صحة نفسية

الخبراء يجيبون: لماذا نشعر أننا أقل من الآخرين؟

السعي نحو الكمالية ترتبط بإحساس مزمن بالفشل - يصبح الجيد بما فيه الكفاية ليس جيدًا بما فيه الكفاية
10.9.20
judeus-samson-tI6m-AXpAsg-unsplash

يأتي فعل مقارنة أنفسنا بالآخرين أمرًا غريزيًا تلقائيًا يبدأ بمجرد بداية علاقتنا بأي شخص نعرفه. بل يمكننا في الواقع نسب الحضارة البشرية بأكملها وحركتها وتطورها المستمر، إلى مقارنة الأفراد ومن ثم الجماعات والشعوب بعضها ببعض. تساعد هذه المقارنة المستمرة على التصنيف والتوجه ومعرفة الذات والآخر، وتتركنا في حالة عمل نفسي وروحي مستمر. ذلك بالطبع قبل أن تبدأ الأمهات باستخدام هذا المحرك الذاتي الهام كأداة تحطيم حين تستمر بمقارنتك بابن خالتك الذي يبدو أن تفوقك عليه هو رابع المستحيلات. ينقلب الموضوع علينا تمامًا عندما تصبح هذه المقارنة هي كل ما يفعله الإنسان فتتحول إلى نوع من الهوس، ويكتفي بالمقارنة دون أن يحاول حقيقية معرفة نفسه أو الآخر. يوصل هذا الطبع إلى إعطاء الإنسان لتفوق الآخر عليه في جانب من الجوانب أهمية أكبر من حجمها الحقيقي، مما يسبب أذية الإنسان لذاته وشعوره المتواصل بأنه أقل من الآخرين، مسلمًا بضعفه وبتفوقهم.

إعلان

"نحن أمام حالة لا نهائية من المقارنات اليومية أو التي تكاد أن تكون لحظية، قد لا تتوقف عند مقارنة أنفسنا بالآخرين، بل حتى مقارنة أنفسنا بأنفسنا، أين كنا قبل عام مثلًا، أو مع توقعاتنا عن أنفسنا في المستقبل. هذا كله يخلق حالة تسمى عدم الرضا اللانهائي، حيث نعيش حياتنا غير راضيين عن أنفسنا،" يشرح الدكتور رفيف المهنا، المختص بالطب النفسي مقيم في مرسيليا بفرنسا، منشأ سلوك المقارنة بالآخر يعود إلى طريقة بناء الشخصية في مراحلها الأولى: "حين يتربى الطفل على أنه محبوب، وأن يمتلك الثقة بنفسه ليغامر ويجازف دون الخوف من العقاب أو الاتهامات والإساءات، فسينضج هذا الطفل حتمًا بشكل مختلف وبكمية رضا عن الذات عالية. وكلما كانت كمية الرضا الداخلي هذه أكبر كلما باتت كمية المقارنة أقل."

التربية طبعاً تعتبر مؤثر أساسي في كيفية تشكلنا داخلياً، وعادة ما تقع المسؤولية على الأم لإشعار الطفل بأنه محبوب. جميع الأمهات تعتقدن أنهن يقدمن الحب بشكل غريزي، ولكن الحقيقة هي أن ليس كل الأمهات يقدمن الحب. هناك الكثير من الأطفال الغير محبوبين والذين لم يعزز لديهم أهلهم شعور الثقة بالنفس، بل وبسبب خوف الأهل عليهم فقد قيدوهم ضمن مساحة أمان ومنعوهم من الخروج منها.

