازي.

إعلان

كيف بدأ الأمر؟
في السابع من ديسمبر الجاري، نشرت مدونة "دفتر حكايات" النسوية، وهي مدونة تنشر شهادات لنساء تعرضنّ للعنف الجنسي وأشهرها الشهادات المنشورة ضد الصحافي المصري هشام علّام منذ عدة أشهر، شهادة لامرأة تُفيد أنها تعرضت لعنف جنسي من المخرج إ.ع وأنها رغم عدم إفصاحها سابقًا عن الواقعة، إلا أن الاحتفاء الزائد بفيلمه الأخير بالمهرجان والترويج أن الفيلم "نسوي" ويدعم النساء حفّز صدمة الاعتداء وأثار غضبها من جديد تجاهه.

تقول صاحبة الشهادة: "حاولت اوصل لحالة من الشفاء الشخصي، لحد ما شفت بوستر الفيلم بتاعه، وحالة الاحتفاء بيه كصانع أفلام نسوي خلاني غضبانة جدا." في اليوم التالي، نشرت المدونة شهادة ثانية يُتهم فيها المخرج إ.ع باغتصاب تحت تأثير مخدّر، حيث شهدت امرأة أخرى أنه تعمّد تخديرها وممارسة الجنس معها وهي غائبة عن الوعي، أي أنه اغتصبها. ثم راوغها وجعلها شريكة له في جريمته تحت زعم أن كلاهما كان في غير وعيه وأن الفعل مشترك وأنه ليس اغتصابًا.

بعدها، نشرت المدونة أربعة شهادات أخرى إضافة إلى الشهادتين الأولى والثانية، تُظهر جميعها نمط معيّن من استدراج النساء عن طريق عرض أدوار في أفلامه، ومحاولات دائمة لتوجيه النقاشات والدردشات إلى أحاديث جنسية. بجانب إرساله عدد من الصور العارية لنساء أخريات غيرهنّ –يبدو أنه يستخدمها بلا اعتبار لخصوصية النساء اللاتي يظهرنّ فيها- في محاولة لاستمالة صاحبات الشهادات جنسيًا دون رغبتهنّ.

التوقيت ونظرية المؤامرة
في خضم الشد والجذب، تساءل البعض عمّا إن كان توقيت نشر الشهادات يستهدف المخرج أو الفيلم بدافع الغيرة من النجاح. وتبنّى العديد نظريات مؤامرة أن المخرج مستهدف بالفعل وأن مهرجان القاهرة ليس طرفًا في الصراع. وتبناها إسلام عزازي نفسه، حين أتهم صاحبات الشهادات أنهنّ ينظمّن حملة ممنهجة ضده.

إعلان

ولكن يبدو أن الشهادات المنشورة تتخذ نهجًا متكرر، وأسلوب استدراج متشابه ويكاد يكون واحدًا في ست شهادات منشورة حتى الآن. كما أن اتهام صاحبات الشهادات أنهنّ يستهدفنّ فلان أو علّان، ليس جديدًا، فالسواد الأعظم من المعتدين الجنسيين يستخدمون تلك الحجة في الخروج من مأزق الفضح وخسارة حياتهم المهنية والشخصية. كما يستخدمون "اللجوء للقانون" كحُجة أمام الرأي العام، ويضعون صاحبات الشهادات في موضع المُتّهم ويطالبوهنّ بإثبات الاعتداء/الاغتصاب.

وبما أن غالبية هذه الوقائع حدثت منذ سنوات وأغلب الظن أنه لم يكُن هناك أي شهود عليها، فمن الصعب جدًا إثبات صحّتها. كما أن هناك تبعات للإبلاغ، خاصة إن كانت القوانين غير حسّاسة للنوع الاجتماعي في قضايا العنف الجنسي كالقانون المصري. وهو ما يضع الضحايا في مواجهة عنيفة إضافة إلى عبء وصدمة تعرضهنّ للاعتداء الجنسي. من الواضح أن هناك تشابه في النهج الذي يتّبعه المعتدي/ون والذي غالبًا ما يكون نمط موحّد، كما كان الحال مع الصحافي المصري هشام علّام، وآخرون مثل أحمد بسّام زكي، وعصابة مغتصبي الفيرمونت.

إعلان

ولكن في مرة تخرج هذه الشهادات، يتم السؤال عن التوقيت، لماذا الآن؟

السؤال نفسه يضع الضحية في مكان للدفاع عن نفسها. وكما في جميع الاعتداءات الجنسية التي تم فضحها مؤخراً، فإن هناك عدة عوامل أو محفزات تشجع النساء والضحايا على الحديث عن هذا الاعتداء في وقت وزمان معين. وهذا لا يقلل بأي شكل ولا لأي سبب، صدق هذه الشهادة. التوقيت فهو مختلف من شخص لآخر ومن امرأة لأخرى ومن ضحية لضحية.