يضيف الدكتور رفيف: "اختيار الأمان عوضًا عن المغامرة سيخلق شخصية جامدة تميل إلى المقارنة بالآخرين، والإساءة للذات، وجلد الذات. عند تعليم الطفل منذ طفولته أن يتجرأ ويخاطر، ويتعلم أشياء جديدة، سيكبر ممتلكًا ثقة أكبر بالنفس. كل مخاطرة نقوم بها خلال حياتنا أو خروج من مساحة الأمان، يرفع من مستوى الثقة بالنفس عندنا." بالإضافة إلى عوامل التربية والتنشئة، يشير الدكتور رفيف إلى عوامل أخرى تتدخل لتعزيز هذا الشعور في مراحل متقدمة من حياتنا، كنوع العمل الذي نمارسه، ومردوده المادي، وشعورنا بجدواه، وشعورنا بأننا نفسنا مفيدون وقادرون على التقديم والإضافة للمحيط.

إعلان

في السياق ذاته، يؤكد الدكتور أحمد تاجي، المختص بالطب النفسي والذي يعمل في مركز دمر الطبي في سوريا، على تأثير الجوانب الاجتماعية على تزايد الشعور بعدم القيمة أو feeling never good enough  وهذا قد يظهر لدى شريحة الشباب في ظل الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها المنطقة، من عدم قدرة الكثير من الشباب الخريجين على تأمين العمل، والتفكير المتواصل بالسفر، والتباين الاقتصادي الكبير بين أبناء المجتمع الواحد. "كل هذه العوامل تزيد من إحباطنا وشعورنا أن الآخر أكثر سعادة وراحة منا،" يقول تاجي ويضيف أن شعورنا بأننا أقل من الآخرين يبدأ بالتحول إلى حالة مرضية عندما لا يعود دافعًا لنا للتحسن والتطور، حينها يلزمنا متابعة هذا الشعور المتواصل بالسوء مع معالج نفسي ويقول: "الحالة الأخطر هي حين يتحول هذا الشعور إلى واقع، بحيث يصبح لدى الشخص اعتقاد راسخ أنه غير ذي شأن وليس له أهمية، وأن كل ما يفعله بلا قيمة، حينها يتوجب التوجه إلى العلاج الدوائي بإشراف طبيب نفسي مختص."

الانفتاح الكبير على العالم الذي حققته السوشيال ميديا، وضعنا أمام كرنفال كبير من الاستعراض المتواصل والمظاهر الزائفة التي قد لا نملك البناء النفسي الصحيح لمواجهته

أما إمكانية تحول هذا الشعور الطبيعي إلى حالة مرضية ومدى خطورتها، يعلق الدكتور رفيف: "تؤدي المراحل المتقدمة من فقدان الثقة بالذات حتمًا إلى الاكتئاب. يؤثر هذا الاكتئاب على شكل الحياة اليومية للإنسان، وقدرته على الإنجاز، والنمو النفسي، ممتدًا إلى التأثيرات العضوية والصعوبات في النوم ومشاكل الجهاز الهضمي." ويتابع:" مع تطور مراحل الاكتئاب قد تنشأ لدى الإنسان أفكار انتحارية نتيجة غياب تقديره لذاته. بالطبع يمكن مساعدة الإنسان قبل الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة، لكن للأسف فإن أحد أسباب تطور هذا الاكتئاب حتى يصل بالمريض إلى الانتحار هو امتناع الشخص عن طلب المساعدة، نتيجة عدم اقتناعه أو إدراكه لوجود مشكلة. وهذا يجب أن يتغير."

إعلان

وقد وجدت الدراسات رابطًا قويًا بين الكمالية والتفكير بالانتحار. ويقول الباحث في دالهوزي سيمون شيري، الذي أجرى الدراسة مع مجموعة من الباحثين الآخرين أن "الكمال، كجزء من شخصية الشخص، قد يعرضه لخطر المزيد من الأفكار الانتحارية ومحاولات الانتحار بمرور الوقت. السعي نحو الكمالية مرتبطة بإحساس مزمن بالفشل - بحيث يصبح الجيد بما فيه الكفاية ليس جيدًا بما فيه الكفاية. وغالبًا ما يشعر الساعي للكمال أنهم فشلوا، ويكون وهذا بعيد تمامًا عن الحقيقة."

وفقًا للدراسة من عام 2017 ، فإن الطرق التي يساهم بها الكمال في الانتحار غير معترف بها ويساء فهمها، وهناك فجوة بين ما يعتقده الناس حول الكمال وما يظهر العلم أنه صحيح: غالبًا ما يكون لدى الناس وجهة نظر إيجابية وردية عن المثالية. في مقابل ذلك ، وجدنا أن الكمال يعرض الناس لخطر الانتحار،" يضيف شيري.

في محاولة لفهم مراحل العلاج السلوكي التي قد تساعد الإنسان على تحسين شعوره تجاه ذاته، والحد من مقارنة نفسه بالآخرين، توجهنا إلى الاستشارية النفسية نجلاء الكود التي حددت "تقدير الذات" كعنصر مفتاحي في مواجهة هذا الشعور: "التطور الكبير والمتسارع الذي شهدناه في السنوات الأخيرة وهذا الانفتاح الكبير على العالم الذي حققته السوشيال ميديا، وضعنا أمام كرنفال كبير من الاستعراض المتواصل والمظاهر الزائفة التي قد لا نملك البناء النفسي الصحيح لمواجهتها. لذا يبدأ العلاج بتغيير المعتقدات التي عززتها السوشيال ميديا، أو التنشئة العائلية، أو المجتمع ومظاهره، وأن نبدأ بالتركيز على الذات."

تنصح نجلاء بأن نكون لطيفين مع أنفسنا ونذكر أنفسنا دائمًا بما نملكه من قدرات تخصنا، كلما انتابنا شعور مفاجئ بأنه لا قيمة لنا وتضيف: "بداخل كل إنسان منا متحف، فيه الكثير من الميزات والصفات والمواهب والجمال. علينا دائمًا البحث بداخلنا عما يميزنا عن غيرنا، وعما نملكه ولم نطوره من قدرات لنبدأ بالعمل على تطويره وإبرازه. لنوجه البحث إلى داخلنا وإلى ما يجعلنا فريدين عن الآخرين."

مع ذلك، قد تكمن مشكلة بعض الأشخاص في تحديد مواقع القوة والتميز في شخصيتهم، عن ذلك تجيب نجلاء:" يستحيل وجود شخص خال من القدرات والمميزات، لكن في حال كان الإنسان قد وصل إلى مرحلة من عدم التقدير للذات بأن ينكر وجود أي مواهب أو قدرات لديه، فيجب أن يجد الدافع إلى اكتساب ما ينقصه. إن لم تكن تؤمن بوجود ما يميزك بشكل فطري، حاول صناعة هذا المميز بنفسك، بأن تتعلم مهارة معينة، لغة جديدة، تبنى هواية أو حرفة أو خط عمل جديد عوض الاكتفاء بمراقبة الآخرين يتطورون."

تؤكد نجلاء أن تعديل نظرتنا لأنفسنا ليس أمرًا سهلًا أبدًا، لكنه يتم بتكرار زيارة الأفكار الإيجابية عن أنفسنا، ومن ثم تحليل وتفسير المعتقدات السلبية بحيث نتمكن من إقصائها والتوقف عن تصديقها: "يجب مثلًا أن نمتلك الوعي بأن تصوير شخص ما للقطة جميلة بزاوية صحيحة وفلتر مناسب، لا يعني أن هذا الشخص في مكان أفضل، وأن تقديم إنسان ما لنفسه اجتماعيًا بصورة معينة، قد لا يكون حقيقيًا دائمًا. ليس كل ما يلمع ذهبًا، والعالم الافتراضي هو مجرد فقاعة كبيرة، لكن يمكنها أن تبقينا حبيسين بداخلها ما لم نملك الوعي الكافي لفصلها عن واقعنا، وتصورنا عن حياتنا وأنفسنا."