  • أولاً، وجود مُحفزّات لصدمة الاعتداء، كالاحتفاء بالمعتدي، له دور قوي ومؤثر في ردود أفعال الناجيات وإعادة اختبارهنّ لشعور الاستباحة أثناء وبعد الاعتداء الجنسي، وهو ما قد يدفعهنّ لمشاركة شهاداتهنّ مع نفس الشخص.
  • كما أن من ضمن المُحفزات هو أن تتشجّع نساء غيرهنّ بعد قراءة للشهادات، فيُشاركنّ بشهاداتهنّ. فتصبح الشهادة، ست شهادات في أقل من أسبوع.
  • بعض الناجيات لا يُفصحهنّ عمّا تعرضنّ له لاعتقادهنّ أنهنّ شركاء في فعل الاعتداء، إما بالسماح للمعتدي أو لأن المعتدي نفسه يحاول إقناعهنّ بذلك، كما ورد في الشهادة الثانية ضد المخرج.
  • هناك مَن لا يُفصحنّ خوفًا من تبعات الإفصاح عليهنّ وعلى حيواتهنّ الاجتماعية والمهنية، خاصة لو كان المعتدي ذو مكانة اجتماعية وامتيازات قد يستخدمها ضدهنّ.
  • أخريات لا يُفصحنّ بسبب عدم استيعابهنّ لصدمة الاعتداء الجنسي نفسها. فبعض هؤلاء لا يتخيّلن أنه تم استباحة أجسامهنّ بهذه الدرجة. وبعضهنّ يحاولنّ إنكار الاعتداء كأنه لم يحدث من الأساس، في محاولة لتخطّيه واستكمال حيواتهنّ.
  • هناك ناجيات يلجأن للحديث مع المعتدي مرة ثانية، لعلّ ذلك يعطيهنّ قدرًا من الشعور بأن ما صدر منه/منهم لم يكُن مقصودًا، أو لفهم سبب اعتدائه عليهنّ، كما حدث مع الشهادات المنشورة ضد الصحافي المصري هشام علّام.
  • هناك مئات الأسباب الشخصية والاجتماعية الأخرى التي تجعل من الإفصاح عن التعرّض للاعتداء الجنسي، أمر ثقيل للغاية وله عواقب لا تُحمد عُقباها، لاسيما إن كانت القوانين لا تُنصف الناجيات وتُلقي بعبء إثبات الاتهام على أكتافهنّ، لا أكتاف المعتدين.

إعلان

هناك كذلك عوامل داخلية ومؤثرات خارجية تؤدي لفعل الإفصاح منها:

  • أن تكون سلطة الشخص المعتدي قد سقطت عن الضحية/الناجية، ومنها أن الضحية نفسها قد فقدت قدرتها على كتمان الأمر.
  • أن ترى الشخص المعتدي مُحتفى به، بينما هي تُعاني صدمة الاعتداء الجنسي.
  • محاولات الإنكار وتحييد مشاعر الصدمة الناتجة عن الاعتداء، أنتجت غضبًا جامحًا لن يهدأ حتى يعرف أكبر عدد ممكن من الناس أن هذا الشخص ارتكب جريمة بحقها.
  • لا تُريد لنساء أخريات أن يقعنّ فريسة له/لهم، فيكون الإفصاح هنا في إطار التحذير.
  • الرغبة في الانتقام من شخص معتدي استغل وضعها واستضعفها، وكان واثقًا أن جريمته لن يتبعها عواقب ولن يدفع ثمنها بأي شكل سواء كان اجتماعيًا أو قانونيًا.

ماذا عن الفيلم؟
أثارت الشهادات جدلًا موسّعًا حول الفيلم وحول صانعاته وصانعيه. البعض يرى النسويات يُبالغنّ في مطالبة فريق عمل الفيلم باستبعاد المخرج من العرض ومن الندوات التي كان من المفترض إقامتها بعد عرض الفيلم بالمهرجان. والبعض يراه أقل ما يُمكن فعله. وأرى أن حتى هذه المُطالبات -التي لم تطُل أي من فريق العمل حتى الآن- غير كافية.

هناك لزام أخلاقي على كل شخص يتعامل مع رجل من هذه النوعية وتدور حوله شكوك أو لغط حول كونه ذكوريًا أو يحتقر النساء، وهذا اللزام الأخلاقي يجب أن يتعدى حدود الموقف الشخصي إلى علاقات العمل أيضًا. فلا يجب التعامل باستهانة مع شخص معروف عنه ما هو معروف عن المخرج. وعلى كل شخص/ة قرروا التعامل والعمل معه، تحمّل مسؤولية أنه شخص ارتكب جرائم في حق نساء.

التسامح مع العنف ضد النساء، حتى لو لم يكُن عنفًا جنسيًا، تُسهّل على المعتدين ارتكاب جرائم حقيقية في حق النساء. لذلك، أرى ضرورة في أن يسقط فيلم "عنها." وأن يكون واضحًا لكل شخص أن اختيارات العمل مع مُعنفي النساء، لها عواقبها الجادة والتي قطعًا ستؤثر على سير العمل/نجاحه/ أو استمراره. يجب أن تؤخذ تلك الأقاويل عن الرجال بجديّة، ولا يتم التهاون معها أو التسامح فيها أو تجاهلها من أجل مصلحةٍ ما. فإن تم التسامح، وقع العقاب